تعاني كل البلدان في التصدّي لفيروس كوفيد-19، لكن الخطر الذي يمثله الفيروس أكثر جسامة بالنسبة إلى البلدان الهشّة التي ترزح تحت وطأة الصراعات. ولتجنّب الأسوأ، يتعيّن على المجتمع الدولي إصدار استجابة سريعة ومنسّقة.

ستؤدّي جائحة كوفيد-19 إلى انخفاض دخول الأُسَر انخفاضاً حاداً في البلدان الهشّة التي ترزح تحت وطأة الصراعات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مثل أفغانستان وجيبوتي والعراق ولبنان والسودان والصومال. فمع تأثُّر إيرادات التصدير وتراجُع النشاط المحلّي بسبب التباعد الاجتماعي، ستنخفض المداخيل – وخصوصاً للعاملين في القطاع غير الرسمي وذوي المهارات المحدودة، بما في ذلك عدد كبير من السكان النازحين داخلياً واللاجئين.
وفي ظلّ هبوط المداخيل عالمياً، يتوقع أيضاً تدهور بنسبة 20% في تحويلات العاملين في الخارج التي تمثّل 14% من إجمالي الناتج المحلي في البلدان الهشّة عبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتُعتبر شريان حياة لكثير من الأُسر.
وعلى نطاق أوسع، يتوقّع أن ينكمش إجمالي الناتج المحلّي الحقيقي في هذه البلدان بنسبة 7% في عام 2020، مقارنةً بمعدّل نموّ متوسّط قدره 2,6% عام 2019. وسيؤدّي ذلك إلى انخفاض كبير في نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي - من 2900 دولار في 2018-2019 إلى 2100 دولار في 2020.



أنقر على الرسم البياني لتكبيره


وإثر هذا الهبوط الحاد، ستتفاقم التحديات الاقتصادية والإنسانية الراهنة. فالبلدان الهشّة التي تمرّ بصراعات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تخوض بالفعل معركة ارتفاع مستوى الفقر، وعدم الاستقرار السياسي، وضعف الدولة، وتَهَالُك البنية التحتية. ويمكن أن يؤدي الفشل في تخفيف المعاناة المحتملة إلى تفاقم عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي الأساسي وقد ينشئ حلقة مفرغة من المعاناة الاقتصادية والصراع – ما يضيف إلى التحديات الإنسانية القائمة التي تشهدها بلدان تمرّ بصراعات دائرة بالفعل، بما في ذلك ليبيا وسوريا واليمن.

تحدّي حماية الأرواح والأرزاق
من المرجّح أن يفوق تفشّي جائحة كوفيد-19 إمكانيات النظام الصحّي بطاقته المحدودة. فالبلدان الهشّة التي تمر بصراعات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعاني من نقص الأطباء (8 أطباء لكل 10 آلاف شخص مقابل 14 طبيباً لنفس العدد في الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية). كذلك تواجه هذه البلدان نقصاً في أَسِرَّة المستشفيات وفرصاً محدودة للوصول إلى أدوات غسل اليدين ومياه الشرب والمرافق الصحية، ما يجعل حماية الأفراد من الفيروس مهمّة شاقة. وسيؤدي نقص هذه المتطلبات، بسبب انخفاض الواردات والتنافس الدولي على المعدات الطبية، إلى إبراز مواطن الضعف بصورة أكبر.

أنقر على الرسم البياني لتكبيره

وقد لا يكون احتواء الفيروس ممكناً لنسبة كبيرة من السكان. فهذه البلدان المعرضة للخطر تضم، مجتمعةً 17.2 مليون نازح داخلياً وتستضيف 2.7 مليون لاجئ. ويعيش كثير من هؤلاء السكان في مخيمات أو في أوضاع أخرى محفوفة بالخطر، حيث يمكن أن يؤدي التكدس والافتقار إلى المرافق الصحية المناسبة والمياه النظيفة إلى انتشار الفيروس بسرعة. ففي جيبوتي والسودان، على سبيل المثال، لا تتوافر مثل هذه الخدمات الأساسية بشكل مضمون إلا لنسبة 10% إلى 20% من اللاجئين.
وتتسبّب المستويات المرتفعة لانعدام الأمن الغذائي في تفاقم التحديات المتعلّقة بالصحة والفقر. وتتأثر الإمدادات الغذائية بتداعيات القيود المفروضة على النقل، بينما تأثّر الإنتاج والأسعار في بعض المجالات بمجموعة من الصدمات المتعلقة بتغير المناخ، كنوبات الجفاف والسيول وأسراب جراد الصحراء.
وستزداد معدلات الفقر والاضطراب الاقتصادي سوءاً في غياب استجابة من المالية العامة، ولكن المجال ضيق للقيام بمثل هذا التحرك لأن الموارد محدودة بالفعل وآخذة في النضوب بمعدلات سريعة.

ضرورة الاستجابة العالمية السريعة
من الضروري تقديم دعم دولي عاجل لتوفير المعدات الطبية الحيوية ودعم الزيادة اللازمة في الإنفاق الصحي، بالإضافة إلى توفير بعض أشكال الحماية الاجتماعية والدعم الاقتصادي لتخفيف المعاناة الإنسانية. ومن شأن هذا أن يساعد تلك البلدان الهشة في تجنب الأسوأ، بما في ذلك إمكانية تصاعد الصراعات.
وللمجتمع الدولي دور أيضاً في مساعدة البلدان الهشّة في توزيع هذه الموارد الإضافية على المجتمعات المحلية بأفضل السبل الممكنة. وسيساعد هذا على خفض خطر أن يؤدّي التوزيع غير المتساوي للخسائر البشرية والاقتصادية على الفصائل السياسية والمجتمعات المحلية إلى إذكاء التوترات وانعدام الأمن والعنف المحلي – كما شوهد في البلدان التي تأثّرت بتفشي فيروس إيبولا. كذلك يؤدّي توزيع الموارد بشكل مدروس إلى خفض مخاطر اتهام اللاجئين أو النازحين داخلياً بالتسبب في نشر المرض.

* مقتطف من «المقال الإخباري» الصادر عن صندوق النقد الدولي في إطار «بلدان تحت دائرة الضوء»