اللبنانيون يعانون من أزمة وجودية سببها «لبنان» الذي يشكّل آلية تنفيذ الأوامر الإمبريالية ببنيته المستقاة كولونيالياً. هي أزمة تتعلق بمؤشرات استمرار الإنسان. معظم البلدان التي مرّت بأزمات مالية ونقدية مماثلة أو حتى أقلّ تعقيداً، برزت فيها تداعيات جديّة وحاسمة عن نوعية الحياة. المؤشّر الرئيس هنا يتعلق بمتوسط العمر المتوقع. فالأزمات المالية المترتبة على الفقاعات، لها تأثير واضح على متوسط العمر المتوقع، كما لو أن الدول التي حصلت فيها كانت تعيش في حالة حرب. أينما حصلت هذه الأزمات، تراجع معدل العمر المتوقع عند الولادة. أينما حصلت هذه الأزمة جاءت النتائج واحدة سواء في الاتحاد السوفياتي، والأرجنتين واليونان وسواها. في روسيا، عندما انهار الاتحاد السوفياتي، كانت علاقة حدّة الانهيار بتدني متوسط العمر المتوقع، مماثلة لعلاقة الانهيار الناتج عن الحرب العالمية الثانية. وفي اليونان مثلاً الاستشراف السكاني يدلّ على تدني عدد السكان بنحو الربع في العقد المقبل. اليونان مقبلة على انحسار ديموغرافي لم يسبق له مثيل.

هذه الأزمة الوجودية ليست مرتبطة بالسلع الأساسية الكافية للاستمرار بالحياة فقط، مثل الغذاء، بل هي تشمل غالبية القنوات التي من شأنها إعادة إنتاج الحياة مثل المؤسسات الحكومية ونفقاتها. هذه المؤسسات قابلة للانهيار في ظل أزمة كهذه. انهيار المؤسسات يعني انهيار قدرة المجتمع على إعادة إنتاج نفسه. حاجة المجتمع الوجودية مرتبطة بتكوينه. الأكيد هنا أن الخصوبة سوف تنهار وسينهار معها المجتمع بما فيه. لا نبالغ إذا قلنا بأن متوسط العمر المتوقع عند الولادة في لبنان سيتراجع بأكثر من عشرين سنة إذا بقيت الحال على ما هي عليه اليوم من تراجع في قطاعات الصحة والتعليم والمياه والكهرباء والدواء وارتفاع مستويات التلوّث بشكل يهدد الحياة. طبعاً هذا لا يعني أن الوضع كان مثالياً، بل كان وضعاً سيئاً لكن ما سيكون هو أسوأ .

أنجل بوليغان ــ المكسيك

هذه الأزمة تشكل مسألة وجودية للإنسان لا ترتبط بالمذهب والدين والسياسة. فهي ستأتي على الكل بدرجات متفاوتة. فالثري مثلاً يمكنه تفادي الآفات، لكن التدهور البيئي والأمني والصحي سيخفض نوعية حياته، هذا إذا بقي في لبنان. وبالتالي فإن مواجهة هذه الأزمة والحدّ منها يتطلبان نوعاً من الالتقاء على القواسم المشتركة الدنيا من أجل الحدّ من الانهيار. هذا يعني أنه يجب التركيز على الطبابة، التعليم، البيئة، التلوّث والأمن. فالمجتمع يحتاج حالياً إلى أسس تبقيه في حالة صمود في مواجهة الأزمة. حتى لا يترك الأمر مجالاً للالتباسات والإجابة عن الأسئلة المتصلة بما الذي يجب فعله، فلا بدّ أولاً من توصيف الواقع الذي كانت الأزمة نتاج له على مدى السنوات الثلاثين الماضية. أو كي لا نقول بأن السياسات والسياسيين هم مسببو الأزمة، أي حتى لا نشخصن أو نشيّئ أسباب الأزمة. فالأزمة نتاج علاقات اجتماعية تاريخية ضَعْ فيها من شئت من السياسيين وستجد النتيجة نفسها. التغيير يتطلب تغييراً في التاريخ وموازين قواه.
أما تحليلياً، فخلال العقود الثلاثة الأخيرة، مارست السلطة سياسات انكماشية. مصدرها الأساسي سياسة كليّة هي سياسة التقشّف. على صعيد الاقتصاد الكلي، كانت هناك سياستان: السياسة المالية والسياسة النقدية. ما حصل في السياسة النقدية، هو أننا كنّا فاقدي السيادة من خلال تثبيت سعر العملة الوطنية. وبدلاً من وضع الأموال التي تأتي إلى لبنان في السوق الوطنية لتوسيع الاقتصاد الإنتاجي، كنا نقوم بالعكس. ثبّتنا سعر الليرة مقابل الدولار، ما أدّى إلى ارتفاع في سعر الفائدة. وبدلاً من أن نخلق مرونة، وأن نخلق اعتمادات تقوّي الاقتصاد الإنتاجي، كانت هذه الأموال تذهب إلى الاستهلاك وتموّل التدفقات الخارجية. لم تكن الأموال تُخصّص من أجل إعادة إنتاج الطاقات الوطنية.
أما السياسة المالية، فقد كانت انكماشية أيضاً. فالاستدانة بأسعار فائدة عالية، كما هو معروف، تخلق نوعاً من الانحسار في نفقات الدولة ويصبح معها الميزان الأساسي الذي تُنفق من خلاله الأموال على قطاعات الصحّة والتعليم وسواها، مخصّصة للإنفاق على مزيد من الاستدانة. في الفترة الماضية كان لدينا نقص في قدرتنا على سداد الدين ما أجبرنا على مزيد من الاستدانة لسداد أصل الدين وفوائده، وبالتالي كنّا نضطر أن نحقق فائضاً في الميزان الأساسي لهذه الغاية بدلاً من تخصيصه في الإنفاق على القطاعات التي تموّل خدمات عامة أو على البنية التحتية.
في الوقت نفسه، كانت نتيجة السياستين المالية والنقدية، في تفاعلهما مع بعضهما البعض، تراجعاً في حصّة الأجور من 48% إلى 21%. على مدى 25 عاماً حتى عام 2015. وبعد التضخم الحاصل اليوم ربما لن تتجاوز حصّة الأجور من الناتج أكثر من 15%، ما يعني ضريبة إضافية على الفقراء.
عموماً، ما يحصل في هذا النوع من التقشف هو انخفاض في معدلات خلق الوظائف، ما يعني أن معظم العمال يضطرون إلى العمل في وظائف ضعيفة الإنتاجية وقليلة الأجور أو الهجرة. فبدلاً من الحديث عن سلسلة الرتب والرواتب كان من الأجدر التكلم عن الإنتاجية التي توفر الأساس لارتفاع الرواتب. غاب الاقتصاد المنتج. غابت الإنتاجية وارتفعت أجور المحظوظين في القطاع العام كجزء من ريع جيوسياسي يغطي على الفقر الذي كان يتسارع.
زد على ذلك أن المنظومة الضرائبية لم تكن محفّزة للإنتاج في النشاط الاقتصادي. لم تكن هناك تركيبة ضرائبية تستهدف دعم الاقتصاد الإنتاجي بالأموال الواردة إلى لبنان. هذا الأمر كان عبارة عن جزء من السياسات المالية التي نفّذتها الحكومات المتعاقبة، فلم تحفّز الاستثمار المنتج على المدى البعيد. لقد حذفت السياسة النقدية السياسة المالية وغيّبتها كلياً وصار المنتج الوطني منوطاً بتسييل الموارد الوطنية.
ما كان محفّزاً، هو الاستثمار في العقارات والمضاربة. وصل بهم الأمر إلى درجة خلق أساطير وروايات عن ندرة الأراضي التي تؤدي إلى ارتفاع أسعار العقارات، بينما الواقع في الاقتصاد الرأسمالي هو أن الندرة ليست موجودة فعلياً، بل هي عامل مركّب ومصطنع. والمستغرب فعلاً أن الناس صدقوا هذه الأساطير. مما لا شك فيه أن مدارس الإرساليات رسّخت الجهل.
وفي ظل سياسة تثبيت سعر الصرف الليرة مقابل الدولار، أي دعم الليرة وإبقائها ضمن مستوى الـ1507 ليرات وسطياً مقابل الدولار الواحد، كان القسم الأكبر من الدعم يذهب إلى فئات مستفيدة مقابل حصّة صغيرة للمستهلك. سياسة دعم الليرة كانت تفيد كبريات الشركات والمضاربين الماليين والعقاريين من خلال الفرق بين السعر الحقيقي لليرة وبين السعر المدعوم. كانت مستورداتهم تتم بسعر مدعوم لليرة، مثلها مثل عمليات الاستثمار والاستهلاك التي قاموا بها في الخارج. عندما يُحكى عن أن دعم الليرة هو دعم لسعر رغيف الخبز، فإن في المسألة مخادعة، لأن الناس يدفعون لدعم الليرة كلفة أعلى من مردود دعم السلعة الأساسية التي تشتريها.
ففي مقابل الأثرياء الذين اشتروا سلعاً رفاهية بأموال طائلة وبسعر 1500 ليرة لكل دولار وأرسلوا فائض أموالهم إلى الخارج، حصل الفقراء على رغيف خبز مدعوم. كانت السلع الأساسية تُشكل نحو خمس الاستيراد الكلي بينما نصف التدفقات المالية إلى لبنان كان يحوّل إلى الخارج. اليخت الذي اشتراه رجل أعمال أو سياسي، أو الاستثمار العقاري الذي نفّذته شركة أو أفراد عبر تحويل الأموال من لبنان إلى الخارج، أو أي مشروع قائم على تحويل من لبنان إلى الخارج، تم بسعر صرف مدعوم. استعملوا الدولارات التي كان يجب استعمالها في الإنتاج الداخلي والذي كان مموّلاً بدولارات أتت إلى لبنان من المغتربين ومن السياحة ومن الاستثمارات الأجنبية المباشرة لإرضاء الطبقات المتحولة. هذه دولارات أتت بكلفة عالية ندفعها على سعر الفائدة التي نجذب بواسطتها الدولارات. ينطبق على هذا الأمر كل الأموال التي خرجت من لبنان. كان هؤلاء يحصلون على دولارات بالسعر الاسمي (1507 ليرات وسطياً) بهدف تحويلها إلى الخارج، بينما سعر الصرف الحقيقي الذي يعكس حجم التبادلات مع الخارج كان أضعاف السعر الاسمي. يجب أن نعلم بالتحديد ما كمية السلع المثالية المستهلك محلياً والتي كانت تموّل بليرات مدعومة، مقابل كميّة الدولارات الهاربة إلى الخارج أو تلك التي استعملت في الداخل كأصول مترفة. حصّة الفئتين الأخيرة أكبر بالتأكيد من حصّة السلع المثالية.
دعم الاستهلاك يتطلب زيادة الاحتياطات بالعملات الأجنبية، ويستوجب أيضاً سياسات انكماشية وزيادة الضرائب. هذه الدورة الاقتصادية الكليّة كلها كانت محسوبة لتسلب الناس أرزاقهم.
لا نبالغ إذا قلنا بأن متوسط العمر المتوقع عند الولادة في لبنان سيتراجع بأكثر من عشرين سنة إذا بقيت الحال على ما هي عليه اليوم من تراجع في قطاعات الصحة والتعليم والمياه والكهرباء والدواء وارتفاع مستويات التلوّث بشكل يهدد الحياة


هكذا بدأت الأزمة. كنّا نعيش في أزمة كامنة تحت رماد دعم الاستهلاك. لو كانت هناك إرادة داخلية لما حصلت الأزمة أصلاً لأن غالبية الدين هو دين داخلي. كان يمكن معالجة الأمر بطرق أقلّ تطرّفاً من تلك التي تحصل اليوم. قبل أن تبيع المصارف ومصرف لبنان سندات الدين إلى الخارج، لم تكن لدينا مشكلة. حتى مع كمية خسائر ضخمة في المصارف، كان يمكن إبقاء المصارف «زومبي» ومعالجة باقي النواحي. اليوم بات الأمر يتطلب إغلاق الحسابات التي تتسرّب منها الأموال إلى الخارج حتى لا يتذبذب سعر الليرة. هذا يعني مراقبة الحساب التجاري (المبادلات مع الخارج) وتقييده ليقتصر على الأساسيات اللازمة للعيش وعلى الآلات الصناعية اللازمة لإعادة تكوين القطاعين الصناعي والزراعي. كذلك يجب مراقبة الحساب المالي: وقف خروج الأموال إلى الخارج واقتصار التحويلات على الضروريات. يجب أن يكون الأمر منظّماً وبتدخل مباشر من السلطة، وليس استنسابياً وعشوائياً كما يحصل اليوم. وللذين يقولون بأن هذا الأمر لا يعيد الثقة ويضرب فرص استقطاب لبنان للدولارات من الخارج، فإن قولهم فيه تجويف للوقائع وتقويض لقدرة السلطة والحكومة على إعطاء ضمانات للمستثمرين على المدى البعيد وفي قطاعات معينة مثل الصناعة والزراعة أو في خدمات أساسية مثل قطاع النقل أو الكهرباء أو سواهما. هذا المسار يتطلب وقف السياسات الانكماشية وتحويلها إلى سياسات توسّعية. يجب أن نخلق اعتمادات جديدة من أجل إعادة تكوين الاقتصاد الإنتاجي، وفتح أسواق جديدة للتصدير. أي يجب إعادة هيكلة البنك المركزي وخلق مصارف تمنح الاعتمادات للزراعة والصناعة.
عندما يكون لدينا «كابيتال كونترول» يضبط التدفقات النقديّة من وإلى لبنان، فإن هذا الأمر يسهم في تثبيت سعر الليرة بشرط أن تستمر الدولارات بالتدفق من الخارج، أي من المغتربين. نحن بحاجة إليهم اليوم ويجب أن نخلق لهم مؤسسات وكيانات مستقلة عن التركيبة السياسية وإشراكهم في مشاريع يستثمرون فيها.
توطئة هذا المسار تحتاج إلى قرار سياسي فوق العادة، ووعي يربط الناس بأزمتهم الوجودية. هذا الأمر صعب التحقق ولكن لا شيء يمنع من طرحه والعمل بشأنه. لأن أي مخرج آخر سيعيد دورة الاستهلاك الهدري، أي أن الناس يتعيّشون حياة أقل وأصعب. يتطلب الأمر نقلاً في الوعي السياسي. هذه فرضية يصعب تحققها في لبنان، وهي تحتاج إلى حماية شعبية من كل الفئات الاجتماعية. ما يدعو إلى التفاؤل اليوم هو أن صورة الولايات المتحدة بدأت تتشوّه وقوتها أفلت. وهذه الصورة كانت تقدم للناس على أن ما تفعله المؤسسات الموالية لأميركا هي على حق. هذا الأمر بان على أنه كذبة حتى في أميركا.
إذا لم تتماثل الحالة الوجودية مع وعي مرتبط بالأزمة، فإن رأس المال، كالعادة، سيأكل خدّامه، بمن في ذلك رؤساء الطوائف.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا