صبيحة اليوم الذي تلا القرار العاصف للنائب العام المالي بمنع التصرف بموجودات المصارف، صدرت جريدة "الأخبار" بعنوان رئيسي على صفحتها الأولى: "دولة المصارف تنتصر". من يعرف تاريخ النظام المصرفي اللبناني جيّداً لا يُفاجأ بوقوع أزمات جدّية متقطّعة بينه وبين النظام السياسي، رغم ما يجمعهما من مصالح، لكن لا يمكن التسليم بسهولة بأن النصر يمكن أن يكون حليفاً للمصارف في وجه النظام.

في مرحلة مبكّرة من فترة الشباب، وبتأثير الثقافة اليسارية التي انتشرت في سبعينات القرن الماضي، رسخ في أذهاننا أن الحكم في لبنان هو "للطغمة المالية". المقصود بهذه الفئة من الرأسماليين هي طبقة التجار والمصرفيين والوسطاء الذين يجنون الثروات الطائلة من خلال أعمال الوساطة وخارج إطار الإنتاج الحقيقي. كذلك رسخ أن الطبقة السياسية، الممسكة بالسلطة، هي أداة في يد الطغمة المالية، مهمّتها خدمة هذه الأخيرة ورعاية مصالحها والسهر على حماية نشاطها المالي والتجاري، وأن الطبقتين السياسية والتجارية ــ المالية هما فئة واحدة وجسمٌ واحدٌ يمسك بخناق الشعب ويقتات من لحمه ودمه.
مع الوقت عرفنا بأن هاتين الفئتين هما فرعان للنظام نفسه، إلا أنهما هيئتان قد تتمايزان لجهة طبيعتهما ودورهما ونسبة نفوذ كل منهما في النظام. الواحدة منهما مفيدةٌ للأخرى، فالفرع المالي يدير النظام الاقتصادي الذي يؤمّن للفرع السياسي الموارد المالية الضرورية له و"لدولته". ومن واجبات الفرع السياسي، في المقابل، تأمين الشروط الحيوية لنشاط النظام المالي والتجاري بقوّة التشريع والتنظيم، وبالقوّة الأمنية عند الاقتضاء.
تبادل المنافع تجلّى بأوضح صوره في ظل أزمة المالية العامّة، ولا سيما في ربع القرن الأخير. أمّنت المصارف للنظام السياسي تمويلاً سخيّاً وبلا سقوف ما أتاح لمكوّناته ممارسة الهدر والفساد والزبائنية من دون تحفّظ، لقاء معدّلات لا مثيل لها من الأرباح والفوائد لمساهمي المصارف وكبار المودعين فيها.
وعندما اقتضت مصلحة النظام أن تعيد المصارف بعضاً من الأرباح التي كدّستها، لكي ترفع عن كاهل الدولة "وصمة" إعلان الإفلاس أمام الأسواق الخارجية، تلكّأت المصارف، فكانت المعركة الأخيرة التي مثّل القضاء المالي فيها جانب النظام. هذه المعركة اعتبرت "الأخبار" أن نتيجتها كانت انتصاراً للمصارف، وهو أمرٌ يحتاج إلى نقاش.
أن تنتصر المصارف على النظام هو أمرٌ غريب، وغير معتاد في تاريخ لبنان المصرفي. فالنظام يملك القوّة السياسية والقانونية والقضائية التي تجعله متفوّقاً في أي معركة مع الفرع المالي ــ التجاري. هذا ما تظهره القراءة السريعة لبعض المحطّات في التاريخ المالي للبنان.
المعركة الأولى بين الطرفين وقعت سنة 1963، عندما كلّف الرئيس فؤاد شهاب المصرفي القدير جوزف أوغورليان ليضع مشروع قانون النقد والتسليف. وكان هذا القانون في نظر شهاب أحد الأعمدة الرئيسية في مشروعه الإصلاحي الشامل، وهو يهدف إلى تأسيس مصرف لبنان كسلطة مسؤولة عن شؤون النقد، وكذلك إلى وضع شروط حديثة وصارمة لنشاط المصارف العاملة في لبنان، التي كانت تعيش قبل تلك الفترة مرحلة من الفوضى الكاملة.
ورد في الكتاب الذي وضعتُه سنة 2000 مع الدكتور جورج عشّي بعنوان "تاريخ المصارف في لبنان"، أن الخبير Kessing الذي انتدبه صندوق النقد الدولي ليكون بتصرّف الحكومة اللبنانية "استهلّ تقريره بالإشارة إلى أن التنظيم النقدي والمصرفي في لبنان متأخّر عن الواقع ثلاثين سنة، فهو يلبّي الاحتياجات التي كانت قائمة سنة 1920، ولا يستجيب لمتطلّبات التطوّر الحديث". من جهته، ذهب جوزف أوغورليان إلى أبعد من ذلك، فقد كتب سنة 1956: "تصوّروا النظام الاقتصادي لبريطانيا وفرنسا قبل حرب 1914 فتتعرّفوا إلى جوهر الاقتصاد اللبناني ومؤسّساته الحالية".
جمعية مصارف لبنان الحديثة النشأة وقتذاك، رفضت مشروع أوغورليان، رفضاً حاسماً. اعتبر المصرفيون اللبنانيون أن إخضاع المصارف اللبنانية لشروط صارمة في ممارسة المهنة المصرفية يجعلها غير قادرة على منافسة المصارف الأجنبية العاملة في لبنان، لأن العامل الذي يتيح للمصارف اللبنانية أن تستمرّ وتحقّق الأرباح، هو قدرتها على ممارسة الحريّة الواسعة والخروج على الأصول.
اقترحت الجمعية أن يقتصر قانون النقد والتسليف على الجزء المتعلّق بتأسيس المصرف المركزي وتنظيم النقد، مقترحة تأجيل التنظيم المصرفي إلى وقت آخر، وهدّدت باللجوء إلى الإضراب إذا أصرّت الدولة على هذا التنظيم وقوننته. لكن الرئيس فؤاد شهاب، بنظرته الإصلاحية وإصراره، جابه جمعية المصارف وبقي عند موقفه، "فانتصر على المصارف" وأصدر قانون النقد والتسليف في آب من سنة 1963.
استغلّت الدولة في عهد الرئيس شارل حلو أزمة بنك انترا، فأصدرت قوانين جديدة تعزّز المنحى التنظيمي للنشاط المصرفي، غير عابئة برغبات الأسرة المصرفية ممثّلة بجمعية المصارف. ومن أبرز التعديلات التي أقرّت آنذاك إنشاء لجنة الرقابة على المصارف، التي كانت في النصّ الأساسي لقانون النقد والتسليف مجرد دائرة من دوائر مصرف لبنان وتابعة له. فأصبحت بعد التعديلات المشار إليها هيئة تمارس عملها باستقلال عن الحاكم والمجلس المركزي، وتراقب أدقّ العمليات التي تمارسها كل المؤسّسات المصرفية.
مصرف لبنان ليس مصرفاً تجارياً ولا هو شخصاً من أشخاص القانون الخاصّ، مع ذلك فهو بحكم القانون مستقلّ عن الدولة ويشكل جزءاً من النظام المصرفي، إلى جانب المصارف التجارية.

لا يجوز لمصرف لبنان إقراض القطاع العام إلا في حدود ضيّقة وفي ظروف استثنائية بالغة الخطورة


حظّر قانون النقد والتسليف على مصرف لبنان إقراض الدولة، لأن تمويله التضخّمي للقطاع العام هو من أكبر مصادر التضخّم في الاقتصاد، ويهدّد سلامة النقد ويزعزع استقرار الأسعار. ولا يجوز لمصرف لبنان إقراض القطاع العام إلا في حدود ضيّقة وفي ظروف استثنائية بالغة الخطورة.
لكن الدولة التي فقدت سيطرتها على مواردها بعد حرب سنة 1975 واجهت عجزاً كبيراً ومستمرّاً في موازناتها السنوية، فاعتبرت الاقتراض من مصرف لبنان لتمويل عجزها المالي مورداً مشروعاً تلجأ إليه من دون التقيّد بأي شروط، بحكم الظروف الاستثنائية التي كانت سائدة في البلاد. كبرت قروض مصرف لبنان للدولة بموازاة تعاظم التضخّم وهبوط القيمة الداخلية والخارجية لليرة اللبنانية.
قرّر حاكم مصرف لبنان وقتها، المرحوم ادمون نعيم، وقف ممارسات الدولة وإجبارها على تحسين جباية مواردها الضريبية وضبط نفقاتها، فأخذ يضع العراقيل أمام اعتمادها على تمويل مصرف لبنان. فكان أحياناً يوافق على طلبات التمويل وأحياناً أخرى يصعّبها. وفي سنة 1992 وصل به موقفه هذا إلى رفض عدّة طلبات للتمويل واردة من الوزارات والإدارات العامّة، مستنداً إلى الاستقلالية الواسعة التي خصّ بها مصرف لبنان المركزي قانون النقد والتسليف.
كان نعيم يقرأ على مسمع من الحكومة مواد قانون النقد والتسليف التي تحظّر إقراض القطاع العام وتلك التي تحفظ استقلال المصرف المركزي. لكن الحكومة لم تكن تعير القانون أي اعتبار، ولم تعترف بالتعويذات القانونية التي كان يكرّرها الحاكم نعيم. وعندما ضاقت حكومة الطائف الأولى ذرعاً بمواقف مصرف لبنان الاستقلالية، أرسل وزير الداخلية قوّة مسلّحة لجلب الحاكم إلى مكتبه بالقوّة. رفض الحاكم الامتثال للقوّة غير الشرعية والذهاب مع المسلحين إلى مكتب الوزير فتعرّض للاعتداء الجسدي ومحاولة خطفه بالقوّة.
أمام هذه الحادثة اتّحد معظم السياسيين وراء وزير الداخلية ورفضوا مطلب استقالته عقاباً له على محاولة خطف الحاكم. وحدة النظام السياسي أدّت إلى إلحاق هزيمة نكراء بمصرف لبنان الذي بات بعد ذلك، وحتى اليوم، لا يرفض أي طلب للتمويل وارد من القطاع العام.
لم تشهد علاقة مصرف لبنان مع الدولة في عهد الحاكم رياض سلامة أي إشكالات من هذا النوع، لأن سياسة مصرف لبنان طيلة عهد سلامة تقوم على خدمة أهداف الدولة، ولا سيما تمويل الخزينة وتثبيت سعر الصرف. كما استتبت العلاقة بين الحكومة والمصارف لأن وزارة المال اشترت "إذعان المصارف" لرغباتها بسياسة الفوائد السخيّة على أدوات الدين العام. وعندما كانت المصارف تتململ وتتلكّأ حيال الاكتتاب في أي إصدار، سواء بسبب الاختلاف على معدّل الفائدة أو بسبب تعاظم محفظة المصارف في سندات الخزينة، كان مصرف لبنان يدخل وسيطاً بين الطرفين محمّلاً بالحوافز السخيّة والعطايا.
منذ صدور قانون النقد والتسليف، مروراً بمرحلة الحرب وعلى امتداد فترة "السلم الأهلي" لم تكسب المصارف أو مصرف لبنان أي معركة مع الدولة. وعند وقوع معركة بينهما كان الانتصار حليف الدولة والهزيمة قدر المصارف ومصرف لبنان.
فهل تغيّر مجرى التاريخ حقّاً وانتصرت المصارف على الدولة عندما جمّد قرار النائب العام المالي بالتحفّظ على أصول المصارف؟ على الأرجح أن التاريخ لم يتغيّر، ولم تتبدّل موازين القوى بين الطرفين. إلا أن معركة النائب العام المالي مع المصارف تميّزت بثغرات منعتها من تحقيق "انتصار" على المصارف العشرين.
يمكن اختصار ثغرات القرار القضائي في هذه العجالة بثلاثة عناصر: الأوّل أن النظام السياسي لم يكن موحّداً في المعركة الأخيرة ضد المصارف، والثاني أن القرار اتهم المصارف بأمور ثانوية أو بأعمال لا يمنعها القانون، وتغاضى عن الأخطاء الأخرى، والثالث أنه انتقى تعسّفاً خطايا المصارف من بين كل الخطايا في البلد.