رغم أن العالم يترنّح من الوفيات والانتشار المتسارع لوباء COVID، تنشغل منظمة التجارة العالمية (WTO) بالتفاوض بشأن صفقة تجارة حرّة في المعدات الطبية الإلكترونية. واحد من الاقتراحات الخمسة المقدّمة إلى مجلس التجارة بالسلع التابع لمنظمة التجارة العالمية لمكافحة الوباء يتضمن «إزالة العوائق أمام التجارة في السلع الأساسية لضمان تدفقها بحرية». هناك أهداف أخرى مرتبطة بمكافحة الوباء مقدّمة من 25 دولة: الالتزام بضمان اتصال سلاسل التوريد، تجارة يمكن التنبؤ بها في المنتجات الزراعية والأغذية، التصريح عن التجارة بالسلع الأساسية.

ورغم أن مقترحات البلدان الأخرى كانت ذات طبيعة عامة، إلّا أن نيوزيلندا وسنغافورة بادرتا إلى إعلان التجارة بالسلع الأساسية لمكافحة جائحة Covid-19 (الإعلان) بتاريخ 16 نيسان 2020. يشمل الإعلان المشترك إلغاء تعريفات وتنسيق إجراءات الاستيراد والتصدير الأخرى. يفترض بأيّ عضو في منظمة التجارة العالمية الموافقة على إعلان إلغاء كل الرسوم الجمركية والرسوم الأخرى، والامتناع عن اعتماد عوائق غير جمركية للائحة السلع الأساسية الواردة في ملحقين. يتضمّن الملحق الأول 124 سلعة موزّعة على أربع مجموعات: الأدوية، المستلزمات الطبية، المعدات الطبية ومنتجات الحماية الشخصية. يتضمن الملحق الثاني لائحة إضافية من 180 سلعة هي منتجات زراعية بشكل أساسي. في 3 نيسان 2020، أصدرت أمانة منظمة التجارة العالمية دراسة تقييم لنحو 96 سلعة، بهدف تحرير التجارة في المنتجات الطبية. تشمل هذه القائمة أيضاً الأجهزة والمعدات الطبية الإلكترونية.
يبدو أن الهدف من «الإعلان» والدراسة محاولة توسيع تغطية الاتفاقات متعدّدة الأطراف (القطاعية)، و«اتفاقية فارما»، واتفاقية تكنولوجيا المعلومات (ITA). الاتفاقات متعددة الأطراف يتم التفاوض عليها بين مجموعات أصغر من البلدان في إطار منظمة التجارة العالمية.
المفاوضات التجارية تدور حول التوقيت. مجدداً، تظهر هذه الجهود أن مفاوضات منظمة التجارة العالمية لا تتعلق بالتنمية والاستدامة، بل تتعلق بحماية وتعزيز المصالح التجارية للبلدان المتقدّمة، كما كانت دائماً.
مرة أخرى، ينصبّ التركيز على إلغاء التعريفات بشكل واسع. سنغافورة ونيوزيلندا الداعيتان إلى التجارة الحرة في «السلع الأساسية»، لا تمثّلان معاً أكثر من 3% من إجمالي واردات المعدات الطبية العالمية. أكثر من ذلك، فإنّ رسوم سنغافورة على المعدات الطبية تبلغ صفر في المئة، ورسوم نيوزيلندا 0.8%، ما يعني أن الغاء التعريفات الجمركية لا يؤدّي إلى تعطيل المنتجين المحليين. غالباً ما تعتمد البلدان المتقدمة على معايير وتدابير محلية لتنظيم الواردات.


لسوء الحظ، تظلّ التعريفات الجمركية (حسب القيمة المضافة) العائق الأبرز أمام الواردات إلى البلدان النامية. فعلى سبيل المثال، بلغ متوسط ​​الرسوم التي تفرضها الهند على المعدات الطبية نحو 9%.
لذا، فإن خفض الرسوم الجمركية يخدم إفساح مجال واسع أمام الشركات المنتجة، وخصوصاً من البلدان المتقدمة، للوصول إلى أسواقنا. زيادة المنافسة على الواردات خلال ضائقة اقتصادية ناجمة عن إغلاق وطني ستؤدي إلى خسارة لشركات إنتاج المعدات الطبية المحلية. إن استخدام التدابير والمعايير المحلية لمعالجة هواجسنا من دون التعريفات الجمركية شحيح في كل أنحاء العالم النامي.
خلال حالة الطوارئ الناجمة عن الوباء، قد يكون لمنظمة التجارة العالمية دور في العمل على إزالة اضطرابات سلاسل التوريد في السلع الطبيّة والزراعيّة الأساسية. ومع ذلك، فإن إلغاء التعريفات هو أقل اهتماماتها الفوريّة. يمكن للبلدان المستوردة التي تفرض رسوماً أعلى على المنتجات الطبية (ومتطلبات استيراد عالية خلال هذه الفترة)، أن تقرّر من جانب واحد خفضها مؤقتاً، مع مراعاة مخاوف صناعتها المحلية. على العكس، فإن هناك حاجة إلى التعاطي مع هواجس المصدّرين أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم في البلدان النامية والتي تشمل معايير صناعية أعلى في البلدان المتقدّمة، والامتثال لمتطلبات المطابقة من طرف ثالث. إن المسار الحالي المعتمَد في منظمة التجارة العالمية يسلّط الضوء فقط على جدول أعمال العالم المتقدّم.
كانت الهند من أول الراغبين في المشاركة في اتفاقية تكنولوجيا المعلومات (ITA-1) التي تلغي التعريفات الجمركية على 217 سلعة من منتجات تكنولوجيا المعلومات. انتهى الأمر في عام 1995 بين 82 عضواً يمثّلون نحو 97% من التجارة العالمية في منتجات تكنولوجيا المعلومات. وفي مؤتمر نيروبي الوزاري في كانون الأول 2015، اتفق أكثر من 50 عضواً على توسيع هذه الاتفاقية التي باتت تغطي 201 منتج إضافي تقدّر قيمتها بأكثر من 1.3 تريليون دولار سنوياً. لم تصبح الهند طرفاً في هذه الاتفاقية بعدما تعلّمت درسها من تأثير الاتفاقية الكارثي على منتجي أجهزة تكنولوجيا المعلومات المحليين.
إن إمكانية توقيع اتفاقية السلع الطبية تعني دمج اثنين من الأطراف المتعددة: اتفاقية فارما واتفاقية ITA الموسّع، لأنها تغطّي %11 من المنتجات بموجب اتفاقية ITA الموسعة. البعد الآخر لاقتراح السلع الطبية الحالي، يتضمن منتجات كانت موجودة أيضاً في اقتراح قطاع الرعاية الصحية NAMA لعام 2008. اللائحة المعلَنة تغطّي 25% من المنتجات في قطاع NAMA. كلاهما يشير بوضوح إلى بداية التغطية الموسعة لتحرير التجارة التي تستهدف الأسواق الكبيرة مثل الهند.
يشير الجدولان 2 و3 بوضوح إلى عملية «التيسير» التي قامت بها منظمة التجارة العالمية لعدد قليل من البلدان. أي تحرير تقوم به الدول المشاركة عبر «الإعلان» من شأنه «التيسير» لدول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين واليابان والمكسيك وسويسرا وسنغافورة وإيرلندا وكوريا التي تمثل %90 من الصادرات العالمية من المعدات الطبية. ومن بين هؤلاء، تُعدّ الصين الدولة النامية الوحيدة التي لديها قدرات إمداد؛ ومن المعروف أن القيمة المضافة من قبل الشركات متعددة الجنسيات في التصنيع الصيني منخفضة نوعاً ما.
تستورد الهند 2.2% من المعدات الطبية، لكن نصيبها من الصادرات 0.5% فقط؛ لذا لن يكون من الحكمة أن تنضمّ الهند إلى هذا الإعلان. على غرار الاتفاقية متعددة الأطراف لعام 1996 (ITA-1)، فإن تحرير الرسوم الجمركية من دون دعم السياسة الصناعية، بما في ذلك التدابير والمعايير الفنية الموجهة محلياً، سوف يقضي فعلياً على القدرات الإنتاجية في البلدان النامية مثل الهند في مجال المعدات الطبية.
مجدّداً تُظهر جهود مفاوضات منظمة التجارة العالمية أنها لا تتعلق بالتنمية والاستدامة بل بحماية وتعزيز المصالح التجارية للبلدان المتقدّمة، كما كانت دائماً


توضح الجداول نمط الطلب المرتفع والعرض بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي والصين واليابان وكندا والمكسيك وسنغافورة وكوريا الجنوبية. بدلاً من اقتراح أي اتفاق بشأن السلع الطبية، يجب أن تعقد هذه الدول صفقات ثنائية!
غالبية الموردين (الشركات) المستفيدين من تحرير التجارة الجمركية في إطار منظمة التجارة العالمية هم حتى الآن من الدول المتقدمة التي تقدّم منتجات تلبّي المعايير التنظيمية التي وضعتها منظمة المعايير الدولية (ISO) أو هيئات الصناعة الخاصة أو ذات الصلة. كل مفاوضات منظمة التجارة العالمية هي صفقات تجارية بحتة في إطار فرض معايير الشركة الرائدة / الوكالة الصناعية / الدولة المصدرة لهذه المنتجات. في ظل غياب الانضباط الملائم للتدابير غير الجمركية على المستوى العالمي، سيتم السماح لدول مثل الاتحاد الأوروبي وسويسرا واليابان والولايات المتحدة بتشغيل مجاني في إمداد نحو 71% من سوق المعدات الطبية العالمية.
جميع المنتجات البالغ عددها 135 في إطار السلع الطبية (قائمة المنتجات المجمّعة من دراسة منظمة التجارة العالمية والإعلان) ضرورية. ومع ذلك، بالنسبة إلى الهند، تعدّ الإلكترونيات والمنتجات الطبية من القطاعات الاستراتيجية. لذا، فإن تحمّل عبء المزيد من تحرير التعريفات الجمركية بموجب أي اقتراح في منظمة التجارة العالمية، من دون معايير وطنية خاصة بالصناعة، لن يخدم المصالح الاستراتيجية للهند.
يحاول الأعضاء المتقدمون لعب الحيل القديمة التي أتقنها بعضهم على مدى أكثر من سبعة عقود من مفاوضات التجارة الدولية. هذا تذكير للجنوب بأنه حتى في حالة الجائحة، فإن الشمال لا يهتم إلا بتوحيد حصص الشركات في السوق. يتوجب على البلدان النامية والأقل نمواً أن تحذر الأساليب القديمة التي تتسلل إلى قواعد التجارة العالمية الناشئة. هذه دعوة إلى الحاجة الملحّة لإصلاح المنظمة للتخلّص من فجوات البيانات وعدم تناسق المعلومات.



* مورالي كالومال أستاذ مركز دراسات منظمة التجارة العالمية IIFT، سميثا فرانسيس مستشار في معهد دراسات التنمية الصناعية (ISID) نيودلهي.
(نُشرت هذه المقالة في 1 أيار 2020 على https://www.policycircle.org/economy/wto-using-covid-to-push-expansionist-free-trade-agenda/)

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا