شكّل الإصلاح الاقتصادي حاجة منذ نشأة الكيان اللبناني وصولاً إلى أيّامنا الراهنة، التي نشهد خلالها أكبر أزمة اقتصادية ومالية في تاريخه. لطالما تأثّر الفاعلون الاقتصاديون والسياسيون بالفكر الاقتصادي التقليدي الذي رسّاه ميشال شيحا، ويقوم على ترسيخ دور خدماتي للبنان ووسيط بين الشرق والغرب. وهو دور أفقد الكيان وظائف الدولة التقليدية أي تأمين رفاهية المقيمن فيها وتمتين الاقتصاد.

هيمنت هذه النظرية على الاقتصاد والسياسة في لبنان منذ تأسيس الدولة فيه. قبل الحرب اللبنانية، أفرز هذا الدور اقتصاداً يعتمد، بشكل رئيس، على الخدمات والريع العقاري والمالي، ما أدّى إلى تراجع التنمية وتنامي الفقر والتفاوتات الاجتماعية. وقد عبّر الاقتصادي الفرنسي الأب لويس لوبريه، عن ذلك من خلال تقرير «بعثة إيرفد» التي ترأسها في مطلع ستينيات القرن الماضي للقيام بمسح شامل للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في لبنان، إذ قال في حينها: «لبنان على مفترق، إمّا تعالجون بقع الفقر فيه أو سينفجر من الداخل»! تحقّقت هذه «النبوءة»، إن صحّ التعبير، فعلاً، فبعد سنوات انفجرت حرب أهلية استمرّت 15 عاماً.
على الرغم من كلّ التبعات الدامية التي أفرزها الاقتتال الأهلي، لم تعرف هذه النظرية انتشارها الأوسع إلّا بعد انتهاء الحرب اللبنانية. ففي مطلع تسعينيات القرن الماضي، أتى الرئيس رفيق الحريري بخططٍ اقتصادية لإعادة الإعمار، مصبوغة بالنظرية الشيحية عن «دور لبنان». إلّا أن ما فات الرئيس الحريري في حينها، هو أن لبنان بات عاجزاً عن لعب هذا الدور الوسيط والخدماتي في الشرق، خصوصاً أن معظم اقتصادات المنطقة كانت قد سبقته في التطوّر فيما كان هو متلهياً بحروبه. إلّا أن ذلك لم يحُل دون تغذية نموذج الريع المالي والعقاري.
خرج لبنان من الحرب بدَيْن عام لا يتجاوز المليارين دولار وبموازنات عامّة تحقّق فوائض. أمّا اليوم، تخطّى الدَّيْن العام عتبة الـ80 مليار دولار، وتجاوزت العجوزات المالية المُتراكمة، بما فيها مستحقّات الضمان والمقاولين والمستشفيات، الـ120 مليار دولار.
فبحجّة إعادة الإعمار، أُطلق مسار طويل من مراكمة المديونية العامّة، التي أغنت فئة على حساب سلامة الأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية. اللافت في هذا السياق، أن دراسة شركة «بكتل» قدّرت كلفة إعادة الإعمار في لبنان بنحو 2.5 مليار دولار، لكن طبعاً، لم يأخذ أحد بها. لقد تمّ وضعها جانباً، واعتُمدت خطّة «آفاق 2000» التي أتى بها فريق الرئيس الحريري، وقدرّت كلفة إعادة الإعمار بنحو 18 مليار دولار. وعلى الرغم من ذلك، لم يتمّ إنفاق أكثر من 14 مليار دولار على الاستثمارات والبنية التحتية طوال ربع قرن. وأكثر من ذلك، درجت في تلك الفترة الاستدانة من دون مبرّر، أي من دون أن يكون هناك أيّ عجز في الموازنة أساساً.
ما يعني أن لعبة المديونية لم يكن هدفها الإعمار بذاته، بل دعم سياسة الاقتراض، أي الريع المالي لضخّ الأموال العامّة في نظام مصرفيّ بات حجمه، اليوم، يساوي 5 مرّات حجم الناتج الوطني الإجمالي، وهو مستوى عالٍ يفوق كلّ منطق اقتصادي، ويحول دون تحقيق أيّ نموّ في الاقتصاد الذي يدور في دوّامة من الانكماش. وقد جرت هذه العملية وفق الآلية التالية: كانت المصارف تقترض الدولارات من الخارج بفائدة لا تتجاوز 4% أو 5%، وتعيد توظيفها في سندات الخزينة بالليرة اللبنانية بمعدّلات فائدة وصلت إلى 40% في عام 1995. أمّا ما سمح باستمرار هذه المضاربات فهو سعر الصرف الثابت، الذي أعفى المضاربين من أية مخاطر قد تنجم عن تقلّب سعر الصرف.
اختار نظام الحكم الجديد أسوأ نظام نقدي على حدّ قول الاقتصادي فرد برغشتاين (Fred Bergstein)، حيث تتعايش عملة محلّية ضعيفة مع عملة دولية قوية. والعمل بسعر ثابت لليرة اللبنانية هو الذي ساهم بتكوين الدَّيْن اللبناني العملاق. وأصبحت لعبة الاستدانة بالدولار للتوظيف بالليرة بفوائد مرتفعة تدرّ أرباحاً طائلة على أصحاب الرساميل، بدليل أن قيمة الفوائد المدفوعة على الدَّيْن العام بلغت نحو 77 مليار دولار في خلال ربع قرن. لقد أتت هذه اللعبة على حساب النشاط الاقتصادي العام، وحتى على حساب القطاع العقاري الذي عرف فائضاً من المساكن الفخمة بلغ 150 ألف شقة فخمة غير مباعة على مستوى لبنان في بداية التسعينيات، ويعاني اليوم من ركود كبير بسبب ارتفاع أسعار الفائدة.
لقد قضت سياسة الفوائد المرتفعة والمديوينة المستمرّة والمتفاقمة باطراد على إمكانية بناء اقتصاد مُنتج قادر على المنافسة، إذ ساهمت برفع أكلاف الإنتاج، فتراجعت حصّتا الصناعة والزراعة من 19% من الناتج المحلّي بعد الحرب إلى 8% في عام 2017. وتمّ القضاء على الصناعة التي كانت صادراتها تصل إلى 900 مليون دولار في عام 1974. كذلك هاجرت اليد العاملة اللبنانية الماهرة وخرج من لبنان بعد الحرب نحو 800 ألف شاب وشابّة. وبهذه الطريقة بات النظام المصرفي يعتاش من قتل الاقتصاد والمجتمع.
نعيش حالياً في ظلّ أزمة نتجت عن كلّ هذا السياق، وهي تفاقمت مع بدء الحرب الكونية على سوريا في عام 2011. الخروج منها صعب خصوصاً أن العجز في الميزان التجاري وفي ميزان المدفوعات متواصل ولم نقم بأي إجراء للتخفيف منه، بل على العكس أبقينا على الهندسات المالية التي تدرّ أرباحاً طائلة وإضافية إلى النظام المصرفي اللبناني الذي تحوّل عبئاً كبيراً على الاقتصاد اللبناني، بينما كان يجب أن يقوم بالحصول على معظم أرباحه من عمليّات في الخارج.

يعتاش النظام المصرفي من قتل الاقتصاد والمجتمع بعد أن بات يتجاوز 5 مرّات حجم الناتج الوطني


يتطلّب المخرج أن نعيد النظر بكلّ السياسات الاقتصادية المعمول بها منذ عقود، والعودة إلى المنطق الاقتصادي والمالي والنقدي السليم، بدلاً من الاستمرار في الهندسات المالية، التي ليست إلّا هدراً للأموال العامّة، تصبّ في النهاية لصالح النظام المصرفي. ويتطلّب ذلك عملاً على ثلاثة مستويات:
أ- في الشقّ المالي والنقدي: يجب إدخال نظام تسقيف لخدمة الدَّيْن العام بحيث لا تسطو خدمة الدَّيْن على إيرادات الدولة، وتشجيع المصارف على تنويع نشاطاتها داخل لبنان وخارجه لتخفيف اتكالها على الاكتتاب والمتاجرة بسندات الخزينة أو اليوروبوند بالدولار التي تصدرها الدولة لتحقيق أرباحها. على أن يترافق ذلك مع إصلاح النظام النقدي بشكل تدريجي، بحيث نتخلّص من التزاوج الشاذّ بين عملتين في التعاملات الداخلية، خصوصاً أن المصارف اللبنانية باتت تمدّ المصرف المركزي بالسيولة بالدولار من أجل الحفاظ على احتياطاته بالعملات الأجنبية، علماً أن هذه الورشة تتطلّب ثورة إنتاجية شاملة في البلاد، لتخفيض العجز الكبير في الميزان التجاري وفي ميزان المدفوعات، وهو عجز توأم بات يهدّد باستمرار سلامة الوضع النقدي وإمكانية تأمين انتظام دفع الدَّيْن بالعملات الأجنبية. بالإضافة إلى زيادة إيرادات الدولة عبر تقوية النظام الضريبي وتوزيع أعبائه بعدالة بين مختلف القطاعات الاقتصادية والفئات الاجتماعية، وإدارته على أساس اللامركزية بحيث يتمّ الإنفاق على الخدمات العامّة عبر أجهزة البلديات أو اتحاد البلديات، إذ أن هذا النظام يسمح للمواطنين بمراقبة صحّة الإنفاق.
ب- في التنمية المحلّية: إنشاء شركات تنمية محلّية مموّلة من البلديات والأوقاف والفعاليات الاقتصادية المحلّية ومنظّمات المجتمع الأهلي للمساهمة في تنمية المناطق والأقضية وخلق فرص عمل. بالإضافة إلى تشجيع السياحة الداخلية خارج المرافق السياحية القائمة في بيروت وجبل لبنان وتوزيعها على كلّ المناطق اللبنانية، لإبقاء المواطنين في المناطق الريفية والتخفيف من حدّة تركّز السكّان على الساحل اللبناني.
ج- في تنمية القدرات الإنتاجية: من المعروف أن لبنان لديه قدرات إنتاجية كبيرة غير مستغلّة، ولا سيّما في مجال التصنيع الزراعي وصناعة الأدوية والصناعات الخفيفة. وكذلك يمتلك كفاءات بشرية كبيرة في مجالات الأبحاث والتطوير والتكنولوجيا. وهو ما يمكن تطويره بالتعاون مع الجامعات ومعاهد التدريب المهني وشركات القطاع الخاص.

* اقتصادي، ووزير مال سابق