انطلق منتدى الاقتصاد العالمي في دافوس - سويسرا، الثلاثاء الماضي. وقبل عامين فقط ألقى الرئيس الصيني تشي كلمة بارزة حاجج فيها من أجل المزيد من التجارة والاستثمار على مستوى العالم، في تعارض تامّ مع تهديدات الرئيس الأميركي المُنتخب حديثاً (آنذاك) دونالد ترامب بفرض تعريفات جديدة بحجّة مفترضة، هي حماية العمّال الأميركيين. العام التالي، توجّه ترامب إلى جمهور من قادة الشركات وعمالقة التمويل والتكنولوجيا والإعلام الاجتماعي وزعماء دول آخرين، ليؤكّد استمرار شعار «أميركا أولاً»، وليعلن أن الحرب التجارية مع الصين ستستعر.

لكن هذا العام، يبدو الاضطراب السياسي كبيراً على مستوى كل الاقتصادات الرئيسية، إلى درجة أن لا ترامب (بسبب إغلاق الحكومة نتيجة الخلاف على بناء «الجدار»)، ولا تشي حضرا إلى دافوس. كذلك غاب الرئيس الفرنسي ماكرون (المُثقل باحتجاجات السترات الصفراء)، ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي (التي عليها التعامل مع كارثة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي). ولم يحضر سوى رئيس الوزراء الياباني آبي و«البطّة العرجاء» المستشارة الألمانية ميركل.
يُعدّ منتدى دافوس مساحة نقاش لقادة رأس المال العالمي والعولمة (حرية حركة رأس المال والتجارة متعدّدة الجنسيات من دون قيود وطنية) ومؤيديهما. فالعولمة جزء من المشروع النيوليبرالي لتعظيم الأرباح، على الرغم من أن هذا الهدف يختفي تحت عباءة رؤية اقتصادية تقليدية ترى أنه سيجلب النمو والدخل للجميع.


وترى النخبة في دافوس أن هذه البروباغندا قد انفضحت، بدليل استفحال الفقر واللامساواة في العالم. لذلك يريد منظّمو دافوس التركيز على كيفية قلب التراجع الإضافي على مستوى العولمة، أي التجارة الحرّة وحركة رأس المال (والعمالة؟) في مواجهة النمو البطيء، لا بل الراكد منذ الركود الكبير وصعود «الشعبوية» في حكومات إيطاليا وهنغاريا وبولندا في أوروبا وترامب في الولايات المتّحدة وبولسونارو في البرازيل (الموجود في المنتدى).
بالتزامن مع اجتماع الأثرياء و«الكبار» لمناقشة قضايا العالم، أصدر صندوق النقد الدولي أحدث توقّعاته للنمو العالمي الحقيقي في الناتج المحلّي الإجمالي، وخفّض تنبّؤاته للمرّة الثانية خلال ثلاثة أشهر. واليوم يتوقّع الصندوق أن ينمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.5% عام 2019، أي أقل من عام 2018. وستكون هذه النسبة الأدنى منذ عام 2016. بما يقضي على الآمال بالعودة إلى معدّلات النمو التي سبقت الركود الكبير على مستوى التجارة والإنتاج. وللسنة الحادية عشرة على التوالي، سيستمرّ الكساد الطويل المتمثّل بالنمو المنخفض والتجارة الخفيفة والاستثمار المتراجع، وقبل كل شيء (بالنسبة إلى العمالة) النمو الضئيل في الدخل الحقيقي. ووفق تقرير صندوق النقد الدولي، فإن «التوسّع العالمي يضعف بمعدّل أسرع إلى حدّ ما من المتوقّع». لكنه لا يزال يعتقد أن النمو سيبلغ 3.6% عام 2020، لكن المخاطر تولِّد تأثيرات معاكسة إضافية عليه.

أنقر على الرسم البياني لتكبيره

جاء تقرير الصندوق في الأسبوع نفسه الذي سجّل فيه الناتج المحلّي الإجمالي الحقيقي للصين تباطؤاً في النمو في الفصل الرابع من عام 2018 إلى 6.4% فقط على أساس سنوي، وهو المعدّل الأبطأ منذ فترة الركود الكبير. وعلى الرغم من ذلك، لا يزال معدّل النمو هذا أعلى بكثير من نمو أي من الاقتصادات الرأسمالية الكبرى في مجموعة السبع، التي لم تتمكّن سوى تحقيق نمو يراوح بين صفر (إيطاليا) و2.5% (الولايات المتّحدة). وحتى الاقتصاد الأقوى في أوروبا، أي الاقتصاد الألماني، أعلن في وقت سابق من هذا الشهر، أنه سجّل عام 2018 أضعف معدّل نمو خلال خمس سنوات. كذلك إن معدّل النمو في الصين لا يزال أيضاً أعلى من نظيره في أي اقتصاد آخر في مجموعة العشرين باستثناء الهند (حيث مقياس الناتج المحلّي الإجمالي هناك مشكوك فيه أكثر مما يعتقد الاقتصاديون أنه مشكوك فيه في الصين).
سجّل نمو التجارة العالمية في عصر العولمة توسّعاً منذ منتصف ثمانينيات القرن العشرين، أسرع من الناتج المحلّي الإجمالي العالمي بمعدّل وسطي راوح بين 2 و1%. وارتفعت الأصول المالية بنحو هائل. لكن منذ الركود الكبير، نمت التجارة ببطء على غرار الناتج المحلّي الإجمالي العالمي، فيما ساد الركود الأصول المالية العالمية نسبة إلى الناتج المحلّي الإجمالي العالمي.
يروّج فريق دافوس بشدّة لقضية العولمة في تقاريرهم. ويقولون لنا إن «العولمة على قيد الحياة وبصحّة جيّدة. فهي نظام دولي فعّال ومرن يشمل الدول القومية القوية، ولذلك هو نظام ضروري». لكن التحدّيات التي تواجه العولمة ما زالت قائمة، بينها تزايد اللامساواة والأضرار الناجمة عن التغيّر المناخي، وفقدان الوظائف نتيجة التكنولوجيا الرقمية، ونهاية دور الولايات المتّحدة المُهيمن في العالم. لكن ما زال منتدى دافوس يأمل حصول موجة عولمة جديدة من أجل المحافظة على «النظام الليبرالي الحالي» وإعادة إرساء التفاؤل بشأن «الوحدة العالمية» عبر جعل «الدمج الاقتصادي والإنصاف أولوية».

أنقر على الرسم البياني لتكبيره

كتب مارتن وولف، أحد مؤيّدي «النظام الليبرالي» والصحافي في «فاينانشيال تايمز»، عام 2004، كتاباً بعنوان «لماذا تنجح العولمة»، وكان عليه أن يعترف بأنه منذ الركود الكبير والكساد الطويل أصبحت «النُخب - رجال الأعمال والنُخب المالية - مكروهة بشكل متزايد». لذلك «نحتاج إلى وضع سياسة تجعل الناس يفكّرون مرّة أخرى في أن مجتمعاتهم تدار بطريقة لائقة وحضارية». وهذا الأسبوع، أعرب وولف عن أمله أن تنتعش «العولمة» من خلال اجتياح الروبوتات للعالم عبر دمجها بالذكاء الاصطناعي. ومن شأن ذلك أن «يعزّز العولمة»، إذ إن «العديد من المهمّات التي يقوم بها البشر الآن سيقوم بها الذكاء الاصطناعي والروبوتات، ما يؤدّي إلى حدوث ثورة في العديد من الأنشطة الخدمية يكون لها آثار اقتصادية واجتماعية عميقة ومزعزعة للغاية». ولكن هذا لا يبدو اتجاهاً من شأنه تحقيق الوحدة العالمية والمحافظة على النظام الليبرالي، فوفق وولف، إن «اكتشاف طرق جديدة لإلغاء المسافات والقفز عن الحواجز» يعني أنه «على المدى الطويل» قد يفوز النظام الليبرالي وتستمر العولمة ولو بدت هذه الطرق «وعرة للغاية على المدى القصير».

* Michael Roberts Blog

* ترجمة: لمياء الساحلي