«تواجه الاقتصادات أحياناً صعوبات في الوفاء بالتزامات دينها، أو قد يرغب المدينون في تغيير نمط سداد التزاماتهم لأسباب مختلفة، بما في ذلك تخفيض مخاطر صعوبات الدفع مستقبلاً أو تخفيض تكلفة الاقتراض. وفي هذا السياق، قد يقومون بعمليات إعادة هيكلة الدَّين وتحويل الدَّين».

هكذا تقدّم أهم 9 منظّمات رأسمالية عالمية مسألة «إعادة هيكلة الدَّين»، بوصفها «ظاهرة شائعة» وتمثّل «إحدى سمات النشاط المتعلّق بالدَّين». وبالتالي لا تتعامل معها كواحدة من المحرمّات، كما يحصل الآن في لبنان، بل تخصّص لها أدلّة إرشادية (كتيب التعليمات) وأوراقاً وأبحاثاً، تهدف إلى التعريف بها كوسيلة أساسية من وسائل تخفيض الدَّين إلى المستوى الذي يضمن قدرة الدولة على مواصلة دفع الفوائد لفترات طويلة. وبهذا المعنى، لا تهدف عمليات إعادة هيكلة الدَّين العام، وفق هذه المنظّمات، إلى إجراء معالجة جذرية له أو التخلّص منه كلّياً، بقدر ما تهدف إلى حماية الدائنين أنفسهم من مخاطر توقّف الدولة عن الدفع وخسارة رؤوس أموالهم.
ترفض الحكومة اللبنانية كلّ طرح يهدف إلى إعادة هيكلة دينها العام، وهي تعلن في كل مناسبة أنها لن تقوم بأي عملية لتخفيض هذا الدَّين وتقليص كلفته، مهما كانت الظروف ومهما بلغت الكلفة، على الرغم من الإقرار الواسع أن مستويات هذا الدَّين باتت غير قابلة للتحمّل، وأن الفوائد التي يرتّبها تستنزف أكثر من نصف الإيرادات العامّة وتمثّل أكبر باب للإنفاق العام على حساب جميع وظائف الدولة الأخرى. تبرّر الحكومة هذا الموقف بالمحافظة على حقوق المودعين والمصارف وحَمَلة سندات الدَّين السيادية، وهي بذلك تضع حقوق هذه الفئات فوق حقوق الفئات الاجتماعية الأخرى، وتُعلي مصالحهم فوق كل المصالح. ولكن وفق منطق المنظّمات الرأسمالية المذكورة فإن استبعاد إعادة هيكلة الدَّين العام في ظروف شبيهة بالظروف التي يمرّ بها لبنان قد ينطوي على تهديد لمصالح المودعين والدائنين أنفسهم على المدى المتوسط أو البعيد، بمعنى أن موقف الحكومة الحالي محكوم بنظرة قصيرة الأجل، تقوم على مبدأ شراء المزيد من الوقت قبل أن تضطر إلى القيام بعمل ما يطال الدَّين نفسه، أصلاً وفائدة.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

تصدر عن صندوق النقد الدولي مطبوعتان إرشاديتان بين الحين والآخر، الأولى تحمل اسم «إحصاءات دين القطاع العام: مرشد لمعدِّيها ومستخدميها»، والثانية تحمل اسم «إحصاءات الدَّين الخارجي: مرشد لمعدِّيها ومستخدميها». وهذان الدليلان يعدّهما خبراء من فرق العمل المشتركة بين الوكالات المعنية بالإحصاءات المالية، التي تضمّ إلى جانب الصندوق كلّاً من البنك الدولي، الأمم المتحدة، بنك التسويات الدولية، منظّمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، المفوضية الأوروبية، البنك المركزي الأوروبي، أمانة الكومنولث، ونادي باريس. ووفق هاتين المطبوعتين، حصلت بين عامي 1950 و2010 أكثر من 600 عملية إعادة هيكلة للدَّين العام في 95 بلداً، 90% من هذه العمليات طالت القروض المصرفية و10% طالت سندات الدَّين السيادية المتداولة في الأسواق. كما حصلت بين عامي 1956 و2011 أكثر من 426 عملية إعادة هيكلة للدَّين في إطار ما يسمّى «نادي باريس»، شملت 89 بلداً مختلفاً. وبلغت قيمة الديون التي تمّت معالجتها في هذا السياق نحو 563 مليار دولار.
كيف تعرّف هاتان المطبوعتان إعادة هيكلة الدَّين العام؟ وما هي الأشكال التي تتخذها؟

تعريف إعادة هيكلة الدَّين
تُعرَّف إعادة هيكلة الدَّين بأنها اتفاق بين الدائن والمدين (قد يشمل أطرافاً أخرى في بعض الأحيان)، يتمّ بموجبه تغيير الشروط المحدّدة لخدمة دين قائم. وتنطوي هذه العملية، عادة، على تخفيف أعباء المدين من الشروط الأصلية لالتزامات الدَّين، وربّما تكون ردّ فعل لنقص السيولة عندما لا يملك المدين الموارد النقدية لأداء مدفوعات خدمة الدَّين المستحقّة، أو بغرض إتاحة الاستمرارية في تحمّل أعباء المديونية، حيث من غير المرجّح أن يكون المدين قادراً على الوفاء بالتزامات ديونه في الأجل المتوسّط.
وتنقسم عملية إعادة هيكلة الدَّين إلى خمسة أنواع رئيسية هي:
- شطب الدَّين، وهو إجراء من طرف واحد يقوم به المدين أو الدائن بهدف التخلّص من عبء الدَّين.
- الإعفاء من الدَّين، وهو تخفيض مقدار التزام الدَّين أو إطفاؤه من جانب الدائن عن طريق ترتيب تعاقدي مع المدين.
- إعادة جدولة الدَّين أو إعادة تمويله (أو مبادلة الدَّين)، وهي تغيير شروط المبلغ القائم، الذي قد يؤدّي إلى تخفيض عبء الدَّين بالقيمة الحاضرة.
- تحويل الدَّين والسداد المبكر للدَّين (أو إعادة شراء الدَّين مقابل النقد)، حيث يقوم الدائن بمبادلة مطالبة الدَّين بشيء ذي قيمة اقتصادية لا يأخذ شكل مطالبة دين أخرى على المدين نفسه.
- تحمّل الدَّين ومدفوعات سداد الدَّين نيابة عن وحدات أخرى وهو ما يحدث عندما يشارك طرف آخر معنيّ أيضاً.
وقد تتضمّن تدابير إعادة هيكلة الدَّين أكثر من نوع واحد من الأنواع المذكورة أعلاه، على سبيل المثال، تؤدّي معظم تدابير إعادة تنظيم الدَّين التي تنطوي على إعفاء من الدَّين أيضاً إلى إعادة جدولة جزء الدَّين الذي يتمّ الإعفاء منه أو إلغاؤه.

شطب الدَّين وتخفيض قيمته
هو إجراء من طرف واحد، يقوم بموجبه المدين أو الدائن بتخفيض المبالغ المستحقّة. وعادة ما يُتّخذ هذا الإجراء عندما يخلص دائن ما إلى أن المدين لن يكون قادراً على سداد جزء من الدَّين أو كلّه (وذلك في حالات كثيرة بسبب إعسار المدين). أو قد يلجأ إليه المدين في إطار سياسة عامّة تهدف إلى التخلّص من عبء الدَّين لتسوية أوضاع الاقتصاد أو المالية العامة.

الإعفاء من الدَّين
هو الإلغاء الطوعي للدَّين كلّياً أو جزئياً بموجب اتفاق تعاقدي بين دائن ومدين. وهو غير شطب الدَّين، وينطوي على اعتراف من الدائن وحده بعدم إمكان تحصيل المبلغ من المدين. ويمكن أن يشمل الإعفاء من الدَّين إسقاط كل المبلغ الأصلي القائم أو جزء منه، بما في ذلك متأخّرات الفائدة المستحقّة، وأيّ تكاليف فوائد أخرى مستحقّة. ولا يصنّف إلغاء مدفوعات الفائدة المستقبلية التي لم يحِن موعد أدائها ولم تُستحقّ بعد كإعفاء من الدَّين.

إعادة جدولة الدَّين
تتمّ عبر اتفاق ثنائي بين المدين والدائن، يشكل تأجيلاً ممنهجاً لمدفوعات خدمة الدَّين وتطبيق آجال استحقاق جديدة ولفترات أطول بوجه عام. وعادة ما تشمل الشروط الجديدة عنصراً أو أكثر من العناصر التالية: تمديد فترات السداد، وخفض سعر الفائدة المتعاقد عليه، بالإضافة إلى تمديد فترات السماح لسداد الفائدة والمبلغ الأصلي، وتثبيت سعر الصرف عند مستويات مواتية للديون بعملات أجنبية، وإعادة جدولة سداد المتأخّرات.

إعادة تمويل الدَّين
تنطوي إعادة تمويل الدَّين على الاستعاضة عن أداة أو أدوات دين قائمة، بما في ذلك أي متأخّرات، بأداة أو أدوات دين جديدة أقل كلفة. ويمكن أن تنطوي هذه العملية على مبادلة قرض قائم بقرض جديد أو مبادلة قروض بسندات.

تحويل الدَّين

المقصود بتحويل (مبادلة) الدَّين هو استبدال الدَّين - عادة بخصم (على القيمة) - بمطالبة غير منشئة للدَّين (مثل حصص الملكية) أو بأرصدة مقابلة يمكن استخدامها في تمويل مشروع أو سياسة معيّنة. وفي الأساس، ينطوي تحويل الدَّين على إطفاء دين القطاع العام وإنشاء خصم لا يدخل في عداد الدَّين. وتتضمّن الأمثلة الشائعة على تحويل الدَّين عمليات مبادلة الدَّين بحصص الملكية، أو مبادلة التزامات الدَّين الخارجي بالصادرات أو مبادلة التزامات الدَّين بالأصول المقابلة التي يقدّمها المدين للدائن لغرض محدّد مثل حماية الحياة البرّية والصحّة والتعليم والحفاظ على البيئة (مبادلة الدَّين ببرامج التنمية القابلة للاستمرار).

السداد المبكر للدَّين
تتألّف عملية السداد المبكر للدَّين من إعادة شراء الدَّين أو السداد المبكر له، بشروط متّفق عليها بين المدين والدائن. ويطفأ الدَّين مقابل سداد مبلغ نقدي متفق عليه بين المدين والدائن. ويمكن أن يكون السداد المبكر للدَّين مدفوعاً برغبة المدين في خفض تكاليف محفظة ديونه من خلال الاستفادة من الأداء الاقتصادي الملائم أو أوضاع السوق المواتية في إعادة شراء الدَّين.

تحمّل الدَّين
هو اتفاق ثلاثي الأطراف بين دائن ومدين سابق ومدين جديد (طرف ثالث) يتحمّل المدين الجديد بموجبه مسؤولية الالتزامات القائمة على المدين السابق والمستحقّة للدائن، ويكون مسؤولاً عن سداد الدَّين (أي إطفاء التزامات المدين الأصلي). وقد تقوم إحدى وحدات القطاع العام بسداد قرض معيّن أو أداء مدفوعات محدّدة، بدلاً من تحمّل الدين نيابة عن وحدة مؤسسية أخرى.


3 خطوات لتجنّب أزمات الديون
يحذّر صندوق النقد الدولي، في مقال تحت عنوان «ثلاث خطوات لتجنّب أزمات الدَّين»، من أن «مستويات الدَّين المرتفعة يمكن أن تجعل الحكومات أشدّ تعرّضاً لتضييق الأوضاع المالية العالمية وارتفاع تكاليف الفائدة. ويمكن أن يساهم هذا في حدوث تصحيحات سوقية، وحركات حادّة في أسعار الصرف، وزيادة ضعف التدفّقات الرأسمالية، ما يمكن أن يفاقم القضايا المتعلّقة بإمكانية تحمّل الديون».
ويعتقد كاتبا المقال مارتن مولايزن ومارك فلاناغان أن «المشكلات تنشأ حين يكون الدَّين مرتفعاً بالفعل والموارد المستمدّة من القروض الجديدة لا تُنفَق بحكمة (وذلك لأسباب منها الفساد وضعف المؤسّسات)، أو حين يصاب البلد بكوارث طبيعية أو صدمات اقتصادية، مثل حركات أسعار الصرف أو التحوّلات المفاجئة في اتجاه التدفّقات الرأسمالية، تضعف قدرته على سداد الدَّين. وتلك المشكلة الأخيرة تعاني منها الآن بعض بلدان الأسواق الصاعدة».
ويشيران إلى أن «كثيراً من هذه البلدان يحتاج إلى موارد إضافية كبيرة للتنمية، وقد اعتمدت بنحو متزايد في تأمين التمويل الخارجي على إصدار السندات السيادية والاقتراض من مقرضين رسميين جُدد ودائنين تجاريين أجانب. وغالباً ما تأتي السندات السيادية والقروض التجارية بأسعار فائدة أعلى وآجال استحقاق أقصر، ما يزيد من تكلفة خدمة الدَّين ويضفي مزيداً من التعقيدات على مهمّة إدارتها».
يطرح المقال ثلاث أولويات للسياسات الرامية إلى التعامل مع أزمة الدَّين:
أوّلاً، اعتماد سياسة في الإنفاق العام تُبقي «الدَّين العام على مسار يمكن الاستمرار في تحمّله»، واعتماد سياسة «رفع الإيرادات الضريبية قبل الاستعانة بقروض جديدة».
ثانياً، إعداد تقارير شاملة وشفّافة عن الدَّين العام، و«منع تراكم التزامات مُستترة كبيرة تتحوّل مع الوقت إلى دين حكومي صريح».
ثالثاً، إعادة هيكلة الدَّين العام، «إذا تطلّب الأمر». فنظراً إلى ارتفاع مستوى الدَّين، ينبغي التفكير في كيفية «تسوية أزمات الديون».