إنّ معظم الخطط المطروحة، إن لم تكن كلّها، لم تلحَظ بشكل جدّي وعلميّ إشكاليّة القروض الممنوحة للقطاع الخاص من شركات وأفراد، بالليرة اللبنانيّة أو بالعملات الصعبة. كما لم تلحظْ الخطّة الإنقاذيّة للحكومة هذا الموضوع الحياتيّ المُهِم، وحتى لم تذْكُرْهُ، بل ركّزت على حماية الودائع والمودعين، على أهميّتها، ضارِبةً بعرضِ اللامُبالاة القروض المصرفيّة والمُقتَرِضين.

إشكاليّة القروض الممنوحة للقطاعِ الخاصِّ ذات شقَّين:
* في الشق الأوّل، إنّ المصارف المُقرِضة بالليرة اللبنانيّة، وبسبب التضخُّم المرتفِع، تجِدُ نفسها أمامَ خسارةٍ فعليّةٍ لرأسِ مالِها أمامَ أيّ قيمةٍ مرجعيّةٍ (ذهب، دولار، سلّة عملات، أو سِلع...). مِثالاً على ذلك: إنَّ مبلغَ مليون ليرة لبنانيّة في نيسان 2019 كان يشتري للمصرف نِصفَ أونصة من الذهَب. أمّا اليوم، وحتى مع إضافةِ 15% فائدة على المبلغِ هذا، فلن يحصل المصرف إلّا على سُدْسِ أونصَةِ ذَهب (بالأرقام: 0.51 أونصة مقابل 0.16). باختصار، فبمجرّد أن أَقرضَكَ المصرفُ بالليرة تَكبَّدَ خسارة ثُلثَي رأس مالِ القرض. والخوف أن تقومَ المصارف باتّباع مؤشِّر تضخُّمٍ تخترعه (Indexation to inflation) وذلك لتخفيف الضغط على ميزانيّاتها، وهذا من حقّها ولكنّه مُجحِفٌ وخَطير. فإن قامت المصارف بإلزام القروض بمؤشّر التضخُّم تُصبح قيمة القرض ثلاثة أضعاف القيمة الأساسيّة، لذا يُصبح من الأجدى والأرخص على المواطن تسديد القرض بإعطاء المَسْكن أو السيّارة للمصرف، لأنّ ثمن هذه الأصول أصبح أقلّ بكثير من قيمة الديْن (Foreclosure). هذا قد يحوِّل المصارف إلى مكاتبَ عقاريّة كبيرةٍ تمتلكُ أصولاً مبالغٌ في كلفتها بثلاثة أضعاف! ما سيسبِّب انهيار القطاع العقاري والتجاري، كما حدث في الولايات المتّحدة عام 2008. أمّا إذا كان القرضُ ممنوحاً لمؤسّسة أو شركة، فيصبح أجدى للشركة طلب الصلح الوفاقي أو حتى إعلان التوقّف عن السداد مع ما يتبع ذلك من بطالة وبطء في العجلة الاقتصاديّة وتقليص الناتج المحلّي. ظروفٌ أحلاها مُرٌّ على الاقتصاد الوطني المُنهك أساساً.
* في الشق الثاني تكمن الطامةُ الكُبرى. فالأفراد والشركات المُقترِضَة بالدولار، قد تضاعَفَ حجْمُ قروضها ثلاثَ مرّات نِسبة إلى الليرة اللبنانيّة. أي إنَّ المواطِنَ الذي اقترضَ بالدولار على ثلاثينَ سنةٍ لشراء مَسكنه، سيرى هذه المُدَّة تتضاعفُ إلى تسعينَ سنةٍ إنْ أراد المُحافظَة على قيمةِ السندِ ذاتها بالليرة اللبنانيّة. (ومعلومٌ، أنَّ النسبة الأكبر من الرواتب المحليّة هي بالليرة اللبنانية، أي لنْ يستطيعَ المقترضُ أبداً أن يضاعف قيمةَ قِسطِهِ الشهريّ للمصرف ثلاث مرّات!). أمّا الشركات فستضطَرُّ مرغمةً، لأن تضاعف أسعارها، ما يُدْخِل البلاد دوّامة تضخُّمٍ تصاعديّة، وتالياً في ركودٍ تضخّمي مُميت. أمّا الشركات المُصدِّرة فستتضاءل قدرتها التنافسيّة في الأسواق العالميّة، ولن يتوقف منافسون أجانب عن قَضْم الحِصَص السوقية للشركات اللبنانيّة في الخارج ما يُنضِب مصادرَ القطعِ النادرِ الشحيحِ أصلاً للأسف.
من الناحية الاقتصاديّة السلوكيّة البحتة (Behavioral Economics)، فإنّ تشجيع المصارف للمواطنين والشركات على الاقتراض ينبعُ من المبدأ الاقتصادي القائل بأنّ العملات المحليّة والأجنبيّة هي عملات ذات ذبذبة مُتَوقَّعة أي، بمعنى آخر، حين يتعاقد المواطن على قرض مصرفيّ لمدة ثلاثين عاماً، فإنّ المصرف والعميل يعتبران أن سعر صرف العملة الوطنية (أي مصدر سداد العميل) سيبقى نسبيّاً ثابتاً وأنّ العميل سيحافظ على إنتاجيّته أو على عملِه ما يقلِّل مشاكلَ تعذُّر السداد. هذان الشرطان تغيَّرا حاليّاً: فلا سعر صرف الليرة ثابت أو مُتوقَّع، ولا إنتاجيّة الاقتصاد، ولا الوظائف في حالٍ مقبول. وبالتالي، يجب إيجاد حلول ناجعة لا تؤذي طرفَي التعاقد: العميل والمصرف. في ما يلي بعض الحلول المُقترَحة لمُعضِلة القروض الخاصة في لبنان:
- بالنسبة إلى قروض الشركات، وأُسوةً بمعالجة الحفاظ على الودائع، يجب على المصارف المشارَكة برؤوس أموال الشركات بواسطة آليّة الـ bail in ذاتها، بحيث يكتتب المصرف بأسهم في الشركة المدينة بنسبة قيمة الديْن، أي يتحوّل المصرف إلى شريك في المؤسّسة المدينة. طبعاً، هذا الإجراء يتطلّب تشريعاً خاصاً من قِبل المركزي، إذ يتعذّر حاليّاً على المصارف الاستثمار بأسهم الشركات الخاصة في لبنان. أمّا إذا تعذّرَ السماح للمصارف بذلك بشكل مباشر، أقترحُ أن يُصار إلى تأسيس صندوق استثماري تملُكهُ المصارف، ويقوم الصندوق بعمليّة الاكتتاب تلك، مقابل نسبة مشاركة كلّ مصرفٍ برأس مال الصندوق. هذا الإجراء الأخير يتيح المجال للصندوق لتسنيد جزء من المطلوبات وتحويل الأسهم الباقية إلى مساهمة مباشرة قد تُربَط بمؤشِّر متحوّل يَسهُلُ تداولهُ، وبالتالي تَسييل بعض أسهمه لرسملة المصارف. من الطبيعي أن تقبَل المصارف بالمعاملة بالمِثل، فهي تطلبُ من مودعيها الاكتتاب بأسهم في المصرف بغية تخفيف التزاماتها تجاههم بواسطة الـbail in، فمن باب أولى أن تتعاطفَ هي أيضاً مع الشركات المدينة وتكتتبَ في أسهمها أيضاً، وهذا رأس العدل في المعاملة بالمِثل.
- بالنسبة إلى القروض الفرديّة أو قروض التجزئة، وخصوصاً تلك الممنوحة بالعملات الأجنبية والدولار (اليورو، والدرهم في بعض بطاقات الائتمان) فلا بُدَّ من الإجراءات التالية:
• القروض السكنيّة، وهي الأصعب، فمن الضروري جدّاً المحافظة على ثبات العائلة وتجذّرها في مسكنها من خلال تشريع الدولة للحسم المباشر على رأس المال بما يوازي الـ30%.
• مراجعة الفوائد المدفوعة من قِبل العميل وإعادتِها، وخاصّة في السنوات الخمسِ الأخيرة وتعديلها إلى نسبة منطقيّة توازي الأسواق العالميّة. ألمْ تَلحظ الخطّة الحكوميّة إرجاع الفوائد المدفوعة على الودائع إلى المصارف، ومنها إلى الدولة؟
• تحويل الباقي إلى الليرة اللبنانية بسعر صرفٍ تفضيليّ (يوازي سعر الصرف المُقدَّر بـ1507 إلى 1520 ليرة مقابل الدولار).
• إنشاء صندوق سيادي يشتري هذه القروض من المصارف بالدولار، ويسدّد لها قيمتها بالليرة اللبنانية على أساس سعر السوق وفق المنصّة الإلكترونية، أسوةً بالتعميمَين 547 و151 وغيرهما اللذين استفادت منهما المصارف لتخفيف حمولتها من ذمم على مصرف لبنان لديها. فمجدداً أليست المعاملة بالمثْل أعدل المعاملات وأقلَّها تعسُّفاً؟
• أما قروض الاستهلاك بالعملات الأجنبيّة، فلا تخضع لأيّ حسومات، بل لمراجعة نسبة الفوائد الماضية ويتم تسنيدها في صندوق مماثل، وذات آفاق زمنيّة أقصر، ويسدّدها مصرف لبنان للمصارف بذات الآليّة السابقة.
- القروض السكنيّة بالليرة اللبنانيّة المدعومة وغير المدعومة، فتخضع لمراجعة نسبة الفائدة إن لم تكن مدعومة، وتواصل الدولة دعمها بواسطة الاحتياط الإلزامي المودَع لديها من قِبل المصارف. أقترح أن يُنشِئ الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي صندوقاً خاصاً يشتري هذه القروض مقابل مطلوباته الكبيرة لدى المصارف وأن يديرها وفقاً لمؤشرٍ استثماريّ مربوط بعائدات استثماراته لأموال تعويض نهاية الخدمة. يمكن التوسّع لاحقاً في هذا الأمر في إطار الإشارة إلى أن أحد المصارف الخمسة المقترَحة في الخطة الحكوميّة، يجب أن يكون شراكة بين «الضمان» ومستثمرين من الخارج، ويكون متخصِّصاً حصريّاً بالتمويل السكني وبالليرة اللبنانيّة، أسوةً بأترابه في البلدان المتقدِّمة.
أدعو الحكومة ومستشاريها الماليين والاقتصاديين إلى أن «تكَفّي مَعروفها» مع المدينين بالليرة أو بالدولار من القطاع الخاص، وتشملهم جميعاً في خطّتها الاقتصادية. فقد أنصفت الخطة المصارفَ والمودعين والخزينة والاقتصاد والعملة الوطنيّة، إلا أنها أهملت الشركات والمواطنين المدينينَ وتُركوا لتتقاذفهم أمواج المصارف ورياح سعر الصرف.
أدعو الحكومة إلى إصدار ملحق إضافي بهذا الموضوع. فإنْ أرادت الحكومة في خطّتها، أن تستردَّ المال «الموهوب» (الخطّة ميّزت بين المال المنهوب وبين المال الموهوب عبر الفوائد) وعائدات الفوائد العالية من الودائع فسيعود إلى المدينين جزءاً من هذه الأموال، لأنهم جزءٌ من مصادرها، لأنّ قروض القطاع الخاص تساوي اليوم 41 مليار دولار، و30 تريليون ليرة (أي 20 مليار دولار على السعر الرسمي المسجَّل في دفاتر المصارف)، فَعاملوهم بالمِثْل.

* أستاذ جامعي ومستشار مالي