شكّلت الأيديولوجية المهيمنة، واقعنا الحالي المربك، من خلال النزعات الفردية المتضخّمة وسياسات الهوية المنغلقة على الذات، مشوّهةً بذلك الطبيعة الاجتماعية لعملية الإنتاج، فضلاً عن أثرها في تشويه جوهر عالمية الحضارة الإنسانية، أي كونية المعرفة والعملية السياسية التي تعدّ المحرّك الأساس للتنمية الاجتماعية.

إنّ توسّع الظواهر والكتل الثقافية، هي ذات منشأ إمبريالي، وبالإضافة إلى هذه الهويّات الخيالية العابرة للزمن، فإنّ هذا التوسّع هو بمثابة عوامل تلبّي المتطلبات الإمبريالية في التخلّف المزمن والحرمان من التنمية الثقافية السليمة، ولا سيما نزع الهوية والذات الحقيقيتين.
ومع العلاقة المترابطة والمتداخلة بين السطوة العسكرية للقواعد الإمبريالية ومدى هيمنة الناتو، تعمل الكتل الثقافية الموالية للإمبريالية بشكل متلازمٍ على زعزعة الأمن وإنهاء سيادة الأمم المستهدفة، كما عبّر عنها برزيجنسكي بصراحةٍ، واصفاً الصورة المتخيّلة للنموذج الثقافي الأميركي بالسلاح في مواجهة الاشتراكية.
تحرص الإمبريالية على تحجيم البنى التحتية الاجتماعية لبناء وإنتاج المعرفة، وعلى تعزيز خصخصة الأفكار كنقيض لمشاعيتها. بالإضافة إلى منع التنمية في المناطق النائية وتحفيز التعليم النقدي، والأهم من ذلك، التعتيم المهول على المواضيع المتعلقة بالتاريخ والطبقات.
كان انتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة انتصاراً لعملية تعتيمٍ منظمة، وفرضٍ قصري للفردانية على الكائن الاجتماعي، فضلاً عن زيادة اغتراب الأخير عن الوعي المجتمعي ككل، وذلك عبر عزله عن وسائل الإنتاج والمكوّن التكنولوجي لها. ادّعى كثيرون أن نهاية الحرب الباردة شكلت انتصاراً للديمقراطية الغربية، وليس للطبقة المالية العالمية، ليُطرح القليل من الأسئلة المشكّكة بالديمقراطية كشكل من أشكال ممارسة الهيمنة الطبقية.

داريو كاستيليخوس ــ المكسيك

يُعتقد أنّ الاقتصادات المركزية المسيطر عليها من قبل العمال، من خلال التحكم بأجهزة الدولة، قد فشلت. وكنتيجة طبيعية، حقّق الاقتصاد المدفوع بآلية الأسعار والذي يعدّ الأكثر ذكاءً وفعاليةً ومهارة انتصاراً ساحقاً. الأسوأ من ذلك كله هو تلك الفكرة المعمّمة التي تفيد بأن التاريخ يمثّل لعبة شطرنج عملاقة، فتغادر الأحجار الخاسرة، اللعبة في لحظة زمنية معيّنة. إنّما في الواقع، لقد فاز أحدهم. لكنّ الطبقة الاجتماعية ورأس المال، كجزء من أحجار اللعبة، لم يغادرا بعد. فرأس المال والطبقة المهيمنة يشكّلان ثقل التاريخ من أجل أن تستمر نفس العلاقة القديمة الممتدة من القرن السادس عشر، قوّة عدوانية لا تعرف الكلل تعمل على تحطيم جدران جميع الكيانات الأقل تطوّراً، وتنمو لتمزّق روح الناس بحدّ ذاتها، وتنهب مواردهم وثرواتهم، والأدهى من ذلك كلّه، تعزل الناس عن ذواتهم ككائنات اجتماعية.
أعادت حقبة ما بعد الحرب الباردة السطوة لحكم السلع، مع انعدام وجود مناطق خارج هذه السطوة. وبسبب غياب البدائل الاشتراكية والافتقار لنموذجٍ ناجح يمثّل خياراً بديلاً على غرار النموذج الصيني، انزلق الوعي الجماهيري إلى حالة من الانهزامية.
إن إشهار شعار رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر «لا يوجد بديل» في إشارتها إلى الرأسمالية، مستمدّ من رأس المال كنظام يتقن تمكين اغتراب الإنسان على نطاق كوني، وخصوصاً كما يعبّر الفيلسوف الهينغاري ستيفان ميساروس (1970) [نوقش عبر جون فوستر (2014)]: «إن دور الرأسمالية كنظام يعمل وسيطاً بين علاقة الإنسان بالطبيعة، ويعمل على تحويل وتطويع هذه العلاقة الجوهرية كأداة قهر طبقية، وذلك عبر نزع سيطرة العمال على وسائل الإنتاج، وبالتالي قطع علاقتهم المباشرة بالطبيعة وبعملهم». وفي ما يتعلّق بالعلاقة مع الطبيعة، يشير فوستر لميساروس كواحد من أوائل المنظّرين الاجتماعيين الرئيسيين الذين بيّنوا أن العلاقة بين النظام الرأسمالي والتدمير الإيكولوجي هي في طليعة التناقضات المحفّزة للنظام - قبل دراسة نادي روما الشهيرة لعام 1972 حول حدود النمو - يعيد فوستر الاعتبار لملاحظات ميساروس حول النمط الأميركي للاستهلاك المكثّف، مشيراً إلى استحالة تعميمه على الكوكب - ليس نظراً إلى واقع عمل الإمبريالية فحسب - بل لأن تعميم هذا النمط من الاستهلاك عالمياً يستنفد الموارد البيئية لكوكبنا مرات عدّة قبل انقضاء القرن.
لاحظ فيدريك إنجلز، أن فكرة إزالة وتجريف الغابات والخزانات المائية تؤدي إلى ظروف بائسة، فالطبيعة تثأئر في النهاية والانتقام: «في كل خطوة نخطوها علينا أن نتذكر بأننا لا نتحكّم بأيّ شكل من الأشكال في الطبيعة، أو بأننا نسيطر عليها، كالغزاة على شعب آخر، أو ككيان يقف خارجها، ففي الأخير نحن كجسد ودم ودماغ ننتمي إلى الطبيعة» (1876). هذه الوحدة بين الإنسان والطبيعة هي «الطبيعة الاجتماعية» للبشر التي تستهدفها الرأسمالية عبر الاستهلاك، فتقوّض الطبيعة وتعمل على تسليع وتشييء العمل البشري. إن تآكل غاية العمل البشري هو جوهر ديناميكيات العمل في ظل الرأسمالية لأن وقت ومدّة العمل الضرورية لتسيير المجتمع، تتحوّل إلى مجرد عملية إنتاج لفائض القيمة بأكبر قدر ممكن.
ومن منظور رأس المال، هناك عدد قليل من الوسائل المتاحة لإزالة الغابات من دون تجريف القبائل الأصليّة التي تعيش فيها، لأن عملية استئصال وإزالة السكان بمثابة «فرن» ضخم لإنتاج فائض القيمة، وهي تجسيد لجوهر عملية الإنتاج الذي يتشارك فيه الإنسان والطبيعة في عملية أيض عملاقة تقصّر العمر الافتراضي للكثيرين.
وما حروب العدوان الإمبريالي إلّا عملية تكرار مضخّمة لعملية تجريف السكان الأصليين من الغابات، وبدرجات متفاوتة من العنف مرهونةً بحسابات موازين القوى ودماثة السلع في تمكينها من سلطة رأس المال وتقليص تناقضات منظومته.
المسألة هنا لا علاقة لها بحقيقة جنوح النظام نحو نقل التناقضات الأساسية إلى مستوى وسيط من تناقضات الدرجة الثانية، بل تكمن في تحديد الأولويات. فهناك دائماً استعراض للشفقة في المركز الرأسمالي للمناطق القبلية في الغابات، لكن حجر الزاوية في النضال يكمن في إيقاف وسدّ قنوات تحويل فائض القيمة إلى المركز، والتي تعزّز الفوقية الأوروبية. وهنا، لا أقصد بالفوقية الأوروبية التيارات الفاشية الأوروبية، بل أعني أمثال ليوبولد الثاني في بلجيكا وكلّ الليبراليين الآخرين الذين وصلوا إلى السلطة في أوروبا عبر شنّ حروبٍ إمبريالية.
يجب أن تسمو مطالب تكافؤ شروط الإنتاج وتوليده على جميع مطالب الطبقة العاملة لتحسين أوضاعها داخل مجال تداول وتدوير فائض القيمة. فالنشاط النقابي يعيد تدوير أجور إضافية لعمال وجنود الإمبراطورية على هيئة ريع. هذا ما يوسّع الفجوة بين طبقة العمال العالمية، بدلاً من تقليصها. إن ما يقصده ماركس بـ«المكوّن الأخلاقي لارتفاع الأجور» لا يعني أن المكون الأخلاقي هو رافعة لمستوى الأجور الأعلى في دول الشمال العالمي، إذ بالنسبة إليه ليست الأخلاق والأخلاقيات في ظلّ رأس المال إلّا أمور محصورة بالطبقات المنتفعة من الربح. وإن اختار أحد أفرادها رفع الأجور بدافعٍ أخلاقي في زاوية ما، فهذا يعني حتمية زيادة البؤس في زاوية أخرى.
إن تآكلَ غاية العمل البشري هو جوهر ديناميكيات العمل في ظلّ الرأسمالية لأنّ وقت ومدّة العمل الضرورية لتسيير المجتمع تتحوّل إلى مجرّد عملية إنتاج لفائض القيمة بأكبر قدر ممكن


تقوم ظاهرة إيلاء قضايا كتجريف الغابات أولويةً وجعلها في الواجهة، مع إضفاء طابعٍ استعراضي لها مقابل تحييد قضايا القصف الإمبريالي باليورانيوم المنضب واستراتيجيات الأرض المحروقة وجعلها في الخلفية، على فرضية أن إصلاحات دول الرفاه الاجتماعي لصالح الطبقة العاملة في المركز سيحفّز الثورة بدلاً من تثبيطها، ويدفع بالطبقة العاملة في المركز إلى التقهقر والتمترس خلف المشاريع الإمبريالية. ويعدّ ذلك تجاوزاً لحقيقة أنه، كما في حكم البيض لجنوب أفريقيا، يستحيل تفكيك الطبقة البيضاء الأوروبية التي تعتاش على خراب العالم النامي والعدوان الإمبريالي، من دون قلب موازين ضدّ بنية وهيكل المركز الرأسمالي ككل.
في ظلّ هذه المرحلة الأكثر عدوانية لهجمة رأس المال، فإنّ الشريحة الأولى من التناقضات الناشئة من بين جملة تناقضات العمال ورأس المال، هي تلك التناقضات بين الإمبريالي والمعتدى عليه إمبريالياً. وتتحقّق أوضح تناقضات هذه الصور أثناء الحروب.
وبمعزل عن الحلقة المفرغة الناشئة من شريحة التناقضات الثانوية، كالأسرة النووية على سبيل المثال، فإنّ الشريحة الأولى هي التي تحافظ على ديمومة وتماسك المنظومة الرأسمالية من خلال حالة الوعي التي يُعيد رأس المال إنتاجها، إذ تذعن الطبقة العمالية في المركز لواقع تملّك السلاح النووي والحروب العدوانية على العالم الثالث.
لم تنشأ حالة الوعي هذه من حسابات ذهنية بشكل فردي، بل هي نابعة من المصالح التي تكتسبها الطبقة العاملة في المركز عبر نصيبها من الريع الإمبريالي، ومن خلال حصّتها المادية الناتجة عن نمط الإنتاج في المركز، والذي يشكل نموّه واطراده تناسباً عكسياً مع نسبة سيادة وتملّك العالم النامي لوسائل إنتاجه.

* مفكر وأحد كبار أساتذة الجامعة الوطنية في سنغافورة ومعهد لندن للاقتصاد. من أبرز مؤلفاته «تفكيك الاشتراكية العربية» و«الحزام الواقي: قانون واحد يحكم التنمية في شرق آسيا والعالم العربي» و«التنمية الممنوعة».
- تعريب موسى السادة

* مختارات من ورقة عمل أعدّها الكاتب وتنشر في ملحق رأس المال على حلقات