في أول خطاباته بعد تكليفه تشكيل الحكومة العتيدة، وعد الرئيس سعد الحريري بإعادة إعمار بيروت بعد تفجير المرفأ في آب الماضي. تحمل عبارة «إعادة إعمار بيروت» دلالات تاريخية- سياسية ترتبط بما حصل بعد اتّفاق الطائف، لجهة سيطرة الحريرية السياسية والاتجاه الذي قادت لبنان فيه بعد عام 1992. فربط مشاريع إعادة الإعمار بالاقتصاد السياسي ليس هاجساً لبنانياً خاصّاً، بل هو ارتباط عضوي يندرج من العلاقة بين إعادة الإعمار ولا سيما بعد الحروب، وبين مسارات السياسة في الدول ولا سيما بعد سيطرة النيوليبرالية على العالم. في السياق النيوليبرالي، يصنّف الباحثون مشاريع إعادة الإعمار تحت مظلّة بناء «السلام الليبرالي» الذي يستند إلى مركزية اقتصاديات السوق لرسم معادلة تربط بين السلام والازدهار. بحسب روجر ماكغنتي في دراسة بعنوان «إعادة إعمار لبنان ما بعد الحرب»، فإنّ المدماك الرئيسي «للسلام الليبرالي» هو «إجماع واشنطن» الذي يكرّس تمثيل صندوق النقد والبنك الدوليَّين في صنع السلام وإعادة الإعمار. وبذلك أصبحت برامج التقشّف والخصخصة وإطلاق يد السوق جزءاً من عمليات السلام، بالإضافة إلى إعادة توجيه الاقتصاد مع قيود صندوق النقد والبنك الدوليَّين.

«السلام الليبرالي» بمثابة وصفة موحّدة تزكّيها وتدعمها المنظمات الدولية والدول الغربية المركزية والمؤسسات المالية الدولية. تعتمد هذه الوصفة، بدرجة عالية، على إشراك العديد من المنظمات غير الحكومية والنخب المحلية في عملية صناعة «السلام الليبرالي»، ما يحدّ من فرص تطبيق نماذج بديلة أو محلّية لصناعة السلام أو لإعادة الإعمار، فتصبح الوصفة واحدةً في كلّ مناطق النزاعات والدمار، بمعزل عن السياقات والحاجات المحلّية. وهذا ما يدفع ماكغنتي إلى الجزم بأن «السلام الليبرالي» يُنتج في العادة سلاماً رديئاً، فتستمرّ العداوات بين الأطراف وتبقى معدّلات المشاركة السياسية منخفضة، إضافة إلى توزيع المكاسب بشكل غير متساوٍ. العاملان الرئيسيان اللذان يساهمان في فرض وصفة «السلام الليبرالي» هما موارد القوى التي تتبنّى الوصفة، وارتباطات الدول بالأمم المتحدة ومفاعيل الاستعمال المكثّف لمصطلحات مثل «المجتمع الدولي» و«السلام».

الانغماس في النيوليبرالية
في الحقيقة، إن الشرح عن «السلام الليبرالي» يصيب وتراً حسّاساً عند اللبنانيين لأنهم عايشوا محاولات فرضه في تجربتَين أساسيّتَين. التجربة الأولى كانت إعادة إعمار ما بعد الحرب الأهلية، بالأخص إعادة إعمار وسط بيروت. والثانية إعادة إعمار الضاحية بعد العدوان الإسرائيلي في تموز 2006.
يقول هانس باومان، في كتابه «المواطن الحريري: إعادة إعمار لبنان النيوليبرالية»، إنّ مشروع رفيق الحريري لإعادة الإعمار بعد الحرب لم يكن مجرّد عودة إلى ليبرالية اقتصاد ما قبل الحرب، بل هو غيّر الاقتصاد السياسي في لبنان. فقد استعمل الحريري في تطبيق سياساته، تكنوقراط على رأس مؤسّسات حكومية رئيسية مثل وزارة المال والبنك المركزي، ومجلس الإنماء والإعمار. ما ميّز هؤلاء التكنوقراط، أنّهم كانوا موظّفين سابقين في شركاته أو عاملين سابقين في المصارف الدولية وصندوق النقد والبنك الدوليين. هؤلاء جسّدوا النيوليبرالية معتمدين على الرعاية السياسية للحريري الذي وفّر رأس المال المالي والسياسي، بينما هم كانوا يوفّرون رأس المال الثقافي. هكذا حوّل الحريري المؤسسات المذكورة إلى أدوات رئيسية معنيّة بإعادة إعمار وسط بيروت وتثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية.
هكذا تأثّر لبنان بشدّة بالوصفات النيوليبرالية. يعزو ماكغنتي هذا الأمر إلى أنه بعد الحرب كان الإعمار يعتمد بشكل كبير على النموّ الاقتصادي الموجّه نحو السوق واستهلاك النخب. ويصف ما فعلته «سوليدير» بأنّه محاولة شركة مخصخصة لإبراز نسختها ورؤيتها للتاريخ. فهي فرضت نسختها الخاصة من ماضي البلاد، بينما تجاهلت نسخ ورؤى الآخرين وأوغلت في توجهها نحو الخصخصة والتسليع والتسويق على حساب الرموز المألوفة والمعالم والذاكرة العامة للمنطقة. فتم غرس وصفة «السلام الليبرالي» في جهود إعادة الإعمار، عبر رسم صورة لماضٍ متخيّل سعيد ومنقّح، كان دافعاً للنمو الاقتصادي الموجّه نحو السوق والاستهلاك. هذا المسار جرّد مركز المدينة من أبعاده الاجتماعية والسياسية وذاكرته الجماعيّة. وساهمت هذه الوصفة كما هو واضح في تثبيت اقتصاد لبنان السياسي على مسار نيوليبرالي.

إعادة إعمار الضاحية
في مقابل تجربة إعادة إعمار بيروت، تبرز تجربة إعادة إعمار ما خلّفه العدوان الإسرائيلي عام 2006، وتحديداً إعادة إعمار ضاحية بيروت الجنوبية. هنا يشير ماكغنتي، في دراسة بعنوان «إعادة الإعمار الهجينة: حالة وعد في لبنان»، إلى أنّ دعاة «السلام الليبرالي» وجدوا أنفسهم بمواجهة منهج منافس لصناعة السلام وإعادة الإعمار.
هنا تصبح الأهمية في زاوية «النظرة العالمية» التي يتبنّاها أصحاب مشاريع بناء السلام وإعادة الإعمار؛ فالسلام الليبرالي يتبنّى نظرة عالمية هي في الأساس مؤيّدة للسوق وباحثة عن الاستقرار الأمني بأيّ ثمن. لذا، يمكن اعتبار الحكومة اللبنانية في حينه وكيلاً محلّياً لوصفة «السلام الليبرالي». بينما على الضفّة الثانية، تختلف النظرة العالمية لحزب الله، ولا سيما تجاه العلاقة مع الدول الغربية المركزية والمؤسّسات الدولية المالية في ظل عداوة متجذّرة مع إسرائيل والولايات المتحدة.
كذلك يبرز اختلاف آخر يتجلّى في رفض حزب الله خلق بيئة مناسبة لتطبيق وصفة «السلام الليبرالي» المصمّم لتعديل مجتمعات ما بعد الحرب وتأطيرها في أنظمة سياسية مستقرّة (ومتعدّدة ظاهرياً) واقتصاديات مفتوحة. وبالتالي كانت كل جهود حزب الله في إعادة الإعمار بعيدة عن السعي إلى «الحوكمة» و«الشفافية» و«تعزيز المجتمع المدني» على النمط الغربي. وهذا يعكس وجهة النظر السياسية والثقافية غير الغربية للتنظيم.
في الواقع، عندما تستعمل القوى الدوليّة النخب الوطنية والمنظّمات غير الحكومية المحلية في عملية إعادة الإعمار، فإنّها تختارها بشكل يخدم تعزيز الأفكار والممارسات الغربية بشكل رئيسي (وهذا ما حصل في تجربة إعادة إعمار بيروت)، كما يقول ماكغنتي. وهو يعتقد أن العكس تماماً حصل في حالة «وعد» (مشروع إعادة أعمار الضاحية الذي أطلقه حزب الله)، إذ كان هناك تركيز قويّ على التشاور والتعاون مع المقيمين وأصحاب العقارات المدمّرة، وفي النهاية تُرك لهم خيار المشاركة في المشروع أو منح المشروع تواكيل رسمية بشأن التصرّف بأموال التعويضات.
في حالة وعد، كان لممثلي السكان الأصليين وأصحاب العقارات دورٌ بارز في الاستشارات وكانوا في صلب عمليّة منح وعد توكيلاً رسمياً للتصرف بأموال التعويضات. وتمحورت منهجية المشروع حول استراتيجيات التعبئة المجتمعية التي يتقنها حزب الله بشكل تام. فكانت «وعد» قادرة على الاستفادة من الموارد الهائلة لرأس المال الاجتماعي والسياسي التي رعاها حزب الله. بينما جاءت الموارد المالية من مصادر خارجية: أولاً من خطة التعويضات الحكومية، وثانياً من الجهات المانحة.
رغم ذلك، فإنّ «السلام الليبرالي»، الذي أرساه رفيق الحريري، كان بمثابة قوّة قسرية فرضت نفسها على مشروع «وعد» بحسب ماكغنتي. ففي ذلك الوقت، فرضت الحكومة اللبنانية شكل السياق السياسي والأمني ​​الشامل الذي كان مقرّراً أن تتم فيه إعادة الإعمار. فأصبحت إعادة الإعمار بعد الحرب أشبه بحرب بالوكالة ضمن صراع إقليمي أوسع بين مصالح محور يتوجّه نحو الغرب ومحور يناوئه. فمن خلال مساعدة الحكومة ذات التوجه الغربي على البقاء في السلطة، عمل وكلاء «السلام الليبرالي» على ضمان قدرة الحكومة للعب دور مهمّ في إعادة الإعمار. ورغم أنها لم تكن جهة فاعلة مباشرة في مجال إعادة الإعمار، إلّا أن الحكومة كانت قادرة على منح التصاريح وحجبها وإعطاء الأولوية لإعادة إعمار مشاريع معيّنة، وتحديد مستوى التعويضات لأصحاب المنازل وصرف التعويض وفقاً لقواعدها الخاصة. لذا، يمكن القول إنه من خلال فرض السياق الإداري الذي تم فيه تشغيل مشروع «وعد»، ضمنت حكومة «السلام الليبرالي» ألّا يمزّق المشروع نيوليبرالية الاقتصاد اللبناني. والأداة الأساسية التي استعملها المجتمع الدولي لضمان سطوة «السلام الليبرالي» اللبناني، كانت مساعدات مؤتمر المانحين في ستوكهولم التي بلغت 900 مليون دولار. برأي ماكغنتي، فإنّ هذه المساعدات استهدفت منع استئثار «وعد» بإعادة الإعمار وفرض نموذج يشكّل خطراً على «السلام الليبرالي» الذي أرستهُ الحريرية السياسية. غير أنه بمجرّد أن قبلت الحكومة اللبنانية تجميع أموال التعويضات تحت رعاية «وعد»، فإن ذلك شكّل انحرافاً عن الهدف الأصلي لجمع المساعدات.

ما مثّله مشروع «وعد» كان مبادرة غير حكومية تتماشى بشكل وثيق مع حزب الله كبديل لإعادة الإعمار التي ترعاها أو تديرها قوى ومؤسّسات «السلام الليبرالي»


يخلص ماكغنتي إلى أنّ ما مثّله مشروع «وعد» كان مبادرة غير حكومية، تتماشى بشكل وثيق مع حزب الله كبديل لإعادة الإعمار التي ترعاها أو تديرها قوى ومؤسسات «السلام الليبرالي». فلم تكن الدولة اللبنانية جهة فاعلة في إعادة الإعمار، وبالتالي لا يمكن اعتبار مخطّط وعد منافساً مباشراً للدولة، بل كانت تجربة تشاركية من قِبل المواطنين والمنظّمات لممارسة أكبر قدر ممكن من السيطرة على مشروع بهذا الحجم، ما نقل جزءاً كبيراً من المشروع إلى خارج نطاق الدولة والسوق. ومع أن مخطّط المشروع تضمّن إعادة البناء المادي، فقد تضمّن أيضاً بناء نوع جديد من الفضاء الترابطي الذي أصبح مفيداً من الناحية الوظيفية. فتحوّل المشروع إلى مخطّط لـ«إعادة الإعمار الإضافية»، فلم يكتفِ باستبدال المساكن بالمثل، بل أعاد بناء مشهد الشوارع والبيئة الأوسع. وعليه يُمكن اعتبار المخطط بديلاً عن «السلام الليبرالي»، فلم يكن هذا شكلاً هجيناً من إعادة الإعمار فحسب، بل كان أيضاً شكلاً من إدارة الصراع أو التكييف الوظيفي.

إعمار بلا نقاش
في المحصّلة لقد مرّ لبنان بتجربتَين لإعادة الإعمار بعد الحروب. الأولى عبّدت الطريق نحو تثبيت النيوليبرالية كقواعد عمل للاقتصاد السياسي اللبناني بعد عام 1992. بينما الثانية تحايلت على قواعد الاقتصاد السياسي اللبناني ورسمت نموذجاً بديلاً. اليوم يجب أن يُطرح نقاش نماذج إعادة الإعمار. ففي الأسابيع الماضية لم نرَ أيّ طرح لمناقشة إعادة الإعمار وخططه. بل رأينا تسليماً رسمياً بأن هذه المهمّة تقع على عاتق المؤسسات غير الحكومية بإشراف أمنيّ وفوضى عارمة.
كل هذا يقودنا إلى الأسئلة التالية: لماذا يتمّ تجاهل تجربة إعادة إعمار الضاحية الجنوبية؟ وهل يتم تجاهلها عن قصد؟ وهل ما يحصل هو في سبيل الدفع باتجاه نموذج يشبه نموذج إعادة الإعمار الحريريّة؟
البحث عن إجابات عن هذه الأسئلة صعبٌ وشائك، إلّا أنه لا شكّ بأن الإجابات تبدأ باستذكار الوضعَين السياسي والاقتصادي عشية 4 آب الماضي. فكان بعض الأطراف اللبنانية قد بدأ طرح فكرة التقسيم، من ضمن الصراع السياسي الكبير في المنطقة ربطاً بتفسير الانهيار الاقتصادي اللبناني كانعكاس للصراع (وفي حصر أسباب الانهيار بالعامل الإقليمي مغالطات كبرى من دون شكّ تستثني العيوب البنيوية للاقتصاد اللبناني). حتّى إن البعض كان قد بدأ بالمناداة بالفدرالية المالية، لا السياسية فقط! عملياً هذا المشهد كان ترجمة لصراع حول النظرة العالمية للأطراف اللبنانية المختلفة في لحظة انقسام دولي حادّ. ومن منظار هذا الصراع كان ممثلو «السلام الليبرالي» اللبناني يرون أن أفضل الحلول في ظلّ عدم قدرتهم على الحفاظ على نفوذهم في لبنان (بسبب انهيار النموذج الاقتصادي) هو التقسيم. لذا عندما توضّح حجم الدمار الهائل، أرادوا استبعاد أيّ احتمال لتطبيق نموذج «لا حريريّ» في العاصمة يبعدها عن النموذج النيوليبرالي الذي يطمحون بفرضه أبديّاً على لبنان، علّه يكون التعبير الأسمى عن الانخراط في محور الولايات المتحدة. وبدا هذا واضحاً من خلال المبادرة المبكرة لطرد فرق الإغاثة ورفع الركام التابعة للهيئة الصحية الإسلامية (وهي بالمناسبة أكثر الفرق الإغاثية أهلية للتعامل مع الكوارث بسبب خبراتها واستعداداتها)، لقطع الطريق على أيّ مناداة للاستعانة بحزب الله في عمليات الإغاثة وما قد يفتحه هذا من مجالات لاستحضار تجربة إعادة إعمار الضاحية. وفي هذا السياق يبدو جليّاً أن العاصمة ستكون مجدّداً مسرحاً لتطبيق وصفات نيوليبرالية ستزيد من نكباتها ونكبات سكان المناطق المتضرّرة بالأخص، وتعمّق الشرخ الاجتماعي-الاقتصادي- السياسي بين اللبنانيين، ما سيسهّل المناداة بالتقسيم مستقبلاً. نعم هنالك نموذج بديل من نموذج «السلام الليبرالي»، ولكن لن يتم استلهامه في التخطيط لإعادة الإعمار التي وعد بها الرئيس سعد الحريري. فهو وحلفاؤه يبحثون عن كيفيّة تثبيت إرث والده النيوليبرالي وموقع لبنان الخاضع لوصفة «السلام الليبرالي» ضمن تحالف إقليمي معيّن؛ وهذا لن يستقيم مع تنفيذ عملية إعادة إعمار بديلة كتلك التي حصلت في ضاحية بيروت الجنوبية.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا