إن «إعادة الإعمار» في بلدٍ خاض حرباً أهلية قاسية وطويلة ليست مجرّد مسألة استثمارية أو تقنية فحسب، بل هي مسألة سياسية بامتياز، تتطلّب عقداً اجتماعياً جديداً وسياسات اقتصادية وإنمائية وتنموية لتوفير حقوق الناس كافة الاجتماعية والاقتصادية والخدمات الأساسية من مسكن وتعليم وطبابة وعمل وغيرها. لكن إذا طبّقنا هذه القاعدة على سوريا، يتبيّن أن مسألة «إعادة الإعمار» المطروحة راهناً لا تدور سوى في إطار بناء ما تهدّم، وإطلاق مشاريع سكنية ضخمة يعود التخطيط لها إلى مرحلة ما قبل الحرب، بما يضمن استمرار المضاربات، وهي سمة طبعت السوق العقارية في سوريا قبل الحرب واستمرّت حتى في خلالها. بمعنى آخر، تُطرح مسألة «إعادة الإعمار» ضمن إطار العودة إلى ما كانت عليه سوريا قبل الحرب، بمعزل عن معالجة العديد من التشوّهات الاقتصادية والاجتماعية، ولا سيّما في مجال السكن، والتي تعود جذورها إلى سبعينيات القرن الماضي، واشتدّت خلال التسعينيات وصولاً إلى اندلاع الحرب في عام 2011، وهي تُعدّ راهناً من المعوّقات الرئيسة أمام عودة النازحين الداخليين واللاجئين في الخارج.



هذه خلاصة ندوة بعنوان «إعادة إعمار سوريا وعودة اللاجئين: تحدّيات وفرص سورية ولبنانية» قدّمها رئيس منتدى الاقتصاديين العرب سمير العيطة، في مقرّ حركة «مواطنون ومواطنات في دولة»، وطُرحت خلالها مجموعة من الإشكاليّات حول الواقع السكني في سوريا قبل الحرب والذي يعدّ جزءاً من أزمة اجتماعية كان لها تأثير مباشر على مسار الحرب، وشكّلت سبباً من أسبابها، والتحوّلات التي طرأت على هذا الواقع طوال السنوات الثماني الماضية من الاقتتال، وانعكاسات ذلك على إمكانية عودة النازحين الداخليين إلى مساكنهم الأساسية، ومدى واقعية عودة اللاجئين السوريين في الخارج إلى بلادهم.

إشكاليات السكن: جذور من السبعينيات
بلغ عدد سكان سوريا ذروته في عام 2010 ووصل إلى نحو 21 مليون نسمة، وكان نحو 55% منهم يعيشون في التجمّعات المدينية. فمنذ بداية التسعينيات وحتى عام 2010، شهدت سوريا نموّاً ديموغرافياً ملحوظاً وصل إلى 4% سنوياً. وترافق ذلك مع نموّ عدد الأسر بنسبة تتراوح بين 3 و5% سنوياً بشكل عام، وتصل إلى 6% سنوياً في المدن الرئيسية نتيجة تسارع وتيرة الهجرة من الريف إليها. إلّا أن هذا الواقع الذي نتج عنه نموّ في الطلب على المساكن تمّ التنكّر له. إذ لم يكن عدد رخص البناء يلبّي الطلب على المساكن، ولم يكن التخطيط السكني يراعي تطوّر نموّ الأسر. ففي عام 1995 بلغ عدد الأسر نحو 90 ألف أسرة إضافية، في حين أن عدد الرخص لم يتجاوز الـ50 ألف رخصة. واستمرّت هذه الأزمة حتى عشية الحرب السورية، وتخلّلها بعض السنوات - عام 2007 على سبيل المثال - التي لم يتمّ خلالها إصدار أي رخصة على الرغم من أن عدد الأسر بلغ 130 ألف أسرة إضافية.
هذا الواقع، أوجد فجوة عمرانية نتيجة طلب لم يُلبَّ في السابق، ولا سيّما في المدن حيث انتشر البناء المُخالف، ووفقاً للعيطة: «كان التخطيط السكني يتمّ بمعزل عن النموّ الكبير للأسر وتسارع وتيرة النزوح من الريف إلى المدينة، بحيث باتت المناطق الحضرية تضمّ نحو 60% من المقيمين في سوريا في عم 2010. ففي الفترة التي سبقت الحرب سادت سياسة افتعال الندرة في معروض الأراضي المخصّصة للبناء الحضري بهدف تحفيز المضاربات العقارية، وهو ما انعكس ارتفاعاً في أسعار العقارات، وأدّى إلى تشجيع البناء بالمخالفات».
عملياً، توجّهت الأسر إلى تلبية حاجاتها بالسكن عبر بناء المباني بصورة مخالفة ومن دون أيّ ترخيص. وبالنتيجة تراوحب نسبة العائلات التي تسكن بالمخالفات بين 15% و20% في بعض المحافظات، ووصلت النسبة إلى 40% في بعض المدن. وأكثر من ذلك، وعلى عكس ما يشاع، يتبيّن أن مؤسّسة الإسكان الحكومية لم تبنِ سوى 10% من المساكن فقط، فيما القسم الباقي تمّ بناؤه من قِبَل القطاع الخاص: التعاونيات بنسبة 12% على الرغم من الأسعار التشجيعية التي منحت لها لشراء الأراضي، والأسر والأفراد بنسبة 78%.

ليس كلّ ما دمّر كان نتيجة الاقتتال
يبيّن «أطلس الدمار في المدن السورية» الذي أعدّه «معهد الأمم المتّحدة للتدريب والبحث - UNITAR» بالتعاون مع مبادرة Reach، من خلال التقاط الصور الجوّية وتحليلها، أن 29% من المباني القائمة في سوريا ويبلغ عددها نحو 4 ملايين مبنى تضرّرت خلال الحرب، 22% منها متضرّر بشكل جزئي و7% مدمّر بالكامل. وتعدّ حلب من أكثر المدن السورية التي طالها الدمار، إذ يوجد فيها نحو 35 ألف و722 مبنى متضرّراً من ضمنها 4.773 مبنى مدمّراً بالكامل. تليها الغوطة الشرقية التي تضرّر فيها نحو 34 ألف مسكن، ومن ثمّ حمص (13.778 مسكناً)، والرقّة (12.781 مسكناً)، وحماة التي تضرّر فيها نحو 10.529 مبنى، من ضمنها 9.459 مسكناً مدمّراً بالكامل.

1

من أصل كلّ 4 مباني تضرّر جرّاء الحرب السورية، ويتجاوز عددها المليون مبنى، من ضمنها 300 ألف مبنى دُمّر بالكامل


يقول العيطة إن «جزءاً كبيراً من هذا الضرر والدمار كان نتيجة الحرب، إلّا أن جزءاً آخر كان نتيجة سياسات، كما هي الحال في مدينة حماة، التي تبيّن الإحصاءات المتوافرة أن عدد الأبنية المُدمّرة فيها يفوق أيّ مدينة أخرى على الرغم من أنها لم تشهد اشتباكات واقتتالاً أهليّاً. والسبب هو المخالفات التي كانت قائمة وتمّت إزالتها قسرياً بحجّة الحرب بهدف إقامة مشاريع الريع العقاري المُخطّط لها منذ ما قبل اندلاع الحرب. فضلاً عن أن الدمار الذي لحق بالأرياف، حيث العدد الأكبر من المخالفات، هو أكبر بكثير، ولكن لا توجد إحصاءات تفصيلية عنه».
في الواقع، يوجد في حماة منطقتا مخالفات، وفقاً للعيطة «الأولى في مشاع الأربعين والثانية في مشاع وادي الجوز، وقد تمّت إزالتهما بالكامل لإقامة مشاريع سكنية جديدة يعود التخطيط لها إلى ما قبل الحرب، وهي متوقّفة حالياً. والأمر نفسه ينطبق على الأبنية المخالفة في كفر سوسة وبساتين الرازي في وسط دمشق والتي تمّت إزالتها قسرياً لإقامة مشاريع سكنية فارهة للمضاربات العقارية مثل سوليدير، وهي متوقّفة حالياً. بالإضافة إلى ذلك، صدرت خلال الحرب السورية تشريعات متعلّقة بالعقارات والتطوير العقاري أكثر بكثير ممّا تمّ تشريعه خلال عقود طويلة، وأبرزها القانون رقم 10 الذي يطال الطرف الشرقي من أوتوستراد المزّة في دمشق، حصراً، ويسمح باستحداث مناطق تنظيمية وإنشاء مدينة «ماروتا»، التي تحتلّ مساحة واسعة جدّاً تفوق مساحة منطقتي المالكي والروضة الفارهتين في دمشق. لقد شكّلت الحرب فرصة لتشريع أكبر للمضاربات العقارية بدلاً من الاهتمام بإعادة إسكان النازحين واللاجئين».

كلفة الإعمار = 30 مليار دولار
يطرح هذا الواقع إشكاليّات لا بدّ من مواجهتها بالسياسات وبالجهد القانوني، وفقاً للعيطة، على أن تنطلق من تنظيم الفجوة العمرانية القائمة، ومعالجة قضايا حقوق المالكين والمستأجرين وتعويض من تدمّر أو تضرّر سكنه، وأيضاً إصدار مخطّطات تنظيمية جديدة للمدن لمعالجة مناطق المساكن المخالفة لفرزها وتنظيمها، بالإضافة إلى معالجة الأضرار التي لحقت بالمناطق التراثية، في حلب وحمص على سبيل المثال، وعدم استبدالها بمشاريع للريوع العقارية.

على عكس ما يشاع، يتبيّن أن مؤسّسة الإسكان الحكومية لم تبنِ سوى 10% من المساكن، فيما القسم الباقي تمّ بناؤه من قِبَل القطاع الخاص


ويشير العيطة إلى أن «عودة اللاجئين والنازحين خلال 5 سنوات ليست مستحيلة، ولكنّها تتطلّب سياسات عامّة تكون فيها وتيرة الإعمار مضاعفة عن عام 2010، وإنفاق نحو 30 مليار دولار كحدّ أقصى لبناء ما تهدّم بافتراض أن كلفة بناء المتر الواحد في سوريا تتراوح بين 200 و300 دولار. وهو ما يناقض كلّ الأرقام الخيالية التي قُدّرت ككلفة لإعادة الإعمار. ويعود ذلك إلى أن النسبة الأكبر من مواد البناء متوافرة في سوريا باستثناء بعض المواد المفترض استيرادها كالإسمنت والحديد، وكذلك اليد العاملة، وهو ما يقلّل الحاجة إلى العملات الأجنبية. لكن الأهمّ هو إعادة السلم الاجتماعي، والمعيار الأساس هو حمص الذي أخذ فيها الاقتتال صبغة طائفية».



العمار استمرّ... حتى خلال الحرب
لم تتوقّف عملية بناء المساكن في سوريا خلال الحرب. في الواقع، تمّ بناء مساكن بقدر ما هُدم وإن في مناطق مختلفة. فنتيجة الوضع الأمني، شهد عاما 2011 و2012 أعلى وتيرة بناء في تاريخ سوريا ومن دون أيّ تراخيص، وتخطّت نسبة المباني غير المرخّصة النسب العالية التي كانت قبل الحرب، وبرز ذلك في شكل أكبر في المناطق البعيدة عن جبهات الاقتتال، بحيث تضاعفت المساكن في بعض المدن نحو 3 أضعاف ما كانت عليه ولا سيّما في دمشق وحلب وحمص. أمّا المؤشّر الأكثر دلالة على ذلك هو ارتفاع استهلاك الاسمنت، ففي عام 2010، أي قبل سنة من اندلاع الحرب، وصل استهلاك الإسمنت إلى 8 ملايين طن، في حين سجّل نحو 10 ملايين طن في عام 2011، أي في سنة اندلاع الحرب.