الفقر واللامساواة هما خيار سياسي أو سياسة، تتحمّل مسؤولية تفاقم حدّتهما الحكومات والنموذج الاقتصادي النيوليبرالي. هذا ما تخلص إليه منظّمة «أوكسفام» في تقرير تحت عنوان «الصالح العام أم الثروات الفردية؟»، يصدر اليوم بالتزامن مع انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يجمع النخب الثرية والسياسية في دافوس لمناقشة كيفية مواجهة التحدّيات الاقتصادية والاجتماعية العالمية.

يُظهر التقرير النتائج المباشرة للامساواة، ففي العقود الأخيرة تبيّن الإحصاءات أن نصف سكّان الأرض أي 3.4 مليار شخص لا يزالون يعيشون بفقر مدقع وبأقل من 5.5 دولار يومياً، ونحو 3.6 مليون شخص يموتون سنوياً لعدم قدرتهم على تحمّل تكاليف الطبابة، و262 مليون طفل محروم من الالتحاق بمدرسة، و16.4 مليار ساعة من العمل غير المدفوع تقضيها النساء الأكثر فقراً، و50% من السكّان الأكثر فقراً يحصلون على 12 سنتاً من كل دولار من الدخل في مقابل 27 سنتاً للـ1% الأكثر غنى.
هذا الخيار السياسي يمكن الاستمرار فيه وبالتالي الاستمرار في مكافأة الأغنياء، أو يمكن اللجوء إلى خيار سياسي آخر يقضي بمحاربة الفقر واللامساواة وبناء اقتصاد إنساني بديل. فوفقاً لمنظّمة «أوكسفام» إن خلق مجتمعات أكثر استقراراً وأماناً ومساواة وسعادة لأولادنا وأحفادنا تقتضي اتخاذ خيار وحيد يقوم على تدفيع الأغنياء وشركاتهم معدّلات ضريبية أعلى وأكثر عدالة على ثرواتهم وأرباحهم، واستعمال هذه الموارد القيّمة لتمويل الخدمات العامّة وتوفير الحماية الاجتماعية للجميع، وبالتالي تحرير مليارات الأشخاص من البؤس والفقر والخوف من عدم القدرة على تحمّل تكاليف طبابتهم، والسماح لكلّ طفل في تطوير إمكاناته واستعمال مواهبه، والمضي قدماً نحو المساواة الجندرية. وهو ما يتطلّب أن تستمع الحكومات إلى مواطنيها وأن تضع الخطط وتنفّذ الإجراءات التي يتوجّب أن تصيب ثلاثة نطاقات أساسية وهي:
1- تقديم الرعاية الصحية المجّانية والتعليم وغيرها من الخدمات العامّة، وبالتالي وقف دعم خصخصة الخدمات العامّة، بالإضافة إلى توفير الرواتب التقاعدية والحماية الاجتماعية للجميع.
2- تحرير النساء من ملايين ساعات العمل غير المدفوعة التي يقضينها يومياً في رعاية عائلاتهن ومنازلهن.
3- وضع حدّ لمرحلة امتدّت لعقود عدّة تمتّع خلالها الأغنياء بأدنى المعدّلات الضريبية على ثرواتهم وأرباح شركاتهم، والعمل على تقليص التهرّب الضريبي، ووضع قوانين وقواعد دولية لإعادة تصميم نظام ضريبي أكثر عدالة.

الخدمات العامّة كمحرّك للمساواة

تبيّن الأدلة المجمّعة من 150 دولة على مدار ثلاثين عاماً أن الاستثمار في الصحّة والتعليم والحماية الاجتماعية قلّص الفجوة بين الأغنياء والفقراء. ففي البلدان الغنية تساهم الخدمات العامّة في خفض المساواة في الدخل بنسبة 20%، وتبيّن دراسة حديثة شملت 13 بلداً نامياً أن الإنفاق العام على الصحّة والتعليم ساهم في تقليص المساواة بنسبة 69%، وتبيّن أيضاً أن تعليم كل الأطفال وإمدادهم بمهارات القراءة والكتابة على الأقل سيسمح بخروج 171 مليون شخص من الفقر المدقع. فالخدمات العامّة المجّانية تشكّل نوعاً من دعم أو زيادة دخل الأشخاص والأسر نتيجة التكاليف التي كان من الممكن أن يتحمّلوها لو لم تكن هذه الخدمات مجّانية.

تقوم المجتمعات العادلة على توفير الفرص المتساوية لكلّ طفل ليتعلّم ويستخدم مواهبه بأفضل طريقة. ولكن للأسف، يظهر أن الثروة وليس الموهبة هي التي تحدّد مصير الأطفال في مختلف البلدان. كمعدّل عالمي يحظى أطفال العائلات الغنية بحظوظ بنسبة 32% أكثر في الوصول إلى التعليم الأساسي بالمقارنة مع أطفال العائلات الفقيرة. والأمر نفسه ينطبق على الصحّة، إذ إن كلفة الخدمات الصحيّة قد تكون سبباً للموت، بدليل أن هناك 3.6 مليون شخصاً يموتون سنوياً لعجزهم عن تأمين كلفة الطبابة، ونحو 100 مليون آخرين يُدفعون نحو الفقر المدقع بسبب تكاليف الرعاية الصحيّة. كما أن احتمالات موت طفل في عائلة فقيرة قبل بلوغه سن الخامسة ترتفع إلى الضعفين بالمقارنة مع طفل في عائلة غنية. ينعكس هذا الواقع على الأفراد والمجتمعات. فالأطفال الفقراء يسلبون الحقّ في التعليم وفي الصحّة، بما يؤدّي إلى خسارة المجتمعات فرصة مشاركة أجيال من المواهب في النشاط الاقتصادي والمساهمة في التطوّر البشري.
وفقاً لـ«أوكسفام» اللامساواة ليست قدراً. ولا يوجد أي قانون اقتصادي يقول أن على الأغنياء أن يزدادوا غنى فيما على الفقراء أن يموتون نتيجة نقص الدواء مثلاً. ولا يوجد أي مبرّر لوجود هذا الحجم الهائل من الثروة في يد القلّة القليلة، في حين يمكن استعمال هذه الموارد لمساعدة البشرية. اللامساواة هي خيار سياسي، لا بل سياسة، وهناك الكثير من الإجراءات التي يمكن للحكومات أن تركّز عليها لتقليص الهوة بين الأكثر غنى والناس العاديين، أهمّها تأمين الخدمات العامّة الأساسية والحماية الاجتماعية المموّلة من الضرائب العادلة. على أن تشمل هذه الخدمات العامّة فصول دراسية مجانيّة، عيادات لتقديم الرعاية الصحّية المجّانية، مراحيض نظيفة ومياه شفّة صالحة للاستعمال، راتب تقاعدي، وغيرها... فهذه الخدمات العامّة والمنافع الاجتماعية الحمائية يمكن أن تكون محرّكاً للمساواة، وأن تعمل على تغيير حياة الناس وإطلاق العنان للطاقات، وسحب المجتمعات من الفقر، وسدّ الفجوة بين الأغنياء والفقراء وبين النساء والرجال. كما يمكن لها أن تحقّق الحرية الفعلية، أي التحرّر من الخوف من المرض الذي لا يمكن لكثيرين تأمين كلفة علاجه، والخوف من الأمّية التي تحرم كثيرين من التطوّر والعمل.
اللامساواة الجندرية ليست صدفة!

هذا النموذج الاقتصادي القائم، يدفع باتجاه زيادة الهوة بين النساء والرجال أيضاً، ووفقاً لتقرير «أوكسفام»، المجتمعات التي تكون فيها الفجوة بين الأغنياء والفقراء أقل، هي المجتمعات التي عمدت إلى معالجة الفجوة بين النساء والرجال. اللامساواة الجندرية ليست صدفة عابرة أو ظاهرة جديدة. فالقواعد التي تقوم عليها اقتصاداتنا تمّت صياغتها من قبل الرجال الأغنياء والأقوياء لتصبّ في النهاية في مصلحتهم.

10 تريليون دولار

هو المبلغ السنوي المقدّر للعمل غير المدفوع الذي تؤدّيه النساء والفتيات في رعاية عائلاتهن والاهتمام بمنازلهن، وهو يساوي 43 مرّة حجم أعمال شركة Apple


إن نموذج الاقتصاد النيوليبرالي القائم اليوم، أدّى أفضل ما يمكنه لتقليص الخدمات العامّة وتقليص الضرائب على الأفراد الأغنى وشركاتهم ومؤسّساتهم، وهو ما انعكس تراجعاً في الأجور عموماً، ودفع إلى تحميل النساء العبء الأكبر من خلال تحويلهن إلى عاملات من دون أجر في خدمة عائلاتهن والاهتمام بمنازلهن.
في عالمنا اليوم، الغالبية العظمى من الأغنياء مؤلّفة من الرجال. عالمياً تتقاضى النساء أجواراً أقل بنسبة 23% من الرجال، الذين يمتلكون بدورهم ثروات أكثر بـ50% من النساء. بمعنى آخر، إن التطوّر الذي تنعم به اقتصاداتنا يعتمد بشكل هائل على المساهمات غير المدفوعة التي تقدمها النساء في منازلهن ولعائلاتهن.
العمل الرعائي غير المدفوع يفاقم اللامساواة، وقد بنيت اقتصاداتنا على ملايين ساعات العمل غير المدفوعة. ونظراً إلى السلوكيات الاجتماعية غير العادلة، فإن النساء والفتيات هن من يقيضن أوقاتهن في خدمة عائلاتهم ورعاية الأطفال والمرضى والمسنّين، وفي الطبخ والتنظيف وتأمين بدائل للتدفئة (الحطب مثلاً) نظراً لتراجع الخدمات العامّة. هذا العمل غير المدفوع يساوي نحو 10 تريليون دولار سنوياً، أي نحو 43 مرّة حجم أعمال شركة Apple. كما تقدّر مساهمات النساء في القطاع الصحّي عبر رعاية المسنّين والمرضى في عائلاتهن، بنحو 3% من الناتج المحلّي الإجمالي في البلدان المنخفضة الدخل. وهذا العمل يسرق وقت النساء ويجعلهن غير قادرات أو عاجزات عن تخصيص وقت للتعليم والمساهمة السياسية والاقتصادية. وحتى حصول تغيير في هذا الواقع، يبقى كلّ الحديث عن المساواة الجندرية مجرّد كلام فارغ.

السياسات الضريبية: جنّة الأغنياء وجحيم الفقراء

يعدُّ الأغنياء من أكثر المتورّطين بما آلت إليه اللامساواة من حدّة في عالمنا الراهن. في خلال العقود الأخيرة، انخفضت المعدّلات الأعلى لضريبة الدخل والإرث وأرباح الشركات في العديد من البلدان الغنية وظلّت منخفضة في معظم البلدان النامية. وهو ما حرم المجتمعات من استخدام عائدات ضريبية أكبر لتمويل الخدمات العامّة ودعم الشرائح الأفقر. على سبيل المثال، في عام 1970، كان أعلى معدّل لضريبة الدخل في الدول الغنية نحو 62% أمّا اليوم فيكاد يراوح 30%. ولا يبلغ المعدّل المتوسّط لهذه الضريبة في الدول الفقيرة سوى 28% فقط. أيضاً يبيّن التقرير أنه منذ الأزمة المالية في 2008 تمّ نقل العبء الضريبي من الشركات إلى الأسر، وأن مجمل الزيادة الصافية للإيرادات الضريبية تحقّقت من الضرائب على الأجور والاستهلاك. ففي معظم البلدان يتحمّل الـ10% الأفقر معدّلات ضريبية أعلى من الـ10% الأغنى.

50%

من السكّان الأكثر فقراً يحصلون على 12 سنتاً من كل دولار من الدخل في مقابل 27 سنتاً لـ1% الأكثر غنى في حين أن الإيرادات الضريبية على الثروة لا تتعدّى 4 سنتات من أصل كل دولار في مقابل 36 سنتاً من ضرائب الاستهلاك


وعند التمعّن في الضرائب على الثروة، وهي إمّا غير موجودة أو غير مطبقة في البلدان النامية أو تمّ إلغاؤها في العديد من البلدان المتقدّمة، يتبيّن أن الإيرادات من الضريبة على الثروة لا تتعدّى 4 سنتات من أصل كل دولار في مقابل 36 سنتاً من ضرائب الاستهلاك. وعلى رغم تضاعف ثروات المليارديرات خلال العقد الأخير، إلّا أنه لا يتمّ التطرّق إلى ضريبة الثروة كمصادر مُحتملة لزيادة الإيرادات العامّة لتمويل الخدمات العامّة. في حين يشير التقرير إلى أن تدفيع الـ1% الأكثر ثراءً ضريبة إضافية على ثرواتهم بنسبة 0.5% فقط، يساهم في جمع أموال كافية لزيادة تعليم 262 مليون طفل غير ملتحقين بالمدارس وتأمين الرعاية الصحيّة اللازمة لإنقاذ 3.3 مليون شخص من الموت.
من جهة أخرى، يخفي فاحشو الثراء ما لا يقلّ عن 7.6 تريليون دولار عن السلطات الضريبية، متجنّبين دفع ما يقدّر بنحو 200 مليار دولار من عائدات الضرائب. وفي ظلّ الاستعانة بجيوش من المستشارين الضريبيين، تستغل الشركات متعدّدة الجنسيات ثغرات في قوانين الضرائب لتحويل الأرباح إلى ملاذات ضريبية وتجنّب الضرائب، وهو ما يكبّد البلدان النامية تكلفة إضافية تقدّر بـ100 مليار دولار، وبالتالي حرمان هذه المجتمعات من أموال يمكن استخدامها للصالح العام.
يظهر صندوق النقد الدولي أن هناك إمكانيات كبيرة لزيادة العائدات من أغنى الأفراد والشركات. وخلافاً للاعتقاد السائد، فإن هذا لن يضرّ بالاقتصاد. فعلى سبيل المثال، رفعت كولومبيا عائداتها بنسبة 10% بعد فرض الضرائب على الثروة. ومن هنا، يتبيّن أن السياسات الضريبية تنطوي على إمكانيات، ليس فقط للحدّ من الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وإنّما أيضاً لتقليص عدم المساواة بين النساء والرجال.
إن تفاقم اللامساواة لم يكن صدفة، بل اتجاه مُمنهج اعتمدته الحكومات نيابة عن أصحاب الرساميل عبر إفقار الدولة وتعميق العجز من خلال نقل العبء الضريبي من الأغنياء إلى الفقراء وتجفيف تمويل الخدمات العامّة تمهيداً لخصخصتها من ضمن البرامج الاقتصادية التقشّفية.



الشراكة مع القطاع الخاص: تعميم رداءة الخدمات العامّة
لا يمكن للسوق أن يقدّم الخدمات كالصحّة والتعليم وغيرها للفقراء. عوضاً عن الوصول إلى هذا الاستنتاج وبذل الجهود لدعم القطاع العام، تقوم المؤسّسات الدولية المؤثّرة كالبنك الدولي على الترويج للقطاع الخاص كمقدّم لهذه الخدمات وحلّ للمشكلات التي تواجهها الخدمات العامّة وذلك عبر مشاريع الشراكة. ولكن تشير التجارب والأدلّة إلى أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتقديم هذه الخدمات الأساسية لا يؤدّي إلّا إلى تفاقم اللامساواة.
في جاكارتا، عاصمة إندونيسيا، تمّت خصخصة مصلحة المياه عام 1997 ضمن إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص. لكن حتّى يومنا هذا، لا يزال معظم المقيمين في المدينة محرومين من المياه النظيفة، فيما تحمّلت الحكومة خسائر جمّة، سدّد كلفتها دافعو الضرائب. في المقابل، تغطّي المصلحة العامّة للمياه في سورابايا، ثاني أكبر مدينة إندونيسية، 95.5% من السكّان وبأسعار أرخص بكثير بالمقارنة مع جاكارتا.
أمّا في ليسوتو، بيّنت دراسة أعدّتها «أوكسفام» عن مشروع مستشفى نفّذ بالشراكة بين القطاعين العام والخاص نصح به البنك الدولي، أنه استنفد 51% من مجمل موازنة الصحّة عام 2014. وتشير البيانات الأخيرة إلى أن فاتورة هذا المستشفى توازي ضعف عتبة القدرة على تحمّل الكلفة (أي الكلفة المعقولة للمستهلك نسبة إلى دخله) التي حدّدتها الحكومة والبنك الدولي قبل إمضاء عقد الشراكة.
في باكستان، هناك 24 مليون طفل خارج المدارس. سعت الحكومة إلى معالجة هذه المشكلة عبر الشراكة مع القطاع الخاص. وتعدّ ولاية بنجاب رائدة في هذا المجال. إذ تمّ تسليم 10 آلاف مدرسة في الولاية إلى القطاع الخاص بهدف إدماج 5.5 مليون طفل خارج المدرسة في النظام التعليمي. ولكن النتائج كانت بعيدة من المرتجى وفق «أوكسفام»، إذ إن 1.3% فقط من الأطفال في المدارس التي تمّ مسحها كانوا خارج المدرسة قبل الشراكة. كما أنه هناك تكاليف إضافية (غير الرسوم) تتحمّلها الأسر وتشكّل 40% من دخل الأسر الفقيرة.