أي مقاربة لإصلاح اقتصادي يجب أن تستند إلى رؤية سياسية. فالهندسة الاقتصادية المطلوبة تعكس توجّهاً سياسياً لا يمكن إغفاله. كما أن العلاقة بين السياسي والاقتصادي علاقة عضوية خاصة والاقتصاد ليس إلا سياسة بلغة الأرقام. والتوجّه السياسي المطلوب، خارجياً وداخلياً، هو على نقيض التوجهات والسياسات المتّبعة منذ الاستقلال ولا سيما في حقبة الجمهورية الثانية. فالتوجّهات والسياسات التي اتُّخذت منذ الاستقلال وحتى الساعة، هي المسؤولة عن الواقع الاقتصادي القائم وبالتالي لا بد من تغيير جادّ وليس الترقيع أو إعادة تأهيل ما لا يمكن تأهيله.

وهذه التداعيات الاجتماعية للخيارات والسياسات الخاطئة والعبثية أفضت إلى حالة كارثية في المجتمع اللبناني. فالفقر هو المسيطر على كلّ مكوّنات المجتمع اللبناني حيث الوظائف والأعمال تبخّرت كما تبخّرت مدّخرات المواطنين وما بقي من خيار إلا الهجرة لمن استطاع سبيلاً! كما أن فقدان الخدمات الأساسية من كهرباء ووقود ودواء تلازم مع فقدان القدرة على الاستشفاء ودفع أقساط المدارس وانسداد الأفق المستقبلي لمجمل اللبنانيين. كذلك، إن التلوّث في البيئة وتنامي الأمراض المزمنة زادا هموم اللبنانيين الذين لم يجدوا الدولة جاهزة للتعامل معها. الخطورة في استمرار الوضع هي اللجوء إلى الأمن الاقتصادي الذاتي لمكوّنات المجتمع اللبناني الذي يزيد في التجزئة والشرذمة وبالتالي البلاء العام.
القاعدة السياسية التي يجب أن تترسّخ هي لمواكبة التغيير القائم على الصعيد الاجتماعي. فسيطرة التوازنات الطائفية والمذهبية على حساب الكفاءة أصبحت عائقاً أمام ديمومة واستقرار البلاد ما يتطلّب إقامة نظام مدني مبني على مشاركة فعلية لكل مكوّنات القوى الحيّة من نقابات (التي يجب إعادة بنائها وتحريرها من سلطة الزعامات الطائفية والمذهبية)، وهيئات اجتماعية، ومؤسّسات المجتمع المدني غير المرتبطة بالخارج. هنا يكمن دور الشباب اللبناني ودور المرأة اللبنانية في مشاركة فعّالة وليست صورية لفعل التغيير ومواكبته. فالتوازن المزعوم في النظام القائم بين مكوّنات المجتمع اللبناني المتنوّع لن يحصل عبر اختزال مصالح المكوّن في شخص مَن يزعم تزعّم ذلك المكوّن. كما أن التغييرات المطلوبة في سلوك مكوّنات التركيبة الاجتماعية تعود إلى ضرورة تقدّم طبقات اجتماعية لا تستند إلى اقتصاد ريعي بل إلى اقتصاد منتج يتلازم مع ثقافة المساءَلة والمحاسبة للمسؤولين المرتقبين. وهذه الثقافة لن تقوم إلا بعد مراجعة جذرية للبرنامج التربوي القائم في لبنان من مرحلة الحضانة إلى الابتدائي إلى الثانوي إلى الجامعي وما بعد الجامعي. لذلك لا بد من خطط مرحلية وطويلة المدى تحدد الأهداف وتوزيع الإمكانات لتحقيقها. وهنا نؤكّد قوّامة القطاع العام عبر التربية الوطنية في المدارس الوطنية والجامعة اللبنانية بالقيام بتلك المهامّ.
لا ندعو إلى إقامة اقتصاد اشتراكي يعتمد المركزية في التخطيط والتنفيذ (علماً بأن التجربة الصينية يجب درسها) بل ندعو إلى بناء اقتصاد متوازن في القطاعات الإنتاجية وخارج عن الطابع الريعي وغير منكشف تجاه الخارج، ونعني هنا الغرب. والتوجه جغرافياً واقتصادياً وسياسياً هو نحو الشرق دون إجراء القطيعة مع الغرب كما أن التوجه الاقتصادي هو نحو إعادة تأهيل القطاع العام وترشيده والحفاظ على قوّامته وإلزام القطاع الخاص في تنفيذ مسؤولياته تجاه البيئة. لذا، المشروع المعروض هو مشروع إنمائي (بمعنى تطويري) وتنموي (بمعنى نهوض) للبنان. الدقّة في التمييز في المصطلحات هدفها إبراز البعد السياسي للمشروع كما هي انعكاس لواقع نريد تغييره بالشكل (إصلاح وتطوير) والمضمون (النهضة) الشاملة.

طبيعة النظام الاقتصادي اللبناني
لبنان يعاني من أزمة مزدوجة: فمن جهة هناك خلل نظامي طغى على بنيته الاقتصادية كما أن الأزمة البنيوية أدّت بدورها إلى المزيد من الخلل في النظام القائم. الخلل في البنية الاقتصادية يعود إلى التركيز على قطاع خدماتي ريعي وطفيلي في آن واحد وذلك على حساب القطاعات الإنتاجية. في المقابل هناك قطاع خدماتي ذو قيمة مضافة مرتفعة تمّ إهماله كقطاع التربية والاستشفاء وحتى السياحة إلى حدّ كبير لأن ذلك يتطلّب استثماراً ومجهوداً كبيراً ومردوده لا يظهر إلا في المدى الطويل بينما الاهتمام كان وما زال على المدى القصير وإن كان على حساب المستقبل. كما أن هذا التركيز، أدّى إلى تمركز الثروة في لبنان في يد مجموعة قليلة تتحكّم بالأمور وذلك على حساب الشرائح الواسعة من الشعب اللبناني. والحلقة المفرغة تتحكم بدينامية الأمور ما يجعل الكلام التقليدي عن الإصلاح الاقتصادي دون جدوى أو قابلية للتنفيذ. إذاً، البنية الاقتصادية المأزومة تعكس الأزمة في البنية السياسية في النظام القائم في لبنان ومدى انكشافه تجاه الخارج.
أشار الدكتور جورج قرم، إلى أن لبنان شاهد منذ الاستقلال تنافساً بين مشروعين اقتصاديين. المشروع الأول منبثق عن فكر ميشال شيحا الذي أضحى أن تكون مهمة لبنان هي الوساطة بين الدول العربية التي كانت تفتقر إلى البنى التحتية والمالية المطلوبة للقيام بمهامها التنموية عند حصول استقلالها من المستعمر الأوروبي. وبالتالي كان التركيز في لبنان على نموذج معين من اقتصاد منعوت بالحرّ يركّز على قطاع الخدمات، وإن كان على حساب القطاعات المنتجة التقليدية كالزراعة والصناعة. وكان النموذج الاقتصادي المتبع مرآة للصفقات السياسية إذ اتفق على "التخلّي عن التبعية للغرب" بشكل عام، وفرنسا بشكل خاص مقابل التخلّي عن المطالبة بالوحدة مع سوريا. لذلك كان «الدور الطبيعي» للاقتصاد اللبناني هو «الوساطة» بين العمق العربي والغرب.

أهداف الإصلاح تتطلّب اتخاذ سلسلة من الخيارات والسياسات تُنهي التبعية للريع وللخارج الغربي وخاصة المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي


أما النموذج الثاني فكان الذي أطلقه الرئيس الراحل فؤاد شهاب الذي حاول أن يصون بنية النظام السياسي القائم عبر ترويج مفهوم التنمية المتوازنة. فكانت بعثة «إرفد» الشهيرة تحت إشراف الأب لوبريه التي قامت بأول وآخر مسح شامل للاقتصاد اللبناني مركّزة على البعد الاجتماعي الغائب في النموذج الشيحي. والجدير بالذكر أن النموذج التنموي والنهج السياسي لفؤاد شهاب ترافقا مع المشروع القومي السائد في المنطقة العربية في الستينيات. لكن، انقضّت البيوت السياسية اللبنانية على النهج الشهابي والنموذج التنموي بعد هزيمة 1967 وغياب المرجعية القومية الضابطة للانحرافات القومية والإقليمية. فعاد النموذج الشيحي مدفوعاً بإقفال قناة السويس والطفرة الأولى لارتفاع أسعار النفط في مطلع السبعينيات، إلى أن انفجرت الحرب اللبنانية وقضت على النموذج الشيحي (نسبة إلى ميشال شيحا) بصيغته القديمة.
بعد حقبة الحرب اللبنانية جاء اتفاق الطائف وأتى معه من يروّج لإحياء النموذج الشيحي للاقتصاد اللبناني باغياً استرجاع مكانة لبنان كمركز خدماتي من طراز أوّل دون أن يعي المتغيرات الجذرية التي حصلت في المنطقة وفي العالم. فعلى صعيد المنطقة استطاعت الدول العربية أن تستكمل بناء هيكلياتها التحتية وتستبدل خدمات غربية وشرقية بالخدمات اللبنانية في غياب لبنان المنهك بالحرب الأهلية. كما أن انفجار الثورة التكنولوجية في المواصلات ووسائل النقل أتى بموجة العولمة التي قضت على مفهوم الوساطة الاقتصادية بمفهومها التقليدي. دول الخليج استطاعت أن تتجاوز ما كان يقدمه لبنان لها بل يمكن القول إنها أصبحت راشدة وعالمة بمصالحها وغير محتاجة إلى «الخبرة» اللبنانية التقليدية. لكنّ الحقبة الحريرية خلال التسعينيات حاولت أن تتجاهل تلك الحقائق حالمة باسترجاع مكانة لبنان كمركز خدماتي يتطلب إعادة بناء البنية المصرفية التي تؤهله للقيام بذلك الدور مراهنة على مشروع السلام في المنطقة الذي رفضه الكيان الصهيوني مع اغتيال رئيس وزراء كيانه عام 1995. اكتفت السياسة الحريرية فقط بالتركيز على قطاع العقاري والقطاع المالي وتسخير الدولة لخدمة القطاعين ما أسفر عن نسبة مديونية عامة حقّقت أرقاماً قياسية نسبة إلى الناتج المحلي الداخلي وبلغت 145%. كما تجاهلت الحقبة الحريرية وحتى الساعة إعادة بناء البنية التحتية من كهرباء ومياه وشبكات طرقات ومواصلات ومدارس مكتفية بإعادة وسط بيروت وتقديمه كـ «إنجاز» اقتصادي من الطراز الأول متجاهلة دور وسط بيروت التقليدي واستبداله بدور لا طعم ولا لون له وعاجز عن المنافسة الإقليمية في القطاع المالي والمصرفي الذي سعى إلى تمكينه.
هذا العرض السريع لطبيعة النظام الاقتصادي اللبناني ضروري لتبيان الفرق مع ما هو مطلوب للخروج من المأزق الخانق القائم. وهذا يدفعنا إلى تحديد الأهداف، ثم الاستراتيجية المطلوبة بما فيها القرارات السياسية الضرورية، وإعادة الاعتبار إلى فكر التخطيط المركزي الذي أثبت تاريخياً في العديد من الدول جدواه كالصين حالياً، وإلى الإجراءات المؤسسية والعملية لتنفيذ الخطة.

أهداف الإصلاح
الرؤية المطروحة لها ستة أهداف:
- الهدف الأول هو الخروج من الأزمة المالية الخانقة والمفتعلة التي لها أهداف سياسية على الصعيدين اللبناني والإقليمي والتي تستهدف المقاومة وحلفاءها. هنا يكمن البعد «التصحيحي».
- الهدف الثاني هو الخروج أيضاً من المستنقع الذي يحيط بالنشاط الاقتصادي اللبناني والمضي في إعادة الاعتبار إلى الاقتصاد العيني الفعلي الإنتاجي عبر دعم كلّ القطاعات الإنتاجية التي أُهملت منذ البدء بالعمل باتفاقية الطائف. هنا أيضاً نجد البعد «التطويري».
- الهدف الثالث هو إعادة التنمية في مختلف المناطق التي أُهملت بسبب سياسات الحكومات المتتالية في حقبة جمهورية الطائف بما فيها مناطق الشمال والبقاع التي تجاهلتها النخب الحاكمة خلال العقود الثلاثة الماضية. هنا نجد البعد التنموي.
- الهدف الرابع هو تقليص هجرة الطاقات المنتجة من عقول ومهارات وإيجاد فرص للإبداع والإنتاج.
- الهدف الخامس هو مقاربة الفوارق الاجتماعية التي أوجدتها سياسات الريع والمحسوبية وإهمال الطبقات الوسطى والفقيرة. فلا إصلاح اقتصادي ولا تنمية ممكنة مع إهمال الواقع الاجتماعي بين مكوّنات الشعب في لبنان. هنا نجد البعد «التطويري».
- الهدف السادس هو تخفيف الانكشاف الاقتصادي تجاه الخارج وخاصة التبعية للغرب وفتح آفاق جديدة مع دول الجوار العربي وثم الإقليمي أي الجمهورية الإسلامية في إيران وتركيا، وشرق آسيا عبر الالتحاق بالكتلة الاقتصادية الأوراسية المتجسّدة في طريق الحرير الجديدة. هنا نجد البعد «التنموي» أي «النهوض الاقتصادي».
هذه الأهداف، وخصوصاً الهدف السادس، تتطلّب اتخاذ سلسلة من الخيارات والسياسات تُنهي التبعية للريع وللخارج الغربي وخاصة المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. والسياسات الجديدة ستعتمد سياسة التشبيك العربي (سوريا، العراق، الأردن، فلسطين عند التحرير، وفي مرحلة لاحقة الدول العربية في شمال أفريقيا والجزيرة العربية) والإقليمية (الجمهورية الإسلامية في إيران، تركيا) والدولية (الكتلة الأوراسية وأفريقيا (جنوب أفريقيا)، وأميركا الجنوبية كفنزويلا، البرازيل وكوبا). فلبنان لا يستطيع أن يحقق شيئاً خارج إطار التشبيك العربي والإقليمي وهذا تحوّل كبير وجديد في الذهنية المطلوبة من النخب الحاكمة.

* كاتب وباحث اقتصادي وسياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي




اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا

تابع «رأس المال» على إنستاغرام