وصل النظام النقدي في لبنان إلى طريق مسدود. مصير متوقّع لأسوأ نظام نقدي في العالم يعتمد سعر صرف ثابت وتتعايش فيه عملة محلّية ضعيفة مع عملة دولية قوّية هي الدولار، الذي تحوّل تدريجياً ليصبح النقد الأكثر تداولاً في الأسواق المحليّة.

يفرض المنطق على البلد الذي يعتمد الدولار في التداول المحلّي، أن يلغي عملته المحلّية وأن يُنشئ مجلس نقد ليدير مخزون الدولارات لديه، أمّا في حال إبقائه على العملة المحلّية فيجب أن يقوّيها ويعزّز التعامل بها لتجنّب دولرة الاقتصاد.
بطبيعة الحال، إن اختيار النظام النقدي المزدوج في لبنان هو الذي ولّد ريوعاً ومداخيل ناتجة عن ثنائية العملة وليس عن الجهد الإنتاجي الداخلي، وها هو اليوم يصل إلى مشارف نهاية مؤلمة.

النظام النقدي ما قبل الحرب
يجب دائماً أن نتذكّر طبيعة النظام النقدي اللبناني في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حيث كانت الليرة اللبنانية من أقوى العملات في العالم، وكان سعرها بالنسبة إلى الدولار الأميركي بتحسّن مستمرّ، لأن الصادرات اللبنانية كانت ترتفع سنوياً على الرغم من تحسّن سعر الصرف.
كيف ذلك؟ في الواقع، معظم الصادرات اللبنانية كانت ناتجة عن تصدير المنتجات الزراعية والمنتجات الصناعية. وبالنسبة إلى هذه الأخيرة، كلّ تحسّن في سعر الصرف كان يعطيها قدرة تنافسية أكبر، لأنها صادرات تحويلية خفيفة تدخل في إنتاجها نسبة كبيرة من المدخلات المستوردة من الخارج، وبالتالي كلّ تحسّن في سعر الصرف كان يزيد من القدرة التصديرية. أضف الى ذلك، مؤسّسات الدولة القوّية في عهد الرئيس فؤاد شهاب، التي كانت تراقب جودة الصادرات الزراعية والصناعية، مثل مكتب الفاكهة ومكتب الحرير، إضافة إلى مؤسّسات أخرى أنشأها الرئيس شهاب لاستصلاح الأراضي الزراعية، وأبرزها المشروع الأخضر. كانت الجهود التي بذلها الرئيس شهاب لإعادة تنشيط صناعة الحرير في لبنان واستصلاح الأراضي الزراعية لافتة.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

وهنا لا بدّ من التذكير بالرؤية التنموية الشاملة التي تكوّنت خلال عهد الرئيس شهاب عبر أعمال «بعثة إيرفد» التي ترأسها الأب لويس لوبريه، وهو كان أحد كبار الاختصاصيين الفرنسيين، واشتهر برؤيته التنموية. عملت البعثة في إطار وزارة التصميم العام، وأجرت مسحاً شاملاً للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لكلّ المناطق اللبنانية، ولا سيّما بقع الفقر الكبيرة التي كانت قائمة في حينه، وبالمناسبة هي تقريباً بقع الفقر نفسها التي نعاني منها اليوم، في عكار والضنية والهرمل على سبيل المثال، إضافة إلى حزام البؤس والفقر حول بيروت. وبناءً على أعمال البعثة تحدّدت السياسات الاقتصادية الشهابية.
كان الأب لوبريه قد تنبّأ، في محاضرة شهيرة ألقاها في الندوة اللبنانية بعنوان «لبنان على المفترق»، بإمكانية حدوث انفجارات ضخمة اجتماعية الطابع، إذا لم تستدرك الدولة الأوضاع الاجتماعية المأسوية في العديد من المناطق اللبنانية. لقد اشتهر الأب لوبريه بالتقارير التي وضعها مع فريقه حول سوء توزيع الدخل في لبنان بشكل مأسوي، بما ينذر بإمكانية انفجار الأوضاع فيه.
والجدير بالذكر، الحملات الشعواء التي قام بها رجال الأعمال اللبنانيين ضدّ أعمال «بعثة إيرفد»، التي صوّبت على تركّز الدخل لدى قلّة من الأغنياء، واتهامها بأنها متعاطفة مع الأفكار الشيوعية. وطبعاً كان الأب لوبريه والرئيس شهاب أبعد ما يكونان عن الشيوعية.
لقد صحّت تنبّؤات الأب لوبريه، إذ انفجرت الأوضاع الاجتماعية والسياسية والطائفية بعد رحيل الرئيس شهاب، وتزامن ذلك أيضاً مع انهيار بنك إنترا لعدم رغبة البنك المركزي في مساعدته، مع العلم بأن البنك كان يملك شبكة فروع عالمية وتوظيفات واستثمارات ناجحة. إلّا أن حساسية القطاع المصرفي اللبناني من نجاح مصرف فلسطيني الأصل حالت دون تصفية البنك الذي توقّف عن الدفع على إثر أزمة سيولة عابرة، بل تحويله إلى شركة إنترا للاستثمار التي لا تزال تدر أرباحاً مهمة للخزينة اللبنانية والبنك المركزي. ونتج عن ذلك تفاعلات سلبية في الاقتصاد اللبناني الذي عانى انكماشاً كبيراً على مدى سنتين، وأدّى إلى انهيار العديد من المصارف اللبنانية أيضاً. وللمفارقة، لا نزال إلى اليوم نرى أن توظيفات واستثمارات بنك إنترا تؤمّن للدولة والاقتصاد اللبناني العديد من مصادر الربح (من شركة طيران الشرق الأوسط وشركة إنترا العقارية وكازينو لبنان...).
لكن الاغتناء السريع لدول الخليج العربي الناتج عن زيادة أسعار النفط عالمياً في بداية السبعينيات، أدّى إلى إعادة ازدهار الصناعات اللبنانية التي ارتفعت صادراتها إلى الدول العربية المُنتجة للنفط، وبدأ العديد من اللبنانيين بالهجرة إلى الدول النفطية في الخليج العربي. والجدير ذكره أن الصادرات الصناعية اللبنانية إلى الدول العربية النفطية وصلت إلى ما يقارب 800 مليون دولار في عام 1974، أي قبل الدخول في الحرب في ما بين اللبنانيين.

النظام النقدي بعد الحرب
بُني النظام النقدي الذي تأسّس عند تسلم الرئيس رفيق الحريري الحكم في لبنان، على الفرق في الفوائد بين الودائع بالدولار والودائع بالليرة اللبنانية وثبات سعر الصرف. وهو ما ولّد تدفّق ريوع كبيرة للغاية على حساب الاقتصاد الوطني، إذ كان أصحاب الأرصدة المالية يستدينون الدولارات ويوظّفون الأموال بالليرة، من دون أي مخاطرة، وكانت وظيفة المصرف المركزي تأمين سعر ثابت للدولار الأميركي في بيروت في مقابل الليرة.
لقد مكّن النظام النقدي ما بعد الحرب العديد من الأثرياء من التهافت على شراء العقارات بأثمان بخسة في بداية عهد الإعمار. وأصبح مجلس الإنماء والإعمار هو المُحتكر لكلّ مصادر التمويل الخارجية، وأكثر من ذلك، كان يقوم بدراسة المشاريع ومن ثمّ تنفيذها خلافاً لأبسط مبادئ الحوكمة. وأذكر هنا أن شركة «بكتل» الأميركية الشهيرة قدّرت نفقات الإعمار بعد الحرب بثلاثة مليارات دولار على الأكثر، لكنّ الفريق الإعماري الذي تسلّم السلطة بعد الطائف قدّرها بـ18 مليار دولار في خطّة «آفاق 2000»، التي وضعها مجلس الإنماء والإعمار.
وصل النظام النقدي إلى طريق مسدود، وهو مصير متوقّع لنظام يعتمد سعر صرف ثابتاً وتتعايش فيه عملة محلّية ضعيفة مع عملة دولية قوّية


هكذا بدأ التضخّم في أكلاف إعادة الإعمار، مع العلم بأن ما صرفه مجلس الإنماء والإعمار على إعادة بناء البنية التحتية لم يتعدَّ 5 أو 6 مليارات دولار. إنّما أتى عجز الموازنة والخزينة من تراكم المديونية العامّة بسرعة كبيرة على عاتق الدولة، من جرّاء هذا النظام النقدي الشاذ، الذي أصبح يدرّ ريوعاً عالية للغاية على حساب مالية الدولة التي بدأت تتدهور، وأمّن للقطاع المصرفي أرباحاً هائلة من دون أي جهد إنتاجي يذكر، بل اختصرت التوظيفات في القطاع المالي لجني الأرباح الكبيرة من دون مخاطرة، بدلاً من الاستثمار في القطاعات الإنتاجية اللبنانية. ونذكر هنا أن لبنان خرج من حربه الممتدّة بين عامي 1975 و1990 بدَيْن عام كان يعادل مليار ونصف مليار دولار فقط ومُحرّر بالليرة اللبنانية.
وأضف إلى ذلك، النظام النقدي المزدوج الذي قام على استخدام الدولار في معظم عمليّات التداول والإبقاء على العملة الوطنية فقط لدفع أجور القطاع العام أو لتمويل المبالغ الضخمة من الفوائد على الودائع المؤقّتة بالليرة اللبنانية. عملياً، كانت المؤسّسات الحكومية أوّل من شجّع على دولرة الاقتصاد، إذ كان البنك المركزي يجري مقاصة الشيكات بالدولار، وهذا أمر شاذ، وحتى عام 2001 فرض احتياطيات إلزامية مقابل ودائع المصارف بالليرة اللبنانية، في حين كانت الودائع بالدولار مستثناة من هذا الإجراء. وكذلك كانت مؤسّسات القطاع العام تسدّد فواتير الموردين المُحرّرة بالدولار، فضلاً عن إصدار قوانين استنسابية سمحت لشركات نافذة (سوليدير) على تحرير رأس مالها بالعملة الأجنبية.
هذا النظام النقدي وصل اليوم إلى طريق مسدود تماماً، وهو ما يحتّم التخلّي عنه في أسرع وقت. إلّا أن تحرير سعر الصرف لا يمكن أن يحصل إلّا بشكل تدريجي، بدءاً من اعتماد سعر مرتبط بأسعار سلّة عملات من الدول التي يستورد منها لبنان معظم حاجياته، على أن يترافق ذلك مع زيادة القدرات الإنتاجية للبلد وزيادة صادراته الصناعية والزراعية، تمهيداً لتحرير سعر الصرف بشكل كامل.

* اقتصادي ووزير مالية سابق