تضع مبادرة «فكّر إسكان»، التي أطلقت بين استوديو أشغال عامّة ونقابة المهندسين في بيروت وبرنامج الأمم المتّحدة للمستوطنات البشرية وتحت رعاية المؤسّسة العامّة للإسكان، تصوّرات بديلة للسكن في خمسة أحياء قديمة في بيروت يمكن تعميمها وتحويلها إلى سياسات عامّة وشاملة تطبّق في مختلف المناطق.

بعض هذه التصوّرات يحتاج إلى قرار سياسي مثل إقرار برنامج الإيجار العادل، وفرض الضرائب لتمويل عمليّات تنظيم السوق العقارية، وتوفير السكن الميسّر لأصحاب ذوي الدخل المنخفض والمتوسّط، وخلق مدينة أكثر انسجاماً. فيما يمكن المباشرة بتنفيذ تصوّرات أخرى استناداً إلى القوانين المرعية كقانون التعاونيات السكنية.
تشير المخطّطة المدينية نادين بكداش إلى أن «هذه التصوّرات تستند إلى قاعدة بيانات مُجمّعة عن 7 أحياء بيروتية، وتطرح رؤى مستقبلية لمشكلة آنية تتمثّل بالتهجير المستمرّ للسكّان الأكثر هشاشة، مستأجرين كانوا أو مالكين، لبنانيين أو أجانب، لتصبح هذه التصوّرات نقطة انطلاق لنقاش عام حول الحقّ في السكن في لبنان، وللردّ على إشكالية أساسية هي: كيف يمكن الناس الذين لا تشملهم أية حقوق ملكية أن يقطنوا في المدينة؟».
في الواقع، تمثّل هذه الاقتراحات المُختارة بدائل للممارسات الحالية في التطوير العمراني السائد في لبنان الذي يقام على حساب الناس وعلاقاتهم الاجتماعية وبيئتهم العمرانية، وتقدّم نموذجاً قد يصلح ربّما لوضع سياسات إسكانية عامّة ودامجة وإرساء مقاربة متكاملة للسكن، باعتباره أكثر من مجرّد مأوى، بل سلسلة من الشبكات الاجتماعية والوصول إلى الموارد التي توفّرها بيئة السكن.

فكّر إسكان: نحو سكن مُيسَّر ومدينة دامجة

نادين بكداش، عبير سقسوق، مونيكا بصبوص - استوديو أشغال عامّة
اللجنة التوجيهية لمبادرة فكّر إسكان

وفقاً لمسح أجراه برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي في عام 2008، تبلغ نسبة المستأجرين في بيروت 49.5%. ومع ذلك، فإن كلّ المبادرات في مجال الإسكان لا تركّز إلّا على ملكيّة الشقق، متناسية سوق الإيجارات الذي يزداد فوضى.
على مدار سنوات دُعمت هذه المبادرات بازدياد الطلب على الإسكان، بشكل أساسي، من الشتات. إذ يسعى المغتربون اللبنانيون في أنحاء العالم، وخصوصاً في دول الخليج المصدّرة للنفط، إلى شراء منازل في وطنهم.
شهدت أسعار المساكن في لبنان ارتفاعاً بنسبة تزيد على 300% بين عامي 2007 و2013، أي 15 مرّة أكثر من الزيادة في الدخل خلال الفترة نفسها. لكن بعد عام 2014، هدأت السوق، وانخفضت الأسعار، وانخفض معها عدد الصفقات العقارية.
هناك جدل حادّ بين المستثمرين العقاريين والمحلّلين اللبنانيين في ما إذا كان تبريد سوق الإسكان الذي بدأ عام 2015، يدلّ على انفجار فقّاعة الإسكان.
يعتقد المتشائمون أن الأسباب الكامنة وراء الخوف من تجمّد سوق الإسكان منطقية. فأولاً، بسبب الانخفاض المستمرّ في أسعار النفط خلال عامي 2014 و2015، خفَض مشترو المنازل اللبنانيون المقيمون في دول الخليج استثماراتهم وتحويلاتهم المالية إلى وطنهم، وهم يعتبرون وقود المحرّك الاقتصادي اللبناني. وثانياً، ألقى تدفّق اللاجئين السوريين إلى لبنان منذ اندلاع الحرب في سوريا عام 2011 بظلاله على الاقتصاد اللبناني. وثالثاً، منعت حكومات الخليج مواطنيها الذين يشترون عادة بيوت عطلات فخمة في لبنان من السفر إليه لأسباب أمنية، فتعثّر أحد المكوّنات الرئيسية للطلب العقاري منذ عام 2012. ورابعاً، ارتفع دين السوق بنحو مفرط منذ عام 2007.
لكن في المقابل، قدّم البنك المركزي، على مدى سنوات، أسعار فائدة مدعومة على القروض تصل إلى 500 ألف دولار لكل مشترٍ (قبل إيقاف الدعم مطلع السنة الماضية). وبالتوازي، وجد سوق ظلّ للتمويل لشراء منازل خارج القطاع المصرفي، حيث يعرض المطوّرون على مشتري البيع دفع مبلغ صغير كدفعة أولى منخفضة ويسدّدون الباقي بأقساط متساوية خلال فترة البناء، فيما يدفع جزء من المبلغ عند التسليم.
أدّى كلّ ذلك إلى تباطؤ سوق الإسكان، وإلى فائض في الإمداد، ما انعكس في مئات المنازل غير المسكونة في بيروت وأماكن أخرى في البلاد. فهل كانت هذه حقّاً فقّاعة الإسكان التي انفجرت؟
في الحقيقة، لا يخضع سوق الإسكان في لبنان للبحث الكافي، والسبب الرئيسي هو عدم وجود بيانات السلاسل الزمنية حول أسعار المساكن. لكن وفقاً لمعظم الدراسات المُنجزة، ينطوي سوق الإسكان في لبنان ما بعد الحرب على مستوى عالٍ من اللامساواة في الدخل ووجود مؤسّسات مختلّة.
يطرح رايموند سترويك في كتابه «سياسات الإسكان للفقراء الحضريين»، السؤال الآتي: «ما هي سياسة الإسكان الأفضل؟»، وكان جوابه: «يعتمد ذلك على الأهداف التي تعتبر من الأهمّ، وعلى الظروف في سوق الإسكان، وعلى الدخل وارتفاع عدد الأسر وتكلفة إنتاج المساكن. في الواقع، لا توجد إجابة واحدة، وقد لا يكون هناك إجابة واحدة لكل منطقة حضرية».
بالنسبة إلى لبنان، عند دراسة الدينامية الاقتصادية لسوق الإسكان ووضع سياسات إسكان جديدة ينبغي معالجة التحدّيات الآتية:
أولاً، التحدّيات المؤسّساتية والتنظيمية التي نتجت من غياب سياسات الإسكان والأراضي. إن ممارسات البناء وأنماط التطوير الحالية تعزّز التمدّد العمراني ومشاريع التجديد الحضري على حساب القيم الاجتماعية والتاريخية والثقافية.
ثانياً، التحدّيات الاقتصادية التي تنبع من العجز عن تحمّل تكاليف الإسكان، بسبب ارتفاع أسعار الأراضي وتصاعد الإيجارات مقارنة بالإيرادات والنفقات الإجمالية للأسر.
ثالثاً، التحدّيات المتعلّقة بشرائح المجتمع المُهدّدة بالتهجير بسبب الممارسات المُسيطرة على السوق العقارية، وقانون الإيجارات الجديد الذي أُقرّ عام 2014.
رابعاً، تعلّق مصير عدد كبير من سكّان المدينة المسنين بمالكي المباني بفعل إلغاء «قانون الإيجار القديم»، وترافق هذه العلاقة غير المتوازنة بانسحاب الدولة من كلّ التزاماتها في تأمين السكن الاجتماعي، كأنها قامت بـ«خصخصة» سياسة الإسكان، من خلال إحالة مسؤولية إسكان بعض مواطنيها (المستأجرين) على مجموعة أخرى من المواطنين (الملّاك)، وتحويلها حقّ المرء في السكن في المدينة إلى مسألة «خاصّة» تحلّ في المحاكم بدلاً من حمايتها بسياسات عامّة.
خامساً، التفاوت الاجتماعي والاقتصادي والتمييز الطبقي والطائفي والتجزئة التي تخضع لها أحياء بيروت الغنية تاريخياً وثقافياً.
تشير هذه التحدّيات إلى ضرورة إعادة التفكير في أنماط التنمية الحالية واستخدام الأراضي والوظائف والتنظيم المؤسّسي، بطرق تؤمّن حماية النسيج الحضري ومساكن ميسّرة، والحفاظ على مستوى كافٍ من التجديد الحضري وتدفّق السكّان الجدد إلى المدينة، فضلاً عن معالجة مجال مهمّ، لكي تصبح أسعار الإسكان معقولة، وهو الضرائب على أرباح رأس المال للمساعدة في تمويل بناء المساكن العامّة أو تقديم إعانات الإيجار للفقراء.
الإيجار العادل المموّل من الضرائب

إعداد: رولا خوري فياض، كانديس نعيم، ليا حلو، فادي منصور، باتريك أبو خليل، علي أسعد
أي مشروع إسكان في بيروت (وغيرها من المناطق) من المُفترض أن يتيح السكن باعتباره حاجة اجتماعية لا مصدراً لمراكمة الأرباح، وأن يفترض وجود مجتمع متجذّر بعمق في المدينة، ليكون الهدف النهائي منه استعادة حقّ السكّان بالمدينة (بيروت) بدلاً من إبقائها مساحة متاحة للقلّة.
انطلاقاً من هذه المعايير، يدعو اقتراح «بيئة إسكانية حافظة» إلى استخدام مخزون المساكن والبناء القائم كمورد حضري مشترك يؤمّن الإسكان لكثيرين داخل المدينة، بعيداً من نمط تسليع المساكن السائد ونموذج النمو الاقتصادي القائم على التداول العقاري والمضاربة، بما يضخّم اللامساواة المكانية والاجتماعية.
أنقر على الرسم البياني لتكبيره

يفصّل الاقتراح سيناريو يهدف إلى وضع تنظيم مؤسّسي لقطاع العقارات ينطلق من تعزيز دور المؤسّسة العامّة للإسكان عبر إدارتها برنامجاً للإيجار العادل والقيام بالأبحاث الإسكانية الدورية، بهدف إنشاء نظام متوازن لتنظيم قطاع العقارات المتضخّم، ووضع قيمة سوقية للإيجار أكثر ملاءمة، وتوفير الوحدات الإسكانية بأسعار معقولة، والقيام بإعادة تقييم مستمرّة بين الطلب على المساكن والإمداد بها. بحيث يُفترض ببرنامج الإيجار العادل أن يعالج الإيجارات القديمة والشواغر بدلاً من استعمالها في المضاربات، وتوفير جغرافيا جديدة للعمليّات الإسكانية.
يقوم البرنامج على آلية توزيع عادلة للموارد والملكية الاجتماعية تنطلق من تنفيذ سلسلة إصلاحات أبرزها: 1- استعادة دور الدولة ومسؤولياتها في تسهيل حصول المواطنين على مساكن بموجب قانون الإسكان وقانون البلديات اللذين يحدّدان المسؤوليات المشتركة لكلتا السلطتين في توفير المسكن. 2- فرض ضوابط أكثر صرامة على عمليّات التطوير العقاري الجديدة وإجراء إصلاحات على القوانين المتعلّقة بدمج العقارات عبر دعم إنشاء المباني والمساحات المُصمّمة وفقاً لما يتلاءم مع البيئة الإيكولوجية السكنية القائمة وما يساهم في استدامتها. 3- فرض ضريبة أكثر ملائمة على الربح الرأسمالي المتولّد عن المبيعات العقارية. 4- إصلاح القوانين المتعلّقة بتقييم المباني الأثرية والحق بهدمها انطلاقاً من كون الإسكان لا ينتج ولا يوزّع لخدمة أرباح المطوّرين ومقدّمي خدمات الإسكان، بل ليحافظ على الاستقرار العام للنظام بمعنييه الاقتصادي والسياسي. 5- فرض الضرائب على العقارات الشاغرة لدفع أصحابها باتجاه عرضها في سوق الإيجار بما يساهم بخفض قيمة الإيجارات وأسعار المساكن وتوفيرها لأكبر عدد ممكن.
ينتج من هذه الإصلاحات توفير التمويل اللازم لتنفيذ برنامج الإيجار العادل من خلال توليد إيرادات من ضريبة أرباح الشركات والأرباح الرأسمالية والضرائب المقترحة، وإنفاقها في مساعدة ملّاك العقارات لتجديد مبانيهم القائمة ومساعدتهم في تأجيرها بالقيمة السوقية بعد تسجيل هذه الممتلكات لدى المؤسّسة العامّة للإسكان كشكل من أشكال الملكية الاجتماعية، وتقوم المؤسّسة العامّة للإسكان بإدارة عملية تأجير هذه الوحدات بأسعار مدعومة لذوي الدخل المنخفض وبأسعار السوق لمن لا تتوافر فيه شروط الدعم، ولكن بأسعار معقولة على أساس التقييم المستمرّ للطلب، على أن تتيح الأموال الناتجة من إيجارات العقارات المُسجّلة بسعر السوق في تمويل فرق القيمة للوحدات المدعومة وتحقيق توازن في برنامج الإيجار العادل.
التعاونيات: مصلحة الجماعة VS المصلحة الخاصّة

إعداد: عمر عبد الصمد، سارة الخطيب، كريستينا هاشم مجدلاني، محمد الشمعة، سهى منيمنة، رانيا نويهض، رولاند نصّور، دنيا عز الدين، جوليا قاسم (الجامعة الأميركية في بيروت)
ينطلق معدّو مقترح «طريقة جديدة للسكن» من أن المدن بحاجة لأن تكون شاملة، ومن كون السكن حقّ لا سلعة. يركّز المقترح على المجمّعات السكنية حيث يكون طابع الملكيّة معقّد ويجري إقصاء المستأجرين عن صنع القرار، ويستند إلى نموذج التعاونيات كحلّ مناسب.
يدعو المقترح إلى إعادة تفعيل القوانين القائمة، ولا سيّما قانون تعاونيات الإسكان والقوانين الضريبية، كحلّ يمكّن السكّان من السيطرة على بيئتهم المعيشية وتملّك مساكنهم وإدارتها، لكن من دون الادعاء أن هذا النموذج قادر على الحلول مكان سوق المضاربة التي لا يمكن التحكّم فيها إلا بسياسات الإسكان العادلة.
أنقر على الرسم البياني لتكبيره

تعدّ تعاونية الإسكان كياناً قانونياً غير ربحي، ذا رأس مال غير محدود، ويملك أسهم عقارية لتوفير مساكن بأسعار معقولة لسكانها. وهي تقوم على أساس العضوية، بحيث يمنح كلّ عضو فيها أسهماً تمثّل حقّه في إشغال مسكن ضمن هذه التعاونية. وفيما يتناسب عدد الأسهم مع قيمة الشقّة لناحية الحجم والمواصفات، إلّا أن حاملها لا يمنح سوى صوت واحد كضمانة لحقوق التصويت المتساوية لكل أعضاء التعاونية والإبقاء على مفهوم المسكن كحقّ لا سلعة.
يُفترَض بهذا النموذج أن يكون حلّاً لقضايا تضارب ملكيّة العقارات وتحويل كل المطالبات إلى أسهم، ومن الحلول الملائمة لذوي الدخل المنخفض من خلال استفادتهم من مفاعيل قانون التعاونيات الذي يقدّم إعفاءات ضريبية وإعفاءات من الرسوم ويمكّنهم من الحصول على مساكن أرخص، كما الاستفادة من تمويل القطاعين العام والخاص والمؤسّسات الخيرية لترميم المباني وتحديثها.
أمّا مصادر تمويل التعاونية، فهي متنوّعة، من ضمنها رسوم شهرية يمكن فرضها على المقيمين للصيانة والتشغيل، قروض المؤسّسة العامّة للإسكان، المنح التي تقدّمها مديرية التعاونيات، صندوق المستأجرين القدامى المُنشأ بموجب قانون الإيجارات الجديدة، والذي يستفيد منه المستأجرون القدامى الذين لا يزيد دخلهم عن خمسة أضعاف الحدّ الأدنى للأجور، نفقات بلدية بيروت المخصّصة للقضايا الخيرية، والقطاع الخاص من جمعيات غير حكومية وغيرها...
السكن المُيسّر لعدم إقصاء الفقراء إلى خارج المدينة

إعداد: لين همدر، هيفاء أبو ابراهيم، بترا فيلاغرانا، عتاب قبلان، شريف ترحيني (الجامعة الأميركية في بيروت)
يقول برناردو سيكي: «إنه لخطأ كبير إبقاء الفقراء خارج وسط المدن ومراكز النشاط». ينطلق معدّو اقتراح «تحفيز السكن المُيسّر» من هذه المقولة لتقديم نموذج يحافظ على وجود الفقراء في وسط المدينة، ويسمح لهم بالوصول إلى الفرص الاقتصادية والاجتماعية المتوافرة، والحصول على السكن المُيسّر ضمن هذه الرقعة، بما يساهم بإحياء المدينة وإعادة إثراء مزيجها السكاني وعدم حصره بقلّة من الأغنياء وأصحاب الرساميل، فضلاً عن توفير اليد العاملة بالقرب من مركز النشاط.
أنقر على الرسم البياني لتكبيره

يقوم الاقتراح على خلق «محفّز حضري»، أي فضاء لتعزيز بقاء سكّان الأحياء الفقيرة الملاصقة لوسط المدينة في مكانهم، عبر تنفيذ وحدات سكنية بأسعار معقولة تتلاءم مع إمكاناتهم، ومع مصالح المطوّرين الذين سيحصلون على أرباح محدودة ولكن مستمرّة نظراً إلى إمكانية هذه المناطق على استقطاب ذوي الدخل المحدود واليد العاملة التي تحتاج إلى مساكن بصورة دائمة ومستمرّة.
ويبحث المقترح عن سبل تمويل أخرى تستند إلى القوانين التي ترعى المحافظة على المناطق الحضرية والمباني التراثية، والاستفادة من المخصّصات المُتاحة لها قانوناً من الأموال العامّة. ويقترح إخضاع عقاراتها لإعادة الضمّ والفرز بما يسمح بتحديد مساحات للاستخدام المشترك وإعادة تشكيل تقسيم المباني وتوفير وحدات جديدة من المساكن بأسعار معقولة.