في الفترة الأخيرة بات طرح التحوّل من «اقتصاد الريع» إلى «الإنتاج» مقولة رائجة. عمليّة التحوّل هذه ليست بسيطة أو فورية. قد يكون ممكناً تحفيز الإنتاج على المدى القصير لتقليص الضغط عن الميزان التجاري وخدمة التوازن في ميزان المدفوعات، إلّا أنّ هذا الأمر غير كافٍ لإعادة بناء الاقتصاد المنتج الذي دمّره نهج ما بعد الطائف. يحتاج الأمر إلى تعديل في البنية الاقتصادية تكرّسه سياسات متوسّطة وطويلة الأمد موجّهة نحو أهداف استراتيجية. تطبيق السياسات يتطلب أدوات أهمّها أدوات التمويل مثل «بنك التنمية». بالاستناد إلى تجارب دولية سابقة يمكن تطبيق فكرة «بنك التنمية» بشكل فعّال في لبنان.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

من الخصائص المشتركة للدول التي توجّهت إلى المجال الصناعي متأخّرة، قيامها بإنشاء مؤسّسات مالية تخدم هذا الهدف. وظيفة هذه المؤسسات تمويل القطاعات الصناعية التي تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة. وقد وفّرت هذه الدول الدعم المباشر وغير المباشر باعتبار أن مسؤولية تمويل هذه القطاعات لا يمكن إيكالها إلى المؤسسات المالية التجارية مثل المصارف التجارية. يكمن السبب في أن المؤسّسات الصناعية تحتاج إلى دعم عبر قروض ميسرة طويلة الأجل ومخفّضة الفائدة، أي ما لا ينسجم مع طبيعة عمل المصارف التجارية.
تقنيّاً، القروض التمويلية الطويلة الأمد لا تتناسب، لجهة السيولة، مع مطلوبات المصارف قصيرة الأمد التي تتكوّن من ودائع جارية أو مجمّدة لآجال قصيرة. أي إذا أقرضت المصارف أموال الودائع لقطاعات الإنتاج على المدى الطويل، لن تستطيع تلبية مطلوباتها، ما يشكّل لها أزمات سيولة.
عمليّاً، لا يمكن الاعتماد على المصارف التجارية لتمويل القطاعات، لأنّها ببساطة لا تخضع لقرارات من الدولة، وبالتالي لا يمكن للدولة فرض سياساتها الاقتصادية ذات الأبعاد الاستراتيجية على هذه المصارف. لذا، هناك حاجة لخلق مؤسّسات تمويل لخدمة القطاعات المنتجة والبنى التحتية، فتكون هذه المؤسسات قادرة على إعطاء قروض ضخمة وطويلة الأجل، وفي الوقت نفسه خاضعة لسياسات الدولة الاقتصادية.
من مسؤوليات بنك التنمية تأمين رأس المال العامل وتمويل الاستثمارات طويلة الأمد، عبر القروض أو حتى عبر شراء حصص في الشركات أو المشاريع المموَّلة


«بنك التنمية» هو شكل من أشكال هذه المؤسّسات التمويلية. أمّا الغاية من إنشائه فهي تأمين التمويل وتيسير الاستثمار في البنى التحتية والقطاعات المنتجة عبر الفوائد المتدنية والآجال الطويلة. كما يقع على عاتقه تأمين رأس المال العامل (working capital) وتمويل الاستثمارات طويلة الأمد، عبر القروض أو حتى عبر شراء حصص في الشركات أو المشاريع المموَّلة. وللتأمين على القروض، يقوم هذا البنك بمتابعة أعمال الشركات المقترضة، في بعض الأحيان من خلال تعيين أحد أعضاء مجلس إدارة الشركة من طرفه، ما يمكّنه من مساعدة هذه الشركات في كشف أيّ مشاكل تعترض عملها في وقت مبكر، إضافة إلى تقديم المساعدة التقنية. كما أن من مسؤوليات هذا البنك تنفيذ سياسات الدولة، فمثلاً قد تكون قروضه موجّهة نحو قطاعات معينة، أو نحو مناطق جغرافية معينة.
عالميّاً، تعتمد الحكومات على هذا النوع من المصارف بشكل كبير. يقول نيكولاس بروك في دراسة نشرت عام 1998 أنه حدّد 550 بنك تنمية حول العالم، منها 520 بنكاً وطنياً.
هناك تجارب دولية ناجحة في مجال «بنوك التنمية» في عدد من الدول التي أنجزت خطتها الصناعية، من أبرزها:

التجربة البرازيلية
أنشأت البرازيل «بنك التنمية البرازيلي» في شهر حزيران 1952. تميّزت المرحلة الأولى من نشأة هذا البنك بتمويله لمشاريع الدولة الخاصّة بالبنى التحتية. ففي منتصف ستينيات القرن الماضي وصلت حصّة القطاع العام من قروض البنك إلى نسبة تتراوح بين 80% و90%. لكن في أول السبعينيات تحوّلت سياسة إقراض هذا البنك إلى القطاع الخاص ولاحقاً انخفضت نسبة إقراض القطاع العام إلى 20% - 30%. في هذه الفترة موّل البنك أهم مشاريع البنى التحتيّة والمشاريع الصناعية في البرازيل، الأمر الذي ساعد الاقتصاد على التحول إلى الصناعة. ولعب بنك التنمية البرازيلي دوراً مهمّاً خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، حيث كان الوسيط لتوزيع أموال حزمة التحفيز لمواجهة الأزمة. ومصادر تمويل هذا البنك هي أموال من مؤسّسات تمويل دولية، وسندات دين صادرة عنه، إضافة إلى أموال محوّلة مباشرة من خزينة الحكومة.
في عام 2011 كانت أصول هذا البنك تمثّل 15% من الناتج المحلي البرازيلي، 10% منها كانت على شكل قروض، و3% منها على شكل استثمارات في أسهم وسندات دين شركات. وكانت قروضه موجّهة نحو قطاعات عدّة مثل قطاع الكيماويات والبيتروكيماويات والمعادن، إضافة إلى قطاع الآلات الصناعية.

التجربة الكورية
في عام 1954 أنشأت كوريا الجنوبية بنك التنمية الكوري بهدف تأمين القروض المتوسطة والطويلة الأجل للصناعات. بحلول عام 1955 شكّلت قروض البنك 40% من إجمالي القروض في كوريا. وتألّفت مصادر تمويله من أموال منقولة من خزينة الدولة، وأموال من البنك المركزي الكوري وأموال من صناديق دعم خارجية. كما لعب البنك دوراً مهمّاً في استقطاب التمويل الخارجي للشركات الكورية. وكان البنك المركزي الكوري الطرف الضامن للقروض الآتية من الخارج، أي إنه في حال تخلّفت الشركات عن التسديد يكون هو المسؤول عن سداد قروضها، وكان بنك التنمية الطرف الضامن لهذه الشركات لدى البنك المركزي، فيكون هو المسؤول عن سداد القرض. ما يعني أنه كان بشكل غير مباشر الجهة الضامنة لقروض الشركات الكورية للخارج.
لعب بنك التنمية الكوري دوراً كبيراً في تحويل كوريا إلى بلد صناعيّ في إطار سياسة الدولة الاقتصادية لتوجيه الاقتصاد ليصبح اقتصاداً مصدّراً. كما لعب دوراً أساسياً في جلب الاستثمارات من الخارج ومعها التكنولوجيا الأجنبية، الأمر الذي ساعد في تحويل الاقتصاد نحو الإنتاج.

التجربة الصينية
دخلت الصين متأخّرة نسبياً في مجال بنوك التنمية، ففي عام 1994 أنشأت بنك التنمية الصيني كجزء من برنامج إصلاحات اقتصادية. في ذلك الوقت كانت المصارف التجارية الصينية ممنوعة من قِبل الدولة من تمويل المشاريع، ما جعل لبنك التنمية دوراً ذا أهمية مضاعفة. كما أنه في تلك الفترة شهدت الصين حركة تمدّن (urbanization) واسعة، نتج منها طلب هائل على تمويل البنى التحتية، في الوقت الذي كانت فيه المقاطعات تشهد حركة التمدّن ولا تمتلك ما يكفي من إيرادات الضرائب لتمويل البنى التحتية. كل هذه العوامل جعلت لبنك التنمية الصيني دوراً أساسياً منذ تأسيسه.
بعد هذه الفترة بقي البنك في مرحلة توسيع لأصوله عبر إقراض المزيد من المشاريع العامة والشركات، وتسارعت هذه العملية بعد عام 2008 حيث لعب دور الوسيط بين حزم التحفيز التي دفعتها الحكومة الصينية لمواجهة الأزمة. وبحلول عام 2011 بلغت أصول البنك نحو تريليون دولار، ولعب دوراً أساسياً في مساعدة الشركات الصينية في الاستثمار خارج الصين، خصوصاً في أفريقيا وأميركا الجنوبية. وكان مصدراً أساسياً لتمويل قطاعات الطاقة المتجدّدة والاتصالات، وكانت شركة «هواوي» أهم المستفيدين من تمويله.



«بنك التنمية اللبناني» لاستثمار الموجودات بالدولار
يمكن إنشاء «بنك التنمية اللبناني» من أجل ترشيد استعمال موجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية في مشاريع مولّدة للقيمة (value generating) بدلاً من استخدامها في الاستهلاك السلبي أو بقائها في المصرف بلا جدوى. الترشيد بهذا المعنى لا يتعلق بكيفية إنفاق الأموال وتبذيرها على الاستهلاك، بل من أجل النهوض باقتصاد منتج. بنك التنمية اللبنانية هو فكرة كانت محوراً للنقاش في الفترة الماضية، وبحسب تقرير صادر عن المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، فإنه يمكن إنشاء مثل هذا البنك في لبنان من أجل دعم المشاريع الإنتاجية لإعادة تكوين رساميلها، وإنشاء وتطوير البنى التحتية في مجالات الطاقة والنقل والاتصالات والمياه، ودعم الصادرات ذات القيمة المضافة العالية، وتحفيز مشاريع وبرامج الابتكار التكنولوجي الصغيرة والمتوسطة. يمكن التوسّع بهذا الطرح من خلال دور إضافي يتعلّق بتأمين تواصل القطاع الخاص في لبنان مع الشركات الأجنبية لتأمين التمويل الخارجي (مع ضمانات كما في الحالة الكورية)، أو لتفعيل شراكات لنقل الخبرات والتكنولوجيا الأجنبية إلى لبنان أو لجذب استثمارات خارجية وتوظيفها في المشاريع الوطنية.
ويعدّد المركز وسائل وطرق التمويل التي يمكن أن يتبعها هذا البنك للإقراض والدعم، ومنها تقديم القروض الميسرة مباشرةً، أو الاستثمار في المشاريع التي تحتاج إلى تمويل عبر عمليات في الأسواق المالية مثل شراء أسهم أو سندات هذه الشركات. كما يمكن أن يقوم البنك بتمويل الدراسات والاختبارات لهذه المشاريع، بالإضافة إلى تقديم الاستشارات والتدريب. أما بالنسبة إلى التمويل، فيقترح المركز إنشاء البنك من الدولة بالشراكة مع القطاع الخاص وإعطاءه حوافز لتعزيز مساهمته، ويمكن إعطاؤه صلاحية الاستعانة بعمليات الأسواق المالية محلياً أو دولياً (مثل إصدار سندات الدين)، كما يمكن الترويج لاكتتاب القطاع الخاص في أسهم البنك لتأمين رأس المال. ويمكن أن يدخل البنك في شراكات مع القطاع الخاص تدرّ إيرادات له.