تأمين الطاقة الكهربائية هو خدمة عامّة توفّرها الحكومات عموماً، لكن في لبنان، أصبحت مشاكل هذا القطاع بمثابة تذكير متواصل بعجز الدولة عن توفير أحد أهم الخدمات الأساسية للمواطن والاقتصاد على حدّ سواء، وانعكاس واضح لتفاقم مستويات انعدام المساواة نتيجة تحميل المناطق الأقل نموّاً والأكثر فقراً عبء ساعات أكثر من التقنين بالمقارنة مع المناطق الأكثر نمواً والأكثر غنى، في تناقض فاضح مع معايير التنمية والإنماء المتوازنين.

وصل نموذج الاقتصاد السياسي الذي رُسِي بعد انتهاء الحرب اللبنانية إلى طريق مسدود، ويترافق ذلك مع سوء إدارة وَصَمَت عمل الحكومات المتعاقبة منذ عام 1992، وأنتجت قطاعات ومؤسّسات مُختلّة وغير فعّالة، من ضمنها قطاع الطاقة الذي يعاني من بنية تحتية مُتهالكة ومؤسّسات ضعيفة وتحكمه سياسات لا تتماشى مع التطوّرات الحاصلة في العالم. ما ساهم في تعميق الأزمة الاقتصادية في البلاد، وإضعاف العقد الاجتماعي الهشّ أساساً، والذي يشهد راهناً تحدّيات كبيرة.
على مرّ السنين، اتّسم أداء الحكومات المُتعاقبة في قطاع الطاقة بالخصائص التالية التي ساهمت في وصولنا إلى هذه المرحلة الحرجة:

أنجل بوليغان ــ المكسيك


(1) اقتصاد سياسي مُصمَّم لإثراء القلّة وإعاقة تنمية القطاع
لا يوجد قطاع أكثر من قطاع الطاقة، ربّما، قادر على تظهير العلاقة السامّة بين تكتّل رجال الأعمال والنخب السياسية التي توفّر الحماية لمصالح خاصّة، مع ما ينتجه ذلك من تكاليف اقتصادية واجتماعية مُرتفعة بسبب فشل توفير الخدمات العامّة؛ بدءاً من قلّة تحتكر استيراد المشتقات النفطية التي تقدّر سوقها بمعدّل 4.7 مليارات دولار خلال العقد الأخير، ومن ضمنها المازوت المُستخدم في تشغيل المولّدات الخاصّة ويصل حجم سوقه إلى 2 مليار دولار سنوياً، وصولاً إلى الوكالات الحصرية لاستيراد السيّارات، التي تتعارض مصالح أصحابها مع تطوير استخدامات الطاقة وإنشاء نظام نقل حديث وفعّال. باختصار شديد، لقد قوّض الاقتصاد السياسي القائم منذ أكثر من عقدين أي فرصة مُمكنة لنقل قطاع الطاقة إلى مستوىً أكثر تطوّراً.

4.7 مليار دولار سنوياً

مجمل قيمة سوق المشتقّات النفطية التي تحتكرها قلّة من المستوردين، ومن ضمنها 2 مليار دولار لسوق المازوت المُستخدم في تشغيل المولّدات الخاصّة


(2) تسييس قضايا الطاقة
غالباً ما أدّت السجالات العقيمة بين الأحزاب السياسية المشاركة في الحكومة إلى تجميد أو تأجيل الخطط والمشاريع المُلحّة. واستخدم الكثير من الحجج لتبرير غياب السياسات العملية في قطاع الطاقة، بما فيها الجدل القائم حول استقدام بواخر الطاقة أو تحميل اللاجئين مسؤولية النقص في التيار الكهربائي. في كثير من الأحيان، بدا أن عملية اتخاذ أي قرار في هذا القطاع، كانت جزءاً من معركة شخصية قادها كلّ حزب داخل الحكومة. في حين، كان الجمهور يفقد الأمل تدريجياً من إمكانية حصول أي تغيير إيجابي. في مقال سابق، دعوت إلى إجراء حوار وطني تنبثق منه خطّة وطنية لإنقاذ قطاع الطاقة، بحيث يمكن لاقتراح مُماثل، في حال نجاحه، أن يحصّن من يدير سياسات الطاقة في البلاد بالتفويض المطلوب ليعمل بسرعة أكبر وبأقل قدر من العراقيل السياسية.

(3) غياب المحاسبة
ينطوي النظام السياسي اللبناني على عوامل وضعية، أبرزها المحاصصة السياسية التي تحول دون المحاسبة. فإذا سألنا أي طرف في الحكومة المستقيلة عن إخفاقات الدولة المتتالية في حلّ القضايا الشائكة، بما في ذلك القضايا المرتبطة بقطاع الطاقة، من المؤكّد أن الإجابة لن تكون أكثر من تقاذف للمسؤوليّات، وحجج لا تشذّ كثيراً عن الخطاب السائد، ويردّده الجميع عن إعاقة «الآخرين» لخطط وأفكار خلاّقة كانت ستنقذ البلاد. في الواقع السياسي القائم، يكاد يكون مستحيلاً تحديد المسؤوليات في حالة فشل واحدة. وعملياً، لطالما استفادت الأحزاب السياسية من عملية صنع القرار المُبهمة وغير المتماسكة لتحوير مسؤوليّاتها عن التدهور المستمرّ في قطاع الطاقة، خصوصاً أن نظام ما بعد الحرب المُسمّى بـ«الديموقراطية التوافقية»، ويقوم أساساً على مبدأ التحاصص الطائفي بين الأحزاب السياسية-الطائفية، أعطى لزعماء هذه الأحزاب ووكلائهم في الوزارات إمكانية استخدام النظام نفسه لتبرير فشلهم.

مشاكل قطاع الطاقة هي بمثابة تذكير متواصل بعجز الدولة عن توفير أحد أهمّ الخدمات الأساسية للمواطن والاقتصاد


(4) مقاومة الإصلاحات للحفاظ على الوضع القائم
المثال الأكثر تعبيراً عن مقاومة الإصلاحات الضرورية، هو الحالة الراهنة لمؤسّسة كهرباء لبنان، التي خضعت لسياسات مُمنهجة أدّت إلى تفشيل دورها الحيوي على مستويات عديدة، بدءاً من تأمين التغطية الكهربائية، مروراً بالكفاءة الفنية والاقتصادية، وصولاً إلى الجباية ونوعية الطاقة. وفيما كان متوسّط التحويلات المالية المخصّصة لتغطية خسائر مؤسّسة كهرباء لبنان، يتراوح بين 1.2 و2 مليار دولار خلال السنوات الأخيرة، كانت مشاريع الطاقة المُتجدّدة ذات الجدوى الاقتصادية «تحارب» عبر المُماطلة في تنفيذها. علماً أن توفير الخسائر المُحقّقة عبر مؤسّسة كهرباء لبنان وحدها، وتوظيفها في مشاريع ذات كفاءة وجدوى اقتصادية واجتماعية، كانا أكثر من كافيين لنقل لبنان إلى مستوى أكثر تقدّماً من النموّ الطاقوي غير المسبوق. أضف إلى ذلك، ما تشكّله هذه التحويلات من عبء على الموازنة العامّة، وهو ما يعدّ إشكالية بذاته من منظار ميزان المدفوعات كون هذه التحويلات مُخصّصة لشراء الوقود من الخارج، مع ما يعنيه ذلك من نزف إضافي في العملات الأجنبية. لا شكّ أن كلفة الحفاظ على الوضع الراهن مرتفعة للغاية. وما يحصل اليوم في الشارع قد يكون فرصة استثنائية لإجراء إصلاح شامل في قطاع الطاقة، وهو ما سأتطرّق إليه في الجزء الثاني من هذا المقال.

ما يحصل اليوم في الشارع قد يكون فرصة استثنائية لإجراء إصلاح شامل في قطاع الطاقة


(5) المكابرة والعنجهية واتخاذ موقف العارف بكلّ شيء
ربّما لا تشعر غالبية الناس بذلك، بل فقط بعض الجهات الفاعلة من المجتمع المدني والخبراء والأكاديميين، وخصوصاً أولئك الذين لا يتماشون مع معزوفة التيّار الوطني الحرّ المُمسك بوزارة الطاقة منذ عام 2010. عموماً، نادراً ما تجري نقاشات عامّة ومشاورات حقيقية، وعندما يحدث ذلك، غالباً ما يكون بضغط من الجهات المانحة والمؤسّسات الدولية.
في النهاية، معالجة فشل قطاع الطاقة في لبنان تتجاوز قدرة حزب سياسي واحد، فهي تتطلّب جهوداً منسّقة بين الجميع، بمن فيهم المواطنون، خصوصاً بعد أن أثبتت الانتفاضة الشعبية، أن اللبنانيين ليسوا مستعدّين لتقديم التضحيات المطلوبة قبل لمس أي تحرّك جدّي وفعلي لتأمين الخدمات الأساسية للجميع وبجودة أفضل، وتحقيق عدالة اجتماعية مفقودة، وترسية ثقافة الشفافية والمساءلة والحوكمة الجيّدة.

* مدير برنامج الطاقة والأمن، معهد عصام فارس للسياسات العامّة والشوون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت