في الأشهر الماضية ازداد الحديث عن الدولرة في الاقتصاد اللبناني، وعن تأثير ذلك على الاقتصاد الكليّ. ومع شحّ الدولارات في السوق الماليّة المحلية، بدأت التبعات تظهر على أسعار السلع والخدمات، خصوصاً أنّ الأسواق لا تشهد ارتفاعاً لأسعار السلع والخدمات فقط، بل بعضها بدأ يُفقد من الأسواق في ظلّ الحصار الائتمانيّ الذي تفرضه المصارف على عمليات الاستيراد والمدفوع بنقص الدولارات في النظام المالي برمّته.

ما هو وضعنا اليوم؟ هل هناك سبيل للخروج من هذه الحالة؟ كيف يمكن أن تتعامل السلطات الماليّة والاقتصادية مع أزمة الأسعار وضمان تأمين السلع والخدمات في الأسواق؟

الدولرة غير الرسمية في لبنان: طريق اللاعودة
يعرّف توماس بالينو، في بحثه «السياسة النقدية في الاقتصادات المدولرة»، الدول ذات الدولرة العالية، بأنها تلك التي تزيد نسبة «استبدال العملة» (الدولرة في حال استعمال الدولار) فيها عن 30%. وفقاً لهذا التعريف، يمكن تصنيف لبنان على أنه اقتصاد مدولر «بدرجة عالية جداً»، فحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، أعلن في مطله هذه السنة أن نسبة الدولرة في الاقتصاد اللبناني بلغت 65% (فيتش قالت في تقريرها الأخير إن دولرة الودائع بلغت 73%). وهذا الأمر، يعقّد القرارات المتعلّقة بالاقتصاد الكلي.
ما يشهده لبنان هو دولرة غير رسمية. فالدولرة الرسمية تحتاج إلى إعلان السلطات النقدية تبنّي الدولار كعملة رسميّة. يشرح إدغار فييج ومايكل فاولاند وفيليمير سونجه وفيدران سوسيتش في بحثهم «الدولرة غير الرسمية في أمريكا اللاتينيّة»، أن الدولرة غير الرسمية تكون، عادة، ردّة فعل على التضخّم المفرط. ففي ظلّ حصول التضخّم المفرط، تصبح العملة الأجنبية وحدة حساب وتخزين للقيمة بداية، ثمّ تتحوّل لاحقاً إلى وسيلة تداول. ويشرح فييج أنه في الاقتصاد المدولر بشكل غير رسمي، تُحتسب نسبة الدولرة غير الرسمية كمجموع العملة الأجنبية النقدية المتداولة خارج النظام المصرفي والودائع بالعملات الأجنبية المودعة لدى المصارف المحليّة مقسوم على «المال الواسع الفعّال» (Effective Broad Money) المكوّن من كمية النقد المحلي المتداولة خارج النظام المصرفي، وكمية النقد الأجنبي المتداولة خارج النظام المصرفي، ومن الودائع الجارية، والودائع بالعملات الأجنبية المودعة لدى المصارف المحلية، ومن الودائع الادّخاريّة بالعملة المحليّة.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

في بحثها «تأثير الدولرة على الفعاليّة النقدية في لبنان: التفاعل بين الدولرة والتضخم» تشرح لطيفة غلاييني، أنّ الاقتصاد اللبناني مرّ بالتضخّم المفرط في بداية التسعينيات، ثم أصبحت الدولرة منتشرة على نطاق واسع مع سعي الجمهور لعزل نفسه عن كلفة الاحتفاظ بأصوله بالعملة المحلية عبر استبدالها بأصول أخرى بالعملة الأجنبية (الدولار). ولكن، رغم خفض التضخّم، منذ اتّخاذ قرار تثبيت سعر صرف الليرة/ دولار في عام 1993، ووصل إلى مستويات منخفضة نسبياً، إلّا أنّ نسبة الدولرة لم تنخفض في العقد الذي تلى.
ويجيب فييج عن هذه المعضلة عبر شرح عملية الدولرة ودوافعها بشكل تفصيليّ أكثر. التضخم المفرط وانخفاض سعر الصرف الحاد، يؤدّيان إلى تحفيز الأفراد على الهرب من العملة المحليّة الضعيفة والسعي إلى الاستحصال على العملات الأقوى. بدايةً تكون عملية التحويل هذه بدافع استبدال الأصول لتجنّب دفع كلفة انخفاض تخزين القيمة بالعملة المحليّة. وبما أنّ العملة تمثّل وسيلة مهمة للتبادل أيضاً، يعتمد مدى «استبدال العملة» على الكلفة النسبية للاستبدال بين العملتَين الأجنبية والمحلية. وعندها من المرجّح أن يستعين الأفراد والكيانات بالعملة الأجنبية التي يتم تداولها كوسيط للتبادل في الاقتصاد المحلّي من قِبل أفراد وكيانات أخرى. وعندما يؤدّي الانخفاض الحادّ لسعر الصرف إلى ظهور الدولرة غير الرسمية، تزيد المكافآت الناتجة عن الاحتفاظ بالعملة الأقوى. وتتحوّل كلفة العودة إلى العملة المحليّة إلى رادع يمنع ذلك التحوّل، حتى بعد نجاح جهود السيطرة على التضخم وسعر الصرف وعودة الاستقرار. هذه الحوافز والروادع تؤدّي إلى الاعتقاد أنه بمجرّد أن تصل الدولرة بحكم الواقع إلى حدّ معيّن، يصعب العودة عنها.

الدولرة وحتمية التضخم في بلد مستورد
لكن ما هي علاقة الدولرة بالتضخّم والأسعار في حالة بلد كلبنان؟
غلاييني ترى أن الاقتصاد ذا الدولرة المرتفعة، مثل لبنان، تشكّل العملة الأجنبية جزءاً مهماً فيه من عرض المال الفعلي (العملة والودائع). وعرض المال الفعلي أكبر من عرض المال المحلّي، ويخضع لسلوكيات تعكس نزعات استبدال العملة من جانب الجمهور. وبالتالي فإنّ المصرف المركزي يتحكّم بعرض المال بشكل جزئي فقط. في هذه الحالة، هذا يعني أن السلطات النقدية لا يمكنها السيطرة على التضخّم. وبما أن جزءاً كبيراً من استهلاك اللبنانيين يتشكّل من الواردات، وبما أن الخدمات والمعاملات الرئيسية يتمّ تسعيرها بالدولار، فإنّ تثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار ينطوي على استقرار الأسعار. لكن لا يمكن القضاء على تأثير الزيادة في عرض النقود على الأسعار، فالدولرة قد تفسّر التضخم في لبنان، ولها تأثير سلبي على فعّالية السياسة النقدية. لأنه في ظلّ الاقتصاد عالي الدولرة، لا يمكن للسلطات النقدية التلاعب بسعر الصرف من أجل تحفيز الاقتصاد الحقيقي (السلع والخدمات)، لأنّ التغيّرات في سعر صرف العملة المحلية ليست ذات صلة إلى حدّ كبير في مواجهة الدور الكبير للأصول المقومة بالعملات الأجنبية في الاقتصاد، لا بل إن إضافة كتلة نقدية بالعملة الأجنبية لخفض سعر الصرف ستنعكس تضخّماً في الأسعار. وتضيف أن تدفّق رأس المال الأجنبي على لبنان في 2008 رفع مستوى عرض المال الفعلي مما تسبّب برفع الأسعار.
يمكننا أن نستنتج أن العودة عن عملية الدولرة صعبة جداً، بالأخصّ في الظروف الحاليّة، حيث يصعب إقناع الأفراد والجموع بتحمّل كلفة انخفاض سعر صرف الليرة، بدلاً من البحث عن وسائل تقيهم خسارة القيمة التي خزّنوها بالعملة المحليّة. ويمكننا أيضاً أن نرى بوضوح أن الدولرة العالية، وحتى قبل الأزمة، هي مسبّب رئيسيّ لتضخّم الأسعار في الأسواق اللبنانية المستورِدة للسلع بشكل أساسيّ.

تمويل الاستيراد في زمن الأزمة
إذاً هل ارتفاع الأسعار وتفلّتها وخسارة القدرة الشرائيّة هو المصير الوحيد الذي علينا الاستعداد له؟ ألا توجد حلول تحمي الأضعف والأفقر؟
علينا أن نفهم قبل كل شيء، أنّه في ظلّ واقع النظام المالي الحالي، فإن كلّ دولار يذهب لسداد استحقاقات الديون هو دولار قد أُخذ من طريق تمويل حاجات الشعب اللبناني من البضائع والسلع المستوردة. فهذا النظام حصر بيد مصرف لبنان تمويل عمليات الاستيراد من احتياطاته بالعملات الأجنبية التي تدنّت، بحسب تقديرات كلّ وكالات التصنيف الائتمانيّ، إلى مستوى لا يكفي لتأمين حاجة البلاد من الدولارات لفترة طويلة (أبعد التقديرات تقول حتى أول عام 2021). ففي ظل الاتّجاه الغالب اليوم، لدى المسؤولين عن السياسات النقدية والماليّة استعمال هذه الاحتياطات للاستمرار في دفع الاستحقاقات للدائنين، كما ظهر في 28 تشرين الثاني الماضي، بات من المهم فرض أولوية مختلفة لوجهة استعمال هذه الاحتياطات في سبيل حماية الطبقتين الفقيرة والمتوسطة حصراً، وأن تتوقّف الدولة اللبنانية عن سداد الدين.
من المهمّ فرض أولوية مختلفة لوجهة استعمال احتياطات مصرف لبنان العملات الأجنبية في سبيل حماية الطبقتَين الفقيرة والمتوسطة حصراً


يجب أن تكون هذه الخطوة مصحوبة بفرض الـ«كابيتال كونترول» على خروج الودائع إلى خارج البلاد فقط، وإقلاع المصارف عن التنكيل بكل صاحب حساب مصرفي يحاول الاستحصال على أمواله. ويضاف إلى ما سبق منع التداول بالعملات الأجنبيّة في الأسواق المحليّة. وهنا نحن لا نتحدّث عن مصادرة أموال الناس بالعملات الأجنبية، بل نتحدّث عن منع استعمال هذه العملات كوسيلة للتبادل، والسماح بالاحتفاظ بها كعامل لتخزين القيمة. والخطوتان الثانية والثالثة ستكونان في خدمة تثبيت سعر صرف الليرة في المرحلة الحالية من الأزمة.
بعد القيام بهذه الإجراءات يتم وضع لائحة بالسلع التي لا يمكن الاستغناء عن استيرادها حالياً، وأخرى بالسلع الكمالية التي يوجد بدائل محلّية لها. فيتم تمويل استيراد السلع الموجودة على اللائحة الأولى كما حصل مع المحروقات والدواء والقمح، أي تأمين الاعتمادات لاستيرادها عبر مصرف لبنان بسعر الصرف المثبّت من مصرف لبنان، وبذلك تكون الدولة قد أمّنت استمرارية وجود هذه السلع في الأسواق بأسعار محسوبة على أساس سعر الصرف المحدّد من مصرف لبنان ما يخفّف من خسارة القدرة الشرائيّة للبنانيين.

من سيدفع الثمن؟
كذلك، من المهم الإشارة إلى أنّ هذه الإجراءات هي حلّ مؤقّت في انتظار إعادة هيكلة كبرى وسريعة للاقتصاد اللبناني، تنقله من شكله الريعيّ الحاليّ إلى الإنتاج. تطبيق هذه المجموعة من الإجراءات كفيل بتقليل وطأة الأزمة على الطبقتَين الفقيرة والمتوسطة، بكلفة نحن ندفعها اليوم في كل الأحوال. فالسوق الماليّة اللبنانيّة قد تعرّضت لخضّة، وهي معزولة عن الأسواق العالمية بالممارسة الفعليّة، والـ«كابيتال كونترول» يُطبّق بشكل غير رسمي وبأكثر الأشكال وحشيّة، فيما لا أحد يطرح المسّ بسعر الصرف الرسمي، بينما الأسواق اختزلت جزءاً كبيراً من التعامل اليومي بالدولار بسبب شحّه. ويبقى المحظور الأكبر هو التوقف عن دفع مستحقات الدين، الذي، إن تمّ، يحمل معه عقاباً من الأسواق المالية العالمية (الغربيّة بالتحديد) بحرمان البلد المتوقف عن السداد من الاستدانة لسنوات. لكن حتى من دون التوقف عن السداد نحن ندفع ثمناً موازياً اليوم، من خلال خفض التصنيف الائتمانيّ المتكرّر للدين السيادي والذي حوّل سندات الدين الصادرة عن الدولة اللبنانية إلى «سندات خردة» بفوائد خياليّة تجعل قدرتنا على الاستدانة شبه مستحيلة.
رغم صعوبة ما يبدو عليه تنفيذ هذه الخطوات، إلّا أنّ السؤال دائماً ومنذ بداية الأزمة: من سيدفع الثمن؟ هل يتّجه المسؤولون عن السياسات المالية والاقتصادية لتجنيب الفئات الأضعف في المجتمع دفع ثمن اقتصاد ريعيّ مدولر من قدرتهم الاستهلاكية؟ أم أنّهم سيتّخذون خيار حماية كبار الدائنين ويدفّعون أبناء الطبقتَين الفقيرة والمتوسطة ثمن النموذج من قدرتهم الاستهلاكية؟