من الواضح أن المجتمع الأميركي أضعف من الدولة وموجود بسبب الدولة، وأن انهيار الدولة أو تراجعها يعني انهيار أو تراجع المجتمع، أو بشكل أدقّ المجتمعات القائمة والمختلفة التي بدأ التماسك بينها يتلاشى. الأسئلة المطروحة متعدّدة ومعقّدة ومتشعّبة، لكنّها تطرح مستقبل الحزبين الحاكمين واستمرارهما، وعبرهما وجود الكيان الأميركي، على الأقل في الشكل الذي يعرفه العالم. فالتجاذبات الداخلية سواء كانت عنصرية أو ثقافية أو اجتماعية، تفاقمت إلى حدّ الكراهية. هي تجاذبات مزمنة، لكن الرخاء الاقتصادي والرفاهية كانا كافيين لتغطيتها. وفي زمن القلّة والشحّ بدأت هذه العيوب تأخذ منحى تصادمياً واضحاً وخاصّة في مجال العنصرية. فعلى سبيل المثال، إنّ انتخاب الرئيس باراك حسين أوباما، الرئيس الوحيد من أصول إفريقية وبجذور إسلامية، لم يتقبّله جزء كبير من الأميركيين الذين كانوا وما زالوا يعتبرون أن قيادة البلاد محصورة بالعنصر الأبيض البروتستانتي. ولا ننسى أن الرئيس الكاثوليكي الوحيد جون فيتزجرلد كندي لم يُكمل ولايته الأولى بل اغتالته أيدي الدولة العميقة. ولا ننسى أيضاً كيف قاد دونالد ترامب حملة التشكيك في أهليّة ترشيح أوباما وانتخابه على أساس أنه لم يولد في الولايات المتحدة كما هو مشترط في الدستور الأميركي. ولا ننسى أيضاً كيف تعامل الحزب الجمهوري خلال الولايتين للرئيس أوباما على قاعدة عرقلة كل مشاريعه. في المقابل لم يعترف الحزب الديمقراطي بشرعية انتخاب ترامب، بل اتهمه الإعلام الشركاتي المهيمن بأنه وصل إلى سدّة الرئاسة بسبب «تدخلات» روسية لم يستطع تثبيتها. ومنذ اللحظات الأولى لانتخابه رئيساً، بدأت محاولات إقصائه واتهامه بمخالفات دستورية وقانونية غير مستندة إلى أدلّة واضحة وقاطعة. قاعدة اللعبة الصفرية تحكّمت بسلوك الطرفين وأصبح الصراع على السلطة هو الغاية وكل شيء بات متاحاً للوصول إلى ذلك.


داريو كاستيليخوس ــ المكسيك

على صعيد الولايات، فالانتخابات النصفية التي جرت سنة 2018 أوضحت التصادم بين الجغرافيا والديموغرافيا. المدن الكبرى على الشواطئ الشرقية والغربية في الولايات المتحدة أكثر ليبرالية وتنوّعاً من سكّان الداخل. داخل الولايات المتحدة، كانت الجغرافيا للحزب الجمهوري المحافظ وأكثريته من العرق الأبيض، بينما الديمغرافيا (أي المدن الكبرى على الشواطئ) كانت للحزب الديمقراطي وأكثريته من الأقليّات العرقية. والتحوّلات الديمغرافية خلال السنوات الماضية، ألقت بظلالها بقوّة على تركيبة المجتمع الأميركي. بات واضحاً أن الحزب الديمقراطي يستهوي الأقلّيات العرقية كالسود الذين يصوّتون له بنسبة 90% بينما الأقلّيات الأخرى الآسيوية واللاتينية تصوّت بنسبة 70%. وفي المقابل تتراجع نسبة البيض في البلاد بشكل عام وداخل الحزب الديمقراطي بشكل خاص. قيادة الحزب الديمقراطي ما زالت من العرق الأبيض، وإن كانت من الشيوخ (معظمهم يقارب الثمانين من العمر!) بينما الشباب البيض داخل الحزب في حال تراجع نسبياً. كذلك الأمر بالنسبة إلى الحزب الجمهوري الذي تتشكل غالبية قيادته من الشيوخ. العنصر الشاب في الحزب ما زال أقلّية.
لا تستطيع «عقيدة» الحزبين التكيف مع التحوّلات الديمغرافية وهي تحمي قوامة الرأسمالية ولا سيما تلك التي قامت بأمولة (financialization) الاقتصاد على حساب الاقتصاد العيني والمنتج في ظلّ تجاهل التداعيات الاجتماعية والفجوة الكبيرة بين المتموّلين والطبقات الفقيرة. أقل من 1% من السكّان، تمتلك أكثرية الثروة في الولايات المتحدة. هذه الظاهرة كانت فحوى احتجاجات عام 2011 التي نادت باحتلال منطقة وال ستريت في نيويورك تحت شعار «احتل» (occupy). مسألة الفقر في الولايات المتحدة أصبحت مسألة جدّية بوجود أكثر من 45 مليون أميركي يرزحون تحت خطّ الفقر ولا يستطيعون أن ينعموا بأي نوع من الضمان الصحّي.
عدم قدرة قيادات الحزبين على التكيّف مع التنوّع السكّاني الذي يفرض تنوّعاً في القيم والأولويات، يهدّد استمرار الحزبين الحاكمين في تداول السلطة. لا يمكن استبعاد تشظّيهما إلى أحزاب إقليمية أو أحزاب تحمل هويات فرعية غير الهوية السياسية الجامعة. فالنزعات الانفصالية تتزايد. شهدنا تمرّداً على السلطة المركزية في بعض الولايات وبعض المدن، بالإضافة إلى احتجاجات رافقت دخول قوّات الشرطة الاتحادية إلى بعض المدن من دون موافقة السلطات المحلّية، ما ينذر بتفاقم الأمور وتفشّي حالة التمرّد وتنامي دعوات الانفصال. إن الحرب الأهلية التي خاضتها الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر لم تكن فقط لتحرير السود بل كانت حرباً لتحديد دور السلطة الاتحادية وصلاحيات الولايات، وانتصار القوى الاتحادية لم يحسم نهائياً الجدل الذي يشهد صحوة جديدة بسبب تفاقم الأمور. ولا يجب أن ننسى أن التماسك الاتحادي مبنيّ على «تعاقد» بين الولايات منفردة مع الدولة الاتحادية. نذكّر بأن ريتشارد بري، وزير الطاقة في إدارة ترامب، كان ساعياً للحصول على تسميته كمرشح الحزب الجمهوري للرئاسة عندما كان حاكماً لولاية تكساس، وهي ثاني الولايات الكبرى سكّانياً وجغرافياً واقتصادياً، بعد ولاية كاليفورنيا، وفي حملته الانتخابية، هدّد ثلاث مرّات الدولة الاتحادية بالانفصال عنها إن لم تتوقّف عن التدخّل بشؤون الولاية. فكيف يسعى إلى رئاسة البلاد وفي نفس الوقت يهدّد بالانفصال عن الدولة التي يريد ترأسها؟ هذا يعني أن الرابط الوطني وهن جدّاً ومبني على المنفعة وليس على قناعة.
هذه ظاهرة ليست منفردة. هناك عدد من الولايات تطرح موسمياً مسألة الانفصال عن الدولة الاتحادية. فكيف ستتصرف النخب الحاكمة والجمهور العريض في مواجهة كارثة جامعة؟ جائحة الكورونا أعطت بعض الأجوبة. فقد تصرّفت الولايات بمعزل عن بعضها البعض ولم تنسّق في ما بينها. الأنانية كانت طاغية على سلوك كل مسؤول في ولايته وهذا ما يساهم في إضعاف الرابط الوطني.
هذا الانقسام في مختلف المكوّنات السياسية والعرقية والاقتصادية والثقافية اشتدّ خلال السنتين الماضيتين في ظلّ تجاذب إعلامي وتهجّم شرس على الرئيس الأميركي. صحيح أن ترامب «جسمه لبّيس»، لكن في نهاية المطاف يقود الإعلام المهيمن الليبرالي النزعة كل ذلك من دون أن يعترف بشرعية انتخاب ترامب، فعمل وما زال يعمل، على الإطاحة به مهما كلّف الأمر عبر تأجيج الخطاب التفتيتي بين مكوّنات المجتمع الأميركي لضرب قاعدة ترامب. بينما المرشح بايدن يمارس نوعاً من العنصرية أيضاً عندما يسخر من مواطن أميركي منحدر من أصول إفريقية يريد أن ينتخب ترامب فيقول له إن كنت تصوّت لترامب فإنك لست من السود!
لا يختلف الخطاب السياسي لبادين عن خطاب ترامب. فهما يفرّقان بين الأميركيين ولا يوحّدهما. هما يمثّلان جزءاً من أميركا، وإن اعتبرا ذلك الجزء هو الأكثرية! كما أن الولايات والمدن التي يحكمها ديمقراطيون، شهدت أكثر أعمال العنف والشغب والاعتداء على الأملاك الاتحادية والحكومية والخاصة تحت مرأى العين للشرطة والسلطات المحّلية، ما أدّى إلى ردود فعل عكسية سياسية بالنسبة إلى الحزب الديمقراطي. أدّت تلك الأعمال إلى الالتفاف حول دعاة الحفاظ على الأمن والقانون، أي أنصار الطرح الجمهوري وخاصة الرئيس ترامب. هناك استطلاع رأي مخالف لمعظم استطلاعات الرأي التي يقوم بها الإعلام المهيمن. وقد أعدّت مؤسسة راسموسن للاستطلاع يفيد بأن الفارق بين بايدن والرئيس ترامب تقلّص إلى بضع نقاط فقط (4-%5) ما يدلّ على تغيّر ملحوظ في المزاج العام الذي كان غاضباً على ترامب بسبب سوء أدائه في مواجهة جائحة كورونا.
ما زال مبكراً التكهّن حول نتائج الانتخابات المقبلة في تشرين الثاني وبناء التقديرات على الاستطلاعات. الفريقان المتنافسان ليسا على استعداد لقبول نتيجة أي هزيمة محتملة. الاتهامات بالتلاعب في مسار الانتخابات تملأ الفضاء الإعلامي، وتنذر بإمكانية حدوث فراغ دستوري أو انقلاب سياسي وحتى عسكري من الاحتمالات التي لا يمكن تجاهلها. وصلت درجة الكراهية إلى حدّ تجاهل نتائج التفاعل الديمقراطي الذي يميّز المجتمع السياسي الأميركي عن العالم.
سقوط الديمقراطية نتيجة للعنصرية المتجذّرة في بنية المجتمع الأميركي، كما أن سقوطها يعود لعدم إمكانية التعايش بين الرأسمالية والديمقراطية. هدف رأس المال السيطرة والاحتكار، بينما جوهر الديمقراطية التنافس والتنوّع بلا احتكار وأحادية. وقد استطاعت النخب الرأس المالية أن تروّج لفكرة تلازم الديمقراطية والحرّية والتنافس الاقتصادي، متجاهلة عمداً أن هدف التنافس الأخير هو السيطرة. تمركز القطاعات الحيوية في الولايات المتحدة بيد قلّة من الشركات هو دليل على تطوّر الرأسمالية إلى نمط احتكاري في الاقتصاد الأميركي. كما أن الرأسمالية الأميركية فضّلت الربح على المصالح الوطنية ولم تكترث للنتائج الاجتماعية في إعادة توطين القاعدة الإنتاجية خارج البلاد.
الاحتجاجات ضد العنصرية لم تكن موجّهة ضد الواقع الاقتصادي وكأن جائحة الكورونا غير موجودة، على الأقل في الشعارات المرفوعة. هي الجائحة التي أوقفت العجلة الاقتصادية في العالم وفي الولايات المتحدة. وقد ضخّت الإدارة الأميركية، عبر الاحتياط الاتحادي، الأموال للشركات وللمواطنين (أكثر من 2 تريليون دولار على دفعتين)، وخاصة للمؤسسات المالية كي تحافظ على الاستخدام والتوظيف بالنسبة إلى الشركات والإنفاق الاستهلاكي بالنسبة إلى المواطنين. معظم الشركات استفادت من هذه الأموال، لكنها لم تلتزم الحفاظ على الاستخدام بل استغلت الجائحة لصرف العاملين فيها. صحيح أن عدداً من الشركات الصغيرة والمتوسّطة أعلنت إفلاسها وبالتالي تبخّرت الوظائف وارتفع عدد العاطلين من العمل إلى أكثر من 40 مليون أميركي، وربما يكون الرقم أعلى من ذلك بكثير، إلّا أن السؤال المطروح يتعلق بالاستراتيجية التي ستعتمدها الإدارة الحالية والإدارة المقبلة لمواجهة هذا الوضع.
أقل من 1% من السكّان تمتلك أكثرية الثروة في الولايات المتحدة وهذه الظاهرة كانت فحوى احتجاجات عام 2011 التي نادت باحتلال منطقة وال ستريت في نيويورك تحت شعار «احتل» (occupy)


والشركات لم تستعمل هذه الأموال للحفاظ على مستوى التوظيف، بل من أجل تسديد بعض أو كل ديونها، أو حتى للاستثمار الإنتاجي أو التكنولوجي، وفي شراء أسهمها المتداولة في البورصة، ما أدّى إلى ارتفاع جنوني في البورصة رغم الانكماش الاقتصادي الكبير الذي قد يتحوّل إلى كساد. الانفصام بين الاقتصاد الفعلي والاقتصاد الافتراضي المالي الريعي أصبح أكثر وضوحاً ما جعل المسؤولين السياسيين في موقف حرج لتفسير تلازم الانكماش وازدهار الأسواق المالية.
أما على صعيد المواطنين، فقد استعمل الأميركيون المساعدات الاتحادية (1200 دولار لكل فرد في الأسرة) لتسديد ديونهم المتراكمة بدلاً من الحفاظ على النمط الاستهلاكي، ما جعل الطلب على السلع والخدمات يتراجع بشكل كبير فساهم في تفاقم الأزمة الاقتصادية.
النظام الاقتصادي الأميركي يترنّح تحت وطأة السياسات النيوليبرالية الساعية إلى الربح السريع الريعي الطابع. هو المحرّك الأساسي للنشاط الاقتصادي. إعادة توطين القاعدة الإنتاجية الصناعية وحتى المعلوماتية في شقّها التصنيعي إلى الدول النامية كالصين والهند وماليزيا ودول أميركا اللاتينية أفقدت الكثير من قدرة الولايات المتحدة على تأمين حاجاتها الأساسية التي أصبحت تستورد معظمها. كما أنها فقدت القدرة على التنافس في الصناعة لأنها فضّلت الاستثمار في المال والأسواق المالية بدلاً من الاستثمار في الأبحاث التكنولوجية. فجائحة الكورونا كشفت مدى انكشاف الاقتصاد الأميركي تجاه الخارج بشكل عام وتجاه الصين بشكل خاص.
وحتى الساعة لم تستطع النخب الحاكمة مقاربة الموضوع ولا حتى التفكير في الخروج من المأزق الاقتصادي. هناك شبه إجماع عند الجمهوريين والديمقراطيين على تحميل مسؤولية الانكماش الاقتصادي لجائحة الكورونا وشيطنة الصين لتتسببها بالجائحة و«سرق الوظائف». ليست هناك مراجعة للخيارات والسياسات المتبعة على مدى خمسة عقود من قِبل الحزبين، وبالتالي تصبح مقاربة المستقبل من عالم المجهول حتى الساعة في الولايات المتحدة ما يجعلنا نطرح السؤال هل ستبقى الولايات الأميركية متحدة؟

*كاتب وباحث اقتصادي سياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي