«انظروا لهذه الجراح التي فعلتموها في أيّامي الماضية وأنا ما زلت أبتسم وأحبُ الحياة». بهذه العبارة الموجزة يمكننا الخروج بفكرة عامّة بعد الانتهاء من قراءة العمل السردي الجديد للشاعر المصري رامي يحيي «المواطن... إسود» (ميريت-القاهرة)، لكن مع فتح معنى تلك "الجراح" التي قصدها لتصير مفتوحة على الحياة التي عاشها هذا «المواطن» بكل فروعها والحب واحد منها. وأكثر من هذا: سُنبعد فكرة الحب هنا قليلاً وهي تبدو ترفاً في سياق حياة ظهرت ثقيلة من النقطة الأولى لطفولة صاحبها وهو يجد ذاته "أقلّية" في محيط إخوته قبل أن يُفتح الألم على عناوين عريضة من "الأقلّيات" التي عاشها اختيارياً في بعضها، ومُجبراً في الكثير الباقي منها «نوبياً وزملكاوياً وشيوعياً و.. إسود»، وتُنطق مفردة "إسود" هنا بلهجة عامّية شديدة مع الضغط على الـ"إ" لتوضيح الحالة المقصودة حال نطقها بوصفها شتيمة لا لوناً مجرداً.
ونجد أنفسنا خلال كل ذلك متضامنين في الأولى (نوبي) وضاحكين في الثانية (نادي الزمالك) مع حسرة في الثالثة (الانتماء السياسي) وحزانى في الأخيرة، وقد ظهر لون البشرة تهمة يحاول حاملها تحاشي الإهانات التي تتساقط عليه طوال سيره على طريق الحياة.
كأن الحياة هنا قد وقفت مع هذا "النوبيّ" العنيد على نحو مُعاكس. ولعل هذا الأمر يبدو واضحاً في غلاف العمل الذي صنعه الفنّان أحمد اللبّاد وهو يُبرز طائراً أسود يسير في عكس اتجاه طيور موحدّة اللون في حين قرّر هو مواجهتها بثبات خطوته.

«نوبي وزملكاوي وشيوعي و... إسود»

على هذا، تبدو نصوص "المواطن" مأخوذة من الحياة "خدتها وغزلت عليها مع شوية بهارات" كما يقول. لكن مع ذلك، يمكن اعتبارها امتداداً لنتف من السيرة ذاتها التي كان قد سّجلها في ديوانه "كلام كريم" (2012) وهو يعرض لتطوّر حالته في الحياة حيث كان "صبي ورشة عند جزمجي في العتبة" ليصل إلى مرتبة تقترب من "شاعر ينفع يُحتَرم من ناس بتفهَم". ويبدو هنا واثقاً من نفسه حيث "مِسير الناس تِصَدّق لمّا أبقى شاعر عظيم".
هكذا يبدو صاحب "الغريب" متورطاً حتى وهو يكتب قصيدته التي لا تبتعد كثيراً عن سيرته وعن تدوين تفاصيلها، وهو يستثمرها إلى أقصى حدّ لدرجة التقاط العبارات التي كانت تُلقى عليه من الآخرين وإيجاد تصريف لها في قلب قصيدته "أنا جعااان/على رأي عم نِجم (أحمد فؤاد نجم) فيّا/"جعان جوع تاريخي"/ كلمة صحّت فيّا كل لحظات الوجع".
وقد بدأت رحلة صاحب "صعلوك" مع قَدر الأقلّيات من البيت ومن نقطة "الطفولة الأولى" حيث كان الابن الوحيد وسط عائلة من البنات، وكن يقمن باستغلال عدم وجود الأب والأم لطردوه من البيت تحت مُبرر "إني مُش أخوهم وإني طفل مسكين بيربّوني من باب العطف".
لاحقاً، ستتضاعف فكرة الأقلّية وهو يرى نفسه في عيون الناس على هيئة نوبي قادم إلى القاهرة ما يجعله مضطراً للبحث عن إعلان انتماء لأي أكثرية كانت كي ينضم إليها لكنّها "الأكثرية الوحيدة المُضطهدة في كوكب الأرض... الفقراء". من هنا سيبدو الانتماء إلى اليسار واضحاً لكن هذا لا يمنعه من نقد رموز سياسية من عيار رفعت السعيد الموالئ للسلطة بوضوح، وهو الذي-أثناء التظاهرات- "أجدع واحد يقفل باب الحزب (التجمع) في وش المُحتجين ويسيبهم للأمن". لا يغفل رامي عن ذكر موقفه من الإخوان المسلمين الذين كانوا أول من وقف ضد التحركات الشعبية ضد السلطة أثناء إضراب عُمّال المحلّة الشهير (2008) معلنين "إن الإضراب حرام".
ويكتب صاحب "بأكد جنوني" عبارته الساخرة المُثيرة للضحك طوال رحلة السرد، وهو يحرص على عدم وضوح الألم الذي تحتويه. عبارة ساخرة مُنتجة بنبرة عالية هدفها كتمان ذلك الألم الذي تشير إليه على الضد من رغبة كاتبها الحريص على رفع نبرة الكبرياء والكرامة الشخصية. مع هذا، نراه لا يخجل من سرد قصص الحب «الخسرانة» على ندرتها، مُبتهجاً في الوقت ذاته بلحظة "علاقة" مع فتاة "بيضاء" أثارت أحقاد المحيطين وأشعلت غيرتهم. تدفعه قصة الألوان هنا للتنويه بحالة تثير الرجل المصري «مهما كانت مقاييس الجسد» لأن «المصريون بيركزوا في الألوان كمصدر للإثارة الجنسية بشكل مبالغ فيه». ويأتي هنا اللون الأحمر كأحد مصادر تلك الإثارة وهي «طريقة عجيبة في التفكير بتخلّيني ماستبعدش إن ألوان الإشارات هي السبب في حالة الهياج المروري اللي في البلد». مع ذلك، هو لا ينسى عبارة لفتاة بيضاء حاول اللعب معها، ومن سوء حظه كانت مُصابة بالاكتئاب فكان ردّها "هيّ العيشة ناقصة ظلمة" في إشارة للون بشرته.
أمّا قصة «نادي الزمالك» لكرة القدم كأقلّية، باعتباره الفريق المُضطهد من السلطة لصالح النادي الأهلي واعتبار رامي يحيى جزءاً من عُشّاق ذلك الفريق، فنراها مكثفة في رواية لواقعة حضوره لنهائي بطولة افريقيا وكان «الزمالك» طرفاً فيها. يبدو الفوز مهماً بالضرورة، لكنه لازم قبل ذلك درءاً لـ «شماتة جماهير الأهلي فيهم» وأيّ شيء آخر يهون بعد ذلك. يروي رامي هنا التفاصيل التالية للحظة ضياع ضربة جزاء للزمالك في ذلك النهائي، وهو يرى الجماهير وقد بدت مهزومة ومنكسرة «أمّا الرجل المؤمن بجواري، فجاء رد فعله شديد العُمق حيث انخرط في البكاء وهو ينظر إلى السماء ويردد "حتى أنت أهلاوي يا رب!»».