شيعياً أكان أم سنياً، درزياً أم مارونياً، لا يُفترض أن يتطلب بناء معمل جديد لإنتاج الكهرباء أكثر من عامين بالحدّ الأقصى، كمعدل عام. هذا يعني أن خلال فترة العقد الماضي، وتحديداً منذ إقرار خطة هيكلة قطاع الكهرباء عام 2010 (ورقة سياسة قطاع الكهرباء)، كان بالإمكان تشييد خمسة منشآت جديدة، لو سلمنا بأن العمل يجري تدريجياً. لكن كلّ من يعرف لبنان وإدارته السياسية الفاشلة والغارقة في الفساد، يدرك أن أيّاً من ذلك لم يحصل. بل على العكس تماماً، تغرق البلاد في مزيد من الظلمة مع زيادة التقنين بهدف تقليص كلفة استيراد الفيول بالعملات الصعبة وبسبب الغشّ المتاح لاستيراد الفيول. لبنان لا يحتاج إلى كل تلك المعامل، بل إلى قرار بناء ما يلزم منها، وترشيق شبكة النقل والتوزيع، ومعها دمج مولدات القطاع الخاص على شكل إنتاج رديف يضطلع أيضاً بالطاقة البديلة. هل هناك قرار سياسي لتحقيق ذلك؟ بالتأكيد لا. لماذا؟ لأن دولة الطوائف قادرة على اجتراح المعجزات لمنع قرار يتناقض مع واقع تكون فيه مؤسسة كهرباء لبنان مترهلة وتوزّع الإنتاج وتقننه طبقاً للتوازنات الجغرافية الدينية. هناك أربعة معطيات تعكس هذا الواقع؛


لكلّ ديانة هيكل إنتاجي
أضحت الكهرباء تماماً كما البيان الوزاري، قنبلة حكومات الوحدة الوطنية منذ التحوّل التاريخي الذي عاشته البلاد عام 2005. ومع تدهور المعطيات الاقتصادية الاجتماعية في البلاد خلال فترة العامين الماضيين، تتضح أسباب المناكفة السياسية التي تمنع إنشاء معامل إنتاج طاقة إضافية وفقاً للدراسات الموضوعة. هناك اصطفاف سياسي طائفي بين إنشاء معمل جديد في سلعاتا أو في منطقة الزهراني أدّى إلى عرقلة تطبيق خطة الكهرباء المحدثّة عن نسخة عام 2010 وتوصيات البنك الدولي في خطته الطارئة للقطاع. فرغم أن الخلاصة بعد المشاورات الطويلة كانت بضرورة المضي في خيار الزهراني أولاً على أن يتم بحث الأثر البيئي والجدوى الجغرافية للمدينة الشمالية، كان الرفض سيد الموقف لاعتبارات طائفية. «لا يكفي أن تمويل معملَين لإنتاج الكهرباء (دير عمار أحدهما) سيكون صعباً، يريدون منا تمويل معمل ثالث من دون أيّ شرح ذي صدقية، والجميع قال لهم لا لسلعاتا» علّق أحد المقربين من هذا الملف من المجتمع الدولي. هكذا تبقى المعامل حبراً على ورق.
3017 ميغاواط: القدرة الإنتاجية الإجمالية لمعامل مؤسسة كهرباء لبنان مقسمة بين 2764 ميغاوات من معامل الإنتاج الحراري و253 ميغاوات من المعامل الكهرومائية من دون إنتاج من الطاقة الشمسية الموجودة بسخاء في لبنان. ويبلغ العجز 1500 ميغاوات، من دون احتساب طلب الشركات والمصانع الكبيرة التي تعتمد على مولّداتها الخاصة. علماً بأن معدّل نموّ الطلب في لبنان يبلغ 500 ميغاوات كل 5 سنوات.



43% هدر وسرقة
كأروقة الحكم والإدارات العامة في البلاد، تعاني شبكات نقل وتوزيع الكهرباء في لبنان من الترهّل وسوء الإدارة في ظلّ حكم الكانتونات الطائفية والسياسية والمناطقية. تُقدّر نسبة الخسائر التقنية وغير التقنية (أي السرقة والتلاعب بالعدادات وبالفوترة) وتلك الناجمة عن عدم الجباية بـ43% من الإنتاج، ما يعني أن الكهرباء التي يتم نقلها وتوزيعها وجبايتها لا تتعدى نسبتها 57% من الإنتاج الكلي. بحسب الخبراء، يمكن خفض الخسائر التقنية إلى المعدلات العالمية، أي 10%، عبر الاستثمار في مجال النقل. أما التعامل مع الخسائر غير التقنية، فله أكثر من وجه؛ يُمكن تحسين المؤشرات عبر توزيع العدادات الذكية، إلّا أن خسائر عدم الجباية متراكمة منذ سنوات وتُقدّر حالياً بـ400 مليون دولار لدى القطاع الخاص، وبنحو ملياري دولار لدى مؤسسات القطاع العام من وزارات وبلديات ومؤسّسات عامة. وهنا أيضاً لا بد من قرار مباشر يسري على الجميع يقضي بمكافحة السرقات والهدر، أو خفضها إلى أدنى مستوى ممكن.

المولّدات «نعمة مخفيّة»
85% من العائلات اللبنانية تعتمد على المولدات الخاصة التي تحرق الديزل المسمّم والملوّث لتؤمّن حاجتها من التيار الكهرباء. «الاشتراك»، وهو ما اصطلح على تسمية هذه الخدمة، كلفته عالية، قد تصل في بعض الأحيان إلى ثلاثة أضعاف كلفة «كهرباء الدولة» وبقدرة أقل. تمكّنت المجموعات التجارية المنتشرة على جميع الأراضي اللبنانية من استغلال هوّة الكهرباء لتؤمّن توازناً في هذا القطاع، وهي اليوم تدير أعمالاً تقدّر بنحو 1.1 مليار دولار؛ ومع احتساب كامل حلقات هذه الدورة التجارية - من استيراد الفيول، إلى مبيعات المولدات، والصيانة - يرتفع حجم هذه الأعمال إلى ملياري دولار. وهي توظّف 13200 شخص، نصفهم تقريباً يعملون في إطار شبكات توزيع الاشتراكات. صحيح أن مهاجمة هذه الشبكات ووصفها بالكارتيلات أضحى فولكلوراً لبنانياً، إلا أنه ناجم عن الغضب من ترهل الخدمة العامة والاضطرار للخضوع إلى القطاع الخاص.
كل ما يلزم هو التزام وطني لتأمين كهرباء للبلد برمته وليس مناكفة سياسية فاسدة بخلفية تأمين الكهرباء لكل طائفة على حدة

لكن عوضاً عن الاستمرار في مهاجمة نموذج العمل هذا يُمكن الانطلاق منه إلى واقع جديد. هو في الأساس شرّ فرضته الإدارة السياسية الفاشلة على المواطن، غير أنه كان «نعمة مخفيّة»، بحسب تعبير البنك الدولي، لتأمين الكهرباء في أوضاع الصراعات الاستثنائية وتعرّض البلاد للعدوان الإسرائيلي. كذلك يُمكن العمل مع هذا القطاع الخاص لدمج الطاقة الشمسية في الإنتاج عبر توزيع الألواح الشمسية ووصلها على الشبكات المناطقية. وقد يكون هذا الحل عملياً جداً في المديين القصير والمتوسط ترويجاً لنموذج إنتاج هجين يعزز المعرفة التقنية على مستوى المناطق ويخفّف نسب التلوّث وكلفة استيراد الفيول. لكن كل ذلك، برغم وضوحه يحتاج إلى قرار سياسي واضح.

خطّة لتنفيذ الخطّة
علمياً، وفي غالب الأحيان، لا يُمكن أن يختلف خبيران على جدوى أو أفق مشروع استثماري في مجال الطاقة، إلا على مستوى المزايدة البيئية أو ما يُمكن تسميته الضمير الأخضر في التنفيذ والممارسة. التجارب والحلول حول العالم ماثلة وواضحة، وحتى سياسة قطاع الكهرباء المحدّثة تستند إلى تجارب البلدان وما يطرحه الخبراء كخلاصة منها. العقد التقنية أو العملياتية يُمكن معالجتها بشرط توفّر البيئة السياسية الملائمة؛ حتى شبكات «الاشتراك» التي تشيْطَن رغم دورها الحيوي في الحلول مكان دولة غائبة، يمكن استيعابها ودمجها في المخطط العام. هناك خريطة طريق واضحة أمام الدولة اللبنانية والرأي العام لتأمين خدمة كهرباء يُعتمد عليها في بلد لا يتعدّى حجم اقتصاده 50 مليار دولار مليار دولار وعدد المقيمين فيه 6 ملايين نسمة، مثل خفض الخسائر عبر تحسين التوزيع والعدادات الذكية، وتعزيز الطاقة الإنتاجية عبر المعامل المتحوّلة في المدى القصير، وبعدها المعامل الثابتة القادرة، وصولاً إلى خفض كلفة الإنتاج باستخدام الغاز مكان الفيول، وتعديل التعرفة تدريجاً وعلى شكل شطور تحفظ العدالة الاجتماعية... الإجراءات واضحة وتطبيقها ليس ضرباً من الهرطقة التقنية، فكل ما يلزم هو التزام وطني لتأمين كهرباء للبلد برمته وليس مناكفة سياسية فاسدة بخلفية تأمين الكهرباء لكل طائفة على حدة.

المصادر:
تقييم تجاري وخيارات سياسية لآلية توزيع الطاقة الكهربائية المنتجة في لبنان، البنك الدولي، أيار، 2020
قطاع الكهرباء في لبنان: خطة جديدة لمعالجة عدم الكفاءة القائمة، صندوق النقد الدولي، آب، 2019

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا