من الكلمات المشهورة لبنيامين ديسراللي، رئيس وزراء بريطانيا في عهد الملكة فيكتوريا قبل قرابة قرنين، قوله عن سوء استعمال الأرقام : «يوجد ثلاثة أنواع من الكذب: الأكاذيب الصغيرة والأكاذيب الكبيرة و… الإحصائيات!».

تبادرت هذه الكلمات الى ذهني عندما قرأت التقرير المنشور في «الأخبار» بعنوان «الثروة البترولية الموعودة: كيف نخلق وهماً جديداً؟» (ملحق رأس المال - الإثنين 22 تموز/ يوليو 2019). فما جاء في هذا المقال من أرقام، وردت في دراسة أعدّتها هيئة إدارة قطاع البترول بالتعاون مع برنامج التنمية النروجي، يتجاوز حدود المفهوم المتعارف عليه لمعنى الأرقام والإحصائيات، إلى نوع غير مسبوق من التوقّعات الاعتباطية، التي لا تستند إلى الحدّ الأدنى اللازم من الأدلة والبراهين الواقعية، ولا سيّما تقديرات الهيئة لكميات الغاز المحتملة في المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة للبنان وإيرادات الغاز وحصّة الدولة من هذه الإيرادات المتوقّعة خلال ما لا يقل عن خمسين سنة من الإنتاج.
من الطبيعي أن تستوقف هذه التقديرات والتوقّعات انتباه كلّ من سمع بها أو قرأ عنها، ولا سيّما أن رئيس الهيئة الحكومية المذكورة استخدمها في سياق عرض موسّع قدّمه أمام عدد من رجال الأعمال والمستثمرين في مؤتمر «جمعية الطاقة الوطنية اللبنانية» في العام الماضي، أي إنه تبنّاها على الرغم من أن بعضها يختلف كلّياً عن كل ما كتب وقيل حتى الآن، علماً بأنها المرّة الأولى التي يتجرّأ فيها أحد كبار المسؤولين عن قطاع البترول في لبنان على التفوّه بتوقّعات تمتدّ لأكثر من نصف قرن.
أولاً، في ما يتعلّق بمكامن الغاز المحتمل وجودها تحت المياه اللبنانية: تقدّر هيئة البترول أنها تحتوي على 50 تريليون قدم مكعب من الغاز كمعدّل وسطي، وتشير تقديراتها إلى أن هذه الكمّية (غير المؤكّدة طبعاً) تقارب مرّة ونصف المرة حجم الاحتياطيات الغازية المؤكّدة في حقل «ظهر» قبالة دلتا النيل (30 تريليون قدم مكعب)، الذي يعتبر أكبر حقل غاز تمّ اكتشافه حتّى الآن في البحر المتوسّط. ليس واضحاً كيف توصّلت الهيئة المذكورة إلى تقدير مجموع احتياطيات الغاز، الذي يبلغ ضعف المجموع البالغ 25.5 تريليون قدم، وهو التقدير الأقرب إلى الواقع والمُعتمد من قبل شركات البترول والغاز العالمية ومن قبل صندوق النقد الدولي، علماً بأن وزير الطاقة السابق جبران باسيل كان قد ذهب في عام 2012 إلى حدّ الإعلان عن وجود95.5 تريليون قدم مكعب، أي أربعة أضعاف التقديرات المتداولة حالياً!
ثانياً، في ما يتعلّق بدخل الدولة من استثمار الغاز: ما جاء في عرض رئيس هيئة البترول حول التوقّعات الخاصّة بدخل الدولة من استثمار الغاز، لا يقل غرابة عمّا جاء في تقدير كمّيات الغاز، إذ ستراوح حصّة الدولة، وفق قوله، بين 51% و72% من مجموع أرباح الشركات العاملة، أي بين مليار و3.6 مليارات دولار سنوياً خلال الفترة الممتدة بين عامي 2026 و2066. وهذه كلّها أرقام تستند، كما تؤكّد الهيئة، إلى الدراسة التي أعدّتها في عام 2017 بعنوان «نحو تخطيط تدرّجي لقطاع البترول والغاز في لبنان». ولكن، وفق ما ورد في تقرير «الأخبار»، خالفت الهيئة تطبيق قانون حقّ الوصول إلى المعلومات، وأبلغت الصحيفة، بعد تلكؤ ومماطلة، أنها لن تسلّمها الدراسة ولن تسمح لها بالاطلاع على أرقامها وفرضيّاتها ونتائجها، بحجّة أنه «لا يمكن نشر الأرقام وعرضها بوصفها أرقاماً دقيقة كي لا يساء استعمالها إعلامياً أو يساء فهمها من قِبَل الناس». كذا بالحرف الواحد كما جاء في التقرير المنشور !
بانتظار نشر أو إمكانية الاطلاع على الدراسة المشار إليها، تستدعي تقديرات هيئة إدارة قطاع البترول، والأرقام التي عرضها رئيسها علناً، ملاحظات عديدة يمكن إيجازها في النقاط التالية:

1- تطلعات إلى ما هو أبعد بكثير عن أي أفق منظور
غريب أن يكون لبنان، حيث لا يوجد أي إنتاج ولم يحصل أي اكتشاف حتّى اليوم، أول بلد في العالم يعلن توقّعات مفصّلة حول احتمالات إنتاج الغاز وإيراداته وتقاسم هذه الإيرادات بين الدولة والشركات الأجنبية العاملة، خلال فترة تمتدّ إلى عام 2066، أي إلى ما هو أبعد بكثير من أفق المستقبل المنظور.

2- أرقام عن عمليات صناعية ليس للدولة أي دور فيها
بما أن الربح هو الدخل ناقص النفقات، فلا بدّ لتحديد الربح من معرفة مختلف عناصر الدخل والنفقات. وهذا ليس بالأمر السهل بشكل مباشر بالنسبة إلى صناعة الغاز المرتقبة في لبنان، ما دامت المادة 5 من المرسوم 43/2017، وخلافاً للقانون البترولي، قد أخرجت الدولة كلّياً من العمليات البترولية والغازية، وتركت للشركات أمر تنفيذ هذه العمليات من الألف إلى الياء، مكتفية بدور المتفرّج أو «الأطرش في الزفّة»، كما كانت عليه الحال قبل أكثر من نصف قرن في ظل الامتيازات القديمة، ما يعني أن كل الأرقام التي تشير إليها هيئة البترول عن دخل الغاز في المستقبل هي مستقاة من مصادر أخرى (لا تزال سرّية!) أو أنها مقدّرة عشوائياً. ولإضفاء الحدّ الأدنى اللازم من «المصداقية» على هذه الأرقام، كان لا بدّ من إبراز مشاركة برنامج التنمية النرويجي فيها، كما تدّعي الهيئة.

3- الخلط بين الأرقام المحسومة وغير المحسومة
من المستغرب أن يقدّم أحد كبار المسؤولين عن قطاع البترول تقديرات عن مليارات الدولارات من دخل وأرباح صناعة الغاز المقدّرة خلال عشرات السنين المقبلة، ويتناسى الإشارة إلى عامل الحسم والتمييز في التدفّقات المالية المحتملة بين القيمة الآنية للدولار، من جهة، وقدرته الشرائية عبر السنين (discounted cash flow) من جهة ثانية. ففي غياب هذا التمييز وإدخال عامل الحسم للتوصّل إلى احتساب القيمة الفعلية (net present value) للتدفّقات المالية على المدى الطويل لا يبقى أي معنى للأرقام التي تتحدّث عنها هيئة البترول، وذلك لأن جمع مليارات عام 2030 مع مليارات 2040 أو 2050 مثلاً، يشبه عملية جمع الكرز والفجل، أو خلط الدبس بالطحين، وتصبح توقّعات المليارات دعوة إلى رحلة العمر على بساط الريح!

4- حصّة خيالية للدولة من الأرباح
لم تقدّم هيئة البترول حتى الآن أي جدول أو بيان يبيّن بالأرقام وبالتفصيل طريقة الاحتساب التي اعتمدتها لدعم الادّعاء بأن حصّة الدولة من الأرباح ستراوح بين 51% و72% في إطار اتفاقيتي الاستكشاف والإنتاج اللتين تغطّيان الرقعتين 4 و9. فهذه النسب التي تلامس أو تتجاوز، كما تقول الهيئة، المعدّلات المعروفة لحصص الدول المُنتجة في سائر دول العالم، تبدو خيالية بالمقارنة مع مكوّنات هذه الحصص في لبنان والدول الأخرى، وذلك لأن هذه المقارنة تدل على أن كل عناصر دخل الدولة في لبنان، والتي ينصّ عليها المرسوم 43/2017 والقانون الخاصّ بالأحكام الضريبية، هي أدنى بكثير ممّا هي عليه في سائر أنحاء العالم. هذه العناصر تشمل في لبنان رسوم مساحات رمزية، وإتاوة على الغاز لا تتجاوز 4% من قيمة الإنتاج، أي أقل من ثلث المعيار العالمي، وهو 12.5% المطبّق منذ مطلع القرن الماضي في شتّى أنحاء العالم (بما في ذلك مصر وإسرائيل)، وضريبة 20% على الأرباح مقابل معدّل 26% في البلدان الأخرى. هذا يعطي لبنان نظرياً حصّة 37% كحدّ أقصى من الأرباح، وواقعياً أقل من ذلك بكثير بعد الأخذ بالاعتبار عامل الحسم الذي تطبّقه الشركات على رساميلها الخاصّة. مع الإشارة إلى أنه، نظراً إلى تغييب الدولة، ليس من المستبعد أن تعلن الشركات العاملة عن خسائر في سنين أو فترات معيّنة. في هذه الحالات تطير طبعاً كلّ حصّة الدولة من الأرباح ولا يبقى لها سوى نسبة الإتاوة (4%) التعيسة من قيمة الإنتاج. لذلك تبقى نظرياً حصّة 37% للدولة حدّاً أقصى ممكناً، في مقابل حصّة 65% إلى 85% التي تتقاضاها الدول التي تمارس نظام المشاركة في الإنتاج الذي نصّ عليه القانون البترولي ورماه المرسوم 43/2017 في سلّة المهملات.

إلى متى طرد الدولة من الأنشطة البترولية؟
الأهمّ والأخطر بكثير من التلاعب بالأرقام وتسخيرها لتضليل اللبنانيين، هو التعتيم المُطبق على موضوع مشاركة الدولة ودورها المحوري في الأنشطة البترولية. هذه المشاركة التي نصّ عليها القانون البترولي 32/2010 بكل وضوح، وفي مواد عديدة، على أن تكون هذه المشاركة ضمن ما هو معروف باتفاقيات تقاسم الإنتاج (Production Sharing Agreements)، التي حلّت محل الامتيازات التي تمّ تأميم آخرها في مطلع سبعينيات القرن الماضي. وكان من الطبيعي أن يتبنّى المشرّع اللبناني هذا النوع من الاتفاقيات بعد أن أصبح مطبّقاً في أكثر من 70 دولة، كونه النظام الوحيد المُتاح لكلّ دولة لا تملك الخبرة والرساميل اللازمة لاستثمار ثروتها من البترول والغاز، وتقرّر التعاقد مع متعهّد أجنبي، يقبل بتحمّل كل مخاطر التنقيب لقاء تقاسم الإنتاج مع البلد المُنتج ممثّلاً بشركة نفط وطنية. هذا ما فعلته معظم الدول النامية، علاوة على النروج وروسيا وغيرهما، ما مكّنها من اكتساب الخبرة اللازمة وتطوير العشرات من الشركات الوطنية، والاستغناء بعد فترة عن الشركات المشغّلة الأجنبية، وبسط سيطرتها على مختلف مراحل هذه الصناعة في العديد من البلدان كالجزائر ومصر وليبيا والسعودية وسائر دول الخلبج وإندونيسيا وماليزيا، إلخ…
أمّا في لبنان، وبعد الانطلاقة الطبيعية والمنطقية التي سجّلها القانون في هذا المجال، فقد جاءت أم المصائب عندما قرّر بعض الموظفين الأعضاء في هيئة إدارة قطاع البترول (وبالتعاون مع مستشارين أجانب وعلى رأسهم الجيولوجي النرويجي من أصل عراقي فاروق القاسم) إضافة المادة 5 إلى المرسوم التطبيقي 43/2017، التي تنصّ على أنه «لن يكون مشاركة للدولة في دورة التراخيص الأولى»! وهكذا، في بضع كلمات فقط، جاءت هذه المادة كعبوة ناسفة لتقوّض الركيزة الرئيسية للقانون البترولي، أي مشاركة الدولة الفعلية والمباشرة في صناعة البترول والغاز عبر نظام تقاسم الإنتاج. وهذا ما أدّى عملياً وتلقائياً إلى طرد الدولة كلّياً من الأنشطة البترولية، والتنازل عن حقوق الملكية التي تعود لها على كامل إنتاج البترول والغاز، وإمكانية مراقبة عمليات وحسابات المتعهّد الأجنبي، وحرمانها من اكتساب الخبرات اللازمة وتدريب الكوادر الوطنيين، كما فعلت كل الدول العربية وغيرها. والعجيب أنه لم تتمّ حتى يومنا هذا أي مساءلة أو محاسبة للموظّفين ومستشاريهم الذين سمحوا لأنفسهم بتزوير القانون والقفز فوق إرادة المجلس النيابي، واستباحة حقوق ملكية اللبنانيين لثروتهم الموعودة. كما أنه لم يتمّ حتّى الآن الكشف عن هوية ونيّات من ارتكبوا هذا الإجرام بحقّ كل لبناني، ولحساب من يعملون.

37% حصّة الدولة اللبنانية نظرياً، من إيرادات الغاز في حدّها الأقصى، بالمقارنة مع حصّة لا تقلّ عن 65% في البلدان المتقدّمة


نتيجة لهذا الوضع السوريالي، ما كاد التوقيع يتمّ على أول اتفاقيتي استكشاف وإنتاج في الرقعتين 4 و9، حتّى تمّ الإعلان بسرعة في مطلع هذا العام عن دورة تراخيص ثانية واستدراج عروض جديدة للاستكشاف والإنتاج في خمس من أصل ثماني رقع باقية. السؤال الجوهري الكبير ما زال مطروحاً حول مشاركة الدولة في الاتفاقيات الجديدة المُزمع عقدها، إذ إن المادة 5 من المرسوم 43/2017 تنصّ على أنه لن يكون للدولة مشاركة في «دورة التراخيص الأولى»، ما يعني أن هذه المخالفة المذهلة للقانون كانت استثنائية وأن كل الاتفاقيات المقبلة ستتمّ وفق القانون وعلى أساس ما ينصّ عليه من عقود تقاسم الإنتاج. لذلك كان من المفترض أن يتمّ الإعلان صراحة عن نسبة وشروط هذه المشاركة قبل استدراج العروض لدورة تراخيص ثانية، لأن البديهيات تقتضي إعلام المواطن اللبناني بما يجري كما تستلزم إعلام الشركات المعنية بذلك كي تجري حساباتها وتقدّم عروضها على هذا الأساس. غير أن ذلك لم يحصل، وما زال الغموض سيّد الموقف، وكأن موضوع المشاركة أو عدمها هو أمر ثانوي أو تافه لا يستحقّ التوقّف عنده.
اللافت أن مديرية نوراد (Norad) التابعة لوزارة الخارجية النرويجية المسؤولة عن متابعة اتفاقيات التعاون البترولي مع لبنان وغيره، تشير على موقعها الإلكتروني بتاريخ 28 حزيران/ يونيو 2019، إلى أنه من أهمّ إنجازات هيئة إدارة قطاع البترول في لبنان وآخرها، كان إنجازها دراسة حول مختلف «خيارات مشاركة الدولة في الأنشطة البترولية بمناسبة دورة التراخيص الثانية». إلّا أنه لم يتمّ الإعلان حتّى الآن عن «الخيار» الذي تمّ تحديده، ما يوحي بخطر أن يكون هذا الخيار هو الاستمرار في سياسة التعتيم وفي عدم المشاركة!
هكذا تسير الأمور في الجمهورية اللبنانية، وكأن موضوع الحلّ والربط في تنفيذ القانون، وفي موضوع استراتيجي بأهمّية ممارسة الدولة لصلاحياتها في صناعة البترول والغاز، أو الاستمرار في طردها من المشاركة في هذه الصناعة، هو أمر متروك لمزاج هذا الوزير أو ذاك، أو لعدد من الموظّفين والمستشارين الأجانب.
كلّ ذلك لا يمنع المسؤولين عن هذا القطاع من تكرار التصريحات، من دون أن يرفّ لهم جفن، بأن مسيرة البترول والغاز في لبنان تمتاز بأعلى درجة من الشفافية، وأن لبنان هو البلد الوحيد في العالم الذي فكّر في الانضمام إلى منظّمة الشفافية في الصناعات الاستخراجية (EITI) حتّى قبل حصول أي اكتشاف عنده. من الأفضل، لإعطاء أي معنى لهذه التصريحات الجوفاء، الاستشهاد برأي المنظّمة المذكورة حول هذا الموضوع، ولو على قصاصة ورق صغيرة، أو رأي الجهات الرسمية النرويجية حول وجه الشبه (ولو من البعيد وأبعد من البعيد) بين ما يجري في لبنان و«النموذج البترولي النرويجي» الذي يتغنّى به المسؤولون، أو الكشف عن مصير وتفاصيل توزيع 200 مليون دولار ناتجة عن بيع المعطيات (Data) الخاصّة بالمسوحات الزلزالية في المياه البحرية، إلخ…
بانتظار ذلك، يبقى التعتيم والتضليل وتبقى التصريحات والأرقام الاعتباطية التي ترمى جزافاً من دون خجل، مجرّد وسيلة لتغطية مصالح خاصّة أجنبية ومحلّية وللضحك على اللبنانيين، مع الخطر، في حال استمرت الأمور على حالها، أن تستمرّ عملية نهب ثروة البترول والغاز الموعودة، وأن يصبح لبنان ونصبح كلّنا أضحوكة للعالم!

* باحث في قضايا البترول