بعدما خرج الدين العام عن السيطرة، يجب خفضه بشكل ملحوظ كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، وبالقيمة المطلقة في ضوء الركود الاقتصادي، والأسوأ منه، الانكماش. فنظراً إلى المستوى الحالي للمديونية مقارنة بالإنتاج الاقتصادي، لا يمكن وضع الدين على طريق مستدام من دون إصلاحات جذريّة في السياسات العامة بالتوازي مع جهد ضخم على صعيد المالية العامة. وقد يكون ذلك غير ممكن من أجل توليد فوائض أولية كبيرة في الموازنة تبلغ 5% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً على مدى السنوات العشرين المقبلة.

لقد تشكّل إجماع عام على أن إعادة الهيكلة أمرٌ حتمي لمعالجة الديون الهائلة المتراكمة. (تنطوي إعادة الهيكلة على: إعادة الجدولة أي تأجيل الأقساط، خفض مدفوعات الفائدة، والأكثر تأثيراً، خفض قيمة المبالغ الأساسية المستحقّة). من الناحية القانونية، يُعتبر الفشل أو التأخُّر في سداد أصل الدين أو الفائدة على أنه تخلّف عن السداد. التوقف عن دفع استحقاق واحد يُطلق عملية شاملة في التخلّف عن السداد وتُعتَبر جميع الديون مُستحَقَّة فوراً. سوف يُترجم التخلّف عن السداد بطريقة تلقائية إلى خفض التصنيف السيادي للبنان إلى أدنى مستوى، ويعيق قدرة لبنان لفترة طويلة على ولوج أسواق الاستدانة الدولية إلّا بكلفة هائلة، وحتى هذا قد لن يكون مُتاحاً.
إعادة هيكلة الديون ليست عملية بسيطة، إلّا أن حالة لبنان قد تستدعي مقاربة خاصة نظراً إلى مسألتين:
- من إجمالي دين الخزينة البالغ 90 مليار دولار أميركي، الثلث فقط مقوّم بالعملة الأجنبية، و12% فقط مملوكة من الدائنين الأجانب، مقابل 88% من الجهات المحلية (البنك المركزي، المصارف التجارية، الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، مؤسسة ضمان الودائع). يستلزم هذا التوزيع معالجات مختلفة بين الديون بالعملة المحلية والأجنبية، كما بين الدائنين المحلِّيين والأجانب، إذ أن تسوية الديون بالليرة، ورغم أهميتها، تأتي في المرتبة الثانية ويمكن معالجتها بشكل منفصل لا سيما مع انخفاض قيمة الليرة.
- التركّز الكبير للودائع في النظام المصرفي؛ 50% من إجمالي الودائع، أو ما يعادل 86 مليار دولار، مملوكة من 1% فقط من الحسابات – سنطلق عليها اسم «الصفّ الأول». كذلك، فقد بات من المسلّم به أن خفض الدين سيؤثر حتماً على ميزانيات المصارف من خلال شطب حقوق المساهمين والمودعين («قص الشعر»).

أنجل بوليغان ــ المكسيك

يُظهِر هذان العاملان مجتمعَين، أنه يمكن مقاربة مسألة الدين عبر خطَّيْن متوازيَين، يُعالج الأول الديون بالعملة الأجنبية البالغة 32 مليار دولار، ونصفها، أي 16 مليار دولار، محمول من المصارف التجارية المحلية. ولكي يكون أيّ تدبير لإعادة الهيكلة مُنصفاً ومقبولاً اجتماعياً، يجب أن يتحمّل أعباءه أولاً الأثرياء، أي الحسابات الكبرى. لذا قد ترى السلطات اللبنانية شطب سندات يوروبوندز بقيمة 16 مليار دولار من ميزانية المصارف المجمعة عبر شطب ودائع مساوية من حسابات «الصفّ الأول» البالغة قيمتها 86 مليار دولار. وسيتم هذا الأمر، من الناحية القانونية، عبر ضريبة «تضامن وطني» بمعدّل 20% تُجبى لمرة واحدة على حسابات «الصفّ الأول»؛ ويمكن أن ينصّ الإجراء القانوني أيضاً على تعويض مستقبلي للمودعين على شكل أسهم في المصارف، على سبيل المثال.
هذا الإجراء الضريبي في سياق برنامج تسوية الديون، لا يعتبر تخلّفاً عن السداد، لأن لكلّ دولة السيادة المطلقة على سياستها المالية، ويمكن لها أن تغيّر قانون الضرائب الخاص بها حين وكيفما تشاء. من خلال هذا الإجراء الجريء ضمن حزمة إعادة هيكلة الديون، ستُظهر السلطات اللبنانية تصميمها على معالجة مشكلة الديون، ما يسهم في تعزيز موقفها في مفاوضات إعادة الهيكلة مع حاملي الديون الخارجية.
قد يمكن الاعتراض بأن هذا النهج المالي مُتَسَرّع وغير منصف لأنه يبدأ بمعاقبة المودعين بينما يبرئ أصحاب المصارف، أي حملة الأسهم الذين يجب أن يتحمّلوا الخسارة الأولى في أيّ مخطّط تسوية الديون. لكن رغم أن الضريبة المقترحة على الودائع تُعفي المصارف مرحلياً من خسائر إضافية في رؤوس أموالها المتآكلة أصلاً، إلّا أنها لا تمنع ولا يجب أن تمنع أن يطال الأمر المساهمين عند إعادة هيكلة الديون بالليرة.
من المهمّ ألا تُصمّم ضريبة التضامن المقترحة، وألا يُنظر إليها على أنها عمل انتقامي ضد الأثرياء، لأن لعمل كهذا آثار سلبية قد تؤدّي إلى خروجهم من الاقتصاد الوطني. وتفادياً لذلك، يجب قياس الوقع الحقيقي لهذه الضريبة المقترحة على «الصفّ الأول» من المودعين. إحدى طرق القيام بذلك، هي عبر مقارنة عوائد الودائع المصرفية في لبنان مع العوائد في الأسواق الخارجية في الفترة نفسها. وتوضح المقارنة أن الخسارة الاقتصادية الحقيقية لـ«الصَفّ الأول» نتيجة الضريبة المقترَحة أقلّ من الأرباح الجذابة التي جناها هذا الصفّ على إيداعاته جرّاء الفوائد المرتفعة في المصارف اللبنانية.
الخسارة الحقيقية لـ«الصَفّ الأول» نتيجة الضريبة المقترَحة أقلّ من أرباح الإيداعاته جرّاء الفوائد المرتفعة في المصارف


فلنأخُذ في الاعتبار فترة الأربع سنوات الماضية ابتداء من عام 2016 عندما أطلق البنك المركزي الهندسات المالية رافعاً أسعار الفائدة، ما يشير إلى زيادة منسوب التوتر والمخاطر في السوق المالية المحلية. فالمودعون الكبار الذين اختاروا الاحتفاظ بأموالهم في المصارف اللبنانية، قد فعلوا ذلك وهم على بيِّنة من واقع الأسواق آخذين في الاعتبار مستوى العوائد نسبةً إلى المخاطر. فقد حصلوا خلال هذه الفترة على عائد نسبته 31% (على افتراض معدل فائدة مركب يبلغ 7% سنوياً). هذا يعني أن ودائع «الصَفّ الأول» البالغة حالياً 86 مليار دولار، كانت لا تتعدّى 66 مليار دولار (86 مقسومة على 1.31) في عام 2016. بذلك، فإنّهم حقّقوا أرباحاً بقيمة 20 مليار دولار على مدى السنوات الأربع. أما المستثمرون الذين حوّلوا أموالهم إلى أسواق أكثر أماناً (الولايات المتحدة أو أوروبا) فقد حقّقوا أرباحاً بمعدل 1.5% سنوياً أو ما يوازي 4 مليارات دولار على المبلغ الأصلي البالغ 66 مليار دولار. وبالتالي، فإن «اقتطاع» الدولة مبلغ 16 مليار دولار من أصل 20 مليار دولار حصل عليها «الصَفّ الأول» خلال هذه الفترة، سيترك لهم أرباحاً بقيمة 4 مليارات دولار – ما يُبْقيهم على قدم المساواة مع ما جناه المستثمرون الذين قَرَّروا الهروب من المخاطر المرتفعة في لبنان، وكانوا بذلك على صواب. أضف إلى ذلك أن ودائع هذه «المجموعة الذهبية»، مثلها مثل جميع الودائع في النظام المصرفي للبلاد، تم احتجازها بأيّ حال من الأحوال. وبالتالي فإنّ «الاستيلاء» على المكاسب «الدفترية» المتراكمة على الحسابات «الافتراضية» لا يمكن اعتباره بمثابة اقتطاع حقيقي من الثروة.