في عالمنا الذي يزداد جنوحاً نحو الرقمنة، تقوم المنصّات الرقمية بدور محوري. فهذه المنصّات (مواقع نشطة تشكّل ساحات عامة رقمية أو أسواقاً رقمية) تؤثّر على اقتصادنا ومجتمعنا بطرق مختلفة وعلى تنظيماتهما، وتتحوّل أكثر فأكثر إلى موضوع سجال عام وسياسي. وسواء كان يتعلّق بالطريقة التي يتعامل بها «فايسبوك» مع المعلومات الشخصية والعامّة، أو تأثير «إر بي أن بي» (Airbnb) على مساكننا، وتأثيرات «أوبر» على قطاع سيارات الأجرة، أو ظروف عمل عمّال توصيل «ديليفيرو» (Deliveroo) أو العمّال التقنيين في «أمازون ميكانيكل تورك» (Amazon Mechanical Turk)، فإن التأثيرات الثورية لنشاطات المنصّات أصبحت تحتل العناوين الرئيسية بشكل منتظم.

من المشاكل الاجتماعية الرئيسية المترتّبة على اقتصاد المنصّات الرقمية هي ظروف العاملين فيها. فهؤلاء السائقون والدرّاجون وعمّال النظافة والمصمّمون والمترجمون والتقنيون وغيرهم، غالباً ما يتعاقدون رسمياً كمستقلّين وغالباً لا تتساوى خصائص ترتيبات عملهم مع علاقة التوظيف التقليدية. ومن بين تجلّيات ذلك استخدام أغراضهم الخاصّة (مثل سيّارة السائق)، انفصال ساعات العمل (العمل عبر تطبيق هاتفي)، المدة القصيرة للعلاقة (ترجمة عبارة واحدة ربّما) والطابع المتعدّد الأطراف (منصّة تربط المنتج والمستهلك).
في الوقت نفسه، قد يكون العامل معتمداً اقتصادياً على عمل المنصّة، ويمكن بناء الاستقلالية التعاقدية بطرق مصطنعة نوعاً ما - كأن يعمل السائق دواماً كاملاً لصالح منصّة لسنوات عدّة ولكن يبقى متعاقداً رسمياً على الرحلة - ويمكن للمنصّة أن تتحكّم بشكل كبير بالعمل وبالشخص الذي يؤدّيه. علاوة على ذلك، غالباً ما يعني هذا الوضع «المستقل» أنّ العاملين مع المنصّة يفتقرون إلى الحماية الاجتماعية والعملية والصحّية والسلامة التي ترتبط في معظم البلدان بعقد العمل، حتى لو كانت ظروف عملهم الهشّة ووضعهم الاجتماعي - الاقتصادي تتطلب مثل هذه الحماية.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

في الواقع، يفرض العمل عبر الإنترنت مجموعة من المخاطر على صحّة العاملين وسلامتهم ورفاههم القديم والجديد، على الأصعدة الجسدية والنفسية والاجتماعية. كما تشير الدراسات إلى أن المشاكل الصحّية السابقة قد تكون في الواقع سبباً رئيساً لتوجّه المرء من الأساس إلى العمل مع منصّات رقمية مثل منصّات المهام المصغّرة (microtask). وفي حين يعني ذلك أنّ المنصات الرقمية قد توفّر وسيلة بديلة للأشخاص الذين يعانون من معوّقات صحّية لمواصلة العمل وكسب بعض الدخل ما يساهم في اندماجهم في المجتمع وفي سوق العمل، إلّا أنه يعني أيضاً أن العديد من العاملين في المنصّات الرقمية هم في وضع هشّ فعلاً قد يتفاقم مع العمل. وأبعد من المستوى الفردي، يمثّل غياب مساهمات الضمان الاجتماعي وإيرادات الضرائب التي غالباً ما تنشأ عن الوضع المستقل لعمّال المنصّات الإلكترونية، مشكلة تتعلّق باستدامة الأنظمة الاجتماعية بشكل عام على المدى الطويل.

خصائص غير فريدة
غير أنّ هذه التحدّيات لا تبدو فريدة ومحصورة باقتصاد المنصّات الرقمية. فلأسباب منها تطوّر أسواق العمل والمجتمع والأزمة الاقتصادية (وردود السياسة الخاصّة بسوق العمل) وبتسهيل من رقمنة المجتمع والاقتصاد، تشهد العقود الأخيرة زيادة في استخدام أشكال غير تقليدية للتوظيف والعمل: العمل العرضي، العمل عند الطلب، العمل المؤقّت، العمل غير الرسمي والعمل المستقلّ. وتتطابق العديد من ترتيبات العمل التي أرستها المنصّات الرقمية وتتشابه بشكل كبير أو تجمع هذه الأشكال من العمل غير التقليدي في بعض الأحيان مع اختلاف فقط في طريقة استخدام الأداة الرقمية.
صحيح أنه يبدو أنّ بعض المنصّات الرقمية بنت نماذج أعمالها وبنيتها التكنولوجية حول هذه الهشاشة التي لا يبدو أنها ترفع الإشكالية الشاملة إلى مستوى أعلى. غير أنه قد يبدو من المفيد مناقشة هشاشة العمل بشكل عام وشامل أكثر، بدلاً من التركيز فقط على تحدّيات العمل عبر منصّة رقمية، ربما لأنه يُنظر إليه على أنّه تطوّر «جديد» و«دارج». لسوء الحظ، لا يوجد شيء جديد أو دارج في عدم الاستقرار.
تفادى اقتصاد المنصّات الالتزام بالقواعد عمداً، نظراً إلى الخطاب المستمرّ حول طبيعته «المبتكرة»، إذ يقدّم نفسه على أنه شيء لا يجب أن تنطبق عليه القواعد بل أن تشجّعه وأن لا تقمعه


وجد المنظمون المحلّيون أنه من الصعب التعامل مع هذه التطوّرات. فاقتصاد المنصّات هو هدف متحرّك إلى حدّ ما، إذ إنه تفادى الالتزام بالقواعد عمداً، والأهم أنه نظراً إلى الخطاب المستمرّ حول طبيعته «المبتكرة»، يقدّم نفسه على أنه شيء لا يجب أن تنطبق عليه القواعد بل أن تشجّعه وأن لا تقمعه. وبشكل عام أكثر، ساهمت الظروف الاقتصادية وسياسات التقشّف في العقد الماضي في إضعاف نوعية العمل السائدة وفي صعوبة معالجتها في الوقت نفسه.

بناء زخم
ولكن الزمن يتغيّر. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2017، أعلن رؤساء مؤسّسات الاتحاد الأوروبي ما سُمّي «الركن الأوروبي للحقوق الاجتماعية». وقد اعتُمد العديد من القوانين التشريعية، مثل التوجيهات المتعلّقة بالظروف المتوقّعة والعادلة للعمل والتوازن بين العمل والحياة، كجزء من تحقيق «الركن». ويستمرّ بناء الزخم نحو قارة أوروبية تحمل لواء الحقوق الاجتماعية، من دون مؤشّرات على تبدّده. وفي خطابها أمام البرلمان الأوروبي، أعلنت الرئيسة المقبلة للمفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لين، عن «خطّة عمل لإحياء ركننا للحقوق الاجتماعية»، وذلك من خلال نظام الحدّ الأدنى للأجور وإعانات البطالة وحماية الأطفال والاستثمار في التعليم.
قد يكون الآن هو الوقت المناسب للدفع باتجاه تحرّك محدّد ولكن شامل لمحاربة العمل ذي النوعية السيّئة والتعامل مع المنصّات الرقمية، إضافة إلى الأشكال غير التقليدية للتوظيف. ويمكن أن يستخدم «الركن الاجتماعي» كسبيل لإطلاق عملية (إعادة) تنظيم للعمل على مستوى الاتحاد الأوروبي، وتطوير وردف الإجراءات الموجودة الخاصّة بالعمل غير التقليدي من أجل تأمين الحدّ الأدنى من الحقوق الفعّالة والاجتماعية للعمّال.
وحين يتعلّق الأمر باقتصاد المنصّات تحديداً، يجب أن يحصل تغيير جذري في الخطاب. فبدلاً من معاملته على أنه شيء ثمين وفريد ولطيف - يحتاج إلى رعاية وحماية من القواعد الدخيلة - يجب الاعتراف بأنه (كقاعدة وليس استثناء) يظهر اتجاهات مؤذية وممارسات ضارّة تتطلّب التنظيم بناءً على الحدّ الأدنى من معايير الاتحاد الأوروبي.
في الواقع، يبدو أن اقتصاد المنصّات ينمو «للأسباب الخاطئة»، ليس لأنه يقدّم خدمات جديدة ومبتكرة وذات جودة عالية للعملاء مع آثار جانبية على فرص العمل الجيّدة، بل لأنه يشكّل «منافسة غير عادلة» تقوّض مشغّلي الصناعة الحاليين. ويتحقّق الربح على حساب رفاهية العامل واستدامة دولة الرفاه. فإذا تمّ إدراج هذه «العوامل الخارجية» بشكل صحيح في حساب الآثار الاقتصادية لاقتصاد المنصّات، لا شك أنّه سيولّد فائدة صافية لمعظم الأفراد العاملين فيه، أو للمجتمع ككلّ.

ساتشا غاربنن، بروفيسور في قانون الاتحاد الأوروبي في الكلية الأوروبية. عملت في المفوضية الأوروبية على قانون العمل الخاص بالاتحاد الأوروبي إلى أن انضمت إلى الكلية في عام 2015. نشرت «Inter alia» حول تقسيم الاختصاصات بين الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء والتوازن بين الحقوق الاجتماعية والاقتصادية في النظام القانوني للاتحاد الأوروبي و«الركن الأوروبي للحقوق الاجتماعية».

* SocialEurope
* ترجمة: لمياء الساحلي