رقم 10.452 كلم مربع هو الأكثر شيوعاً بين اللبنانيين والأكثر حفراً في ذاكرتهم بشأن مساحة بلادهم. لكن وفقاً لمجلّة MappeMonde التي تعنى بالدراسات الجغرافية والصادرة عن معهد العلوم الإنسانية والاجتماعية التابع للمركز الوطني للبحوث العلمية الفرنسي، لم يبدأ تداول هذا الرقم إلّا مطلع ثمانينيات القرن الماضي في خلال الحرب اللبنانية، من قِبل «القوميين اللبنانيين». وتستند المجلّة في أحد مقالات الملف الذي نشرته عن الأراضي اللبنانية وحدودها، إلى المؤرّخ إدمون ربّاط الذي ينسب هذا الرقم إلى «بشير الجميل الذي أطلقه في ذروة عمله السياسي قبل مقتله عام 1982».

تحوّل هذا الرقم، الذي تصفه المجلّة بـ«الخرافي»، إلى شعار سياسي، وخصوصاً خلال مرحلة الوصاية السورية بعد انتهاء الحرب الأهلية، إلّا أن أصله بقي غير معروف، باستثناء أن بشير الجميل هو من أطلقه، في حين أن مصادر عالمية ومحلّية تقدّم أرقاماً مختلفة كلّياً.
تبدأ الأرقام التقديرية حول مساحة لبنان من 9 آلاف كلم مربّع وفقاً للمعجم الجغرافي Webster وتصل إلى 12 ألف كلم مربّع عند بعض المؤرخّين اللبنانيين. موسوعة Britannica لم تتبنّ رقم 10.400 كلم مربّع إلّا في عام 1998، بعد أن اعتمدت لفترة طويلة رقم 10.230 كلم مربّع لمساحة لبنان، وهو الرقم الذي تتبنّاه وكالة الاستخبارات الأميركية (10.230 كلم لليابسة و170 للمياه)، فيما تورد مجموعة ?Que sais-je العلمية رقم 10.176 كلم مربّع في بياناتها.
أمّا محلّياً، فلا يختلف الأمر كثيراً، إذ تتعدّد الأرقام المطروحة، ولكن تبقى كلّها تقديرية. تتحدّث الخطّة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية عن مساحة أقل من 11 ألف كلم مربّع من دون أن تحدّدها، فيما يعتمد المركز الوطني للبحوث العلمية رقم 10.250 كلم مربّع، وهو الرقم نفسه الذي تعتمده وزارة الزراعة، والوارد أيضاً في «أطلس لبنان» الصادر عن مركز البحوث والمعهد الفرنسي للشرق الأدنى عام 2012.


يشرح المركز الوطني للاستشعار عن بعد (التابع للمركز الوطني للبحوث العلمية) كيفية التوصّل إلى تحديد مساحة لبنان بنحو 10.250 كلم مربّع، مشيراً إلى أن تمّ الأخذ بالخرائط الطوبوغرافية الصادرة عن مجلس الإنماء والإعمار، التي حدّدت ورسمت الساحل اللبناني بعد عمليات الردم المختلفة التي تعرّض لها وتراجع شواطئه والانجرافات الرملية التي شهدها بفعل عوامل طبيعية وتعدّيات مختلفة، بالإضافة إلى الخرائط الطوبوغرافية والصور الجوّية التي تنجزها مديرية الشؤون الجغرافية في الجيش اللبناني، وتبيّن الحدود الجنوبية والحدود غير النهائية مع سوريا، بما فيها الخط الأزرق ومزارع شبعا، ليتبيّن أن مساحة لبنان الإجمالية تصل إلى 10.250 كلم مربّع ولا تتخطّاها. ويعتبر المركز أن «هذه المساحة تبقى غير دقيقة، كون حدودنا مع سوريا غير نهائية، وهناك تداخل في الأملاك الخاصّة بين البلدين، فيما مساحة 10.452 غير صحيحة بل مجرّد شعار. فالرقم الرسمي من المفترض أن يصدر عن مديرية الشؤون الجغرافية في الجيش، باعتبارها الجهة القانونية والرسمية المخوّلة ذلك، كونها تملك صوراً جوّية لكلّ الأراضي اللبنانية».
تشير المديرية العامّة للشؤون العقارية إلى أنها أيضاً «لا تملك رقماً دقيقاً لمساحة لبنان كون الأراضي اللبنانية غير ممسوحة بالكامل وغير محدّدة ومحرّرة»، وتحيل الأمر إلى الجيش اللبناني أيضاً «كونه يملك صوراً جوّية لكل الأراضي اللبنانية وخرائط طوبوغرافية تبيّن المساحة الفعلية للبنان».
إلا أن مديرية الشؤون الجغرافية في الجيش اللبناني تفيد بأنه «لا يوجد لديها رقم دقيق لمساحة لبنان كونها لا تملك صوراً جويّة دقيقة لكلّ الحدود الجنوبيّة، وكذلك للحدود مع سوريا. وبالتالي لا يمكن للخرائط المتوافرة لديها أن تعطي رقماً نهائياً ودقيقاً حول مساحة لبنان النهائية، والتي يمكن لدوائر المساحة أن تقدّم أرقاماً أدقّ حولها».
يشرح «أطلس لبنان» الصعوبات التي تنطوي عليها هذه الإشكالية، أي تحديد مساحة لبنان، ويعيدها إلى «تعرّض السيادة اللبنانية وأعمال الدولة للعرقلة»، بدءاً من المسح العقاري والتقسيم الإداري وصولاً إلى ترسيم الحدود.
وفقاً للباحثين الذين أعدّوا «أطلس لبنان»، تبدأ الإشكالية من «عدم اكتمال المسح العقاري حتى اليوم»، وهي عملية انطلقت عام 1926 خلال الاستعمار الفرنسي ولم تتقدّم عملياً منذ الاستقلال. بدليل أن «بعض التجمّعات السكّانية لم يوضع لها حدود أبداً، فيما لم يصدّق القاضي العقاري على بعض عمليات مسح الأراضي، أو أنها لم تسجّل رسمياً في السجل العقاري. وهو ما يترجم بالنزاعات العقارية بين قرى وبلدات مختلفة، ما جعل عملية التشكّل الجغرافي للأراضي اللبنانية مُسيطراً عليها من ذوي المصالح داخل الحكومة (القضاء والجيش) ومختلف الجهات الفاعلة في القطاع الخاصّ والسكّان وملّاك الأراضي والجماعات الدينية والريفية، والتي كانت تدافع عن مصالحها ضدّ منطق الدولة ومشاريعها».
عملياً، تشمل المناطق الممسوحة المناطق الزراعية الكبرى (سهل البقاع والسهول الساحلية: القاسمية والكورة وعكار)، بالإضافة إلى الشريط الساحلي، والمدن الكبرى مثل بيروت وصيدا وطرابلس التي خُصّصت بتنظيم عقاري حديث، في حين لم يكتمل المسح في كامل منطقة الجبل الوسطى وبقيت المناطق الجبلية المرتفعة غير ممسوحة بالكامل.
وتنسحب صعوبات التشكّل الجغرافي للأراضي اللبناني أيضاً على عملية وضع الحدود اللبنانية وترسيمها، والتي تنطوي على «سلسلة من النزاعات العقارية التي تركت بعض الثغرات في تشكّل الأراضي اللبنانية»، ومن ضمنها النزاعات العقارية على الحدود مع سوريا في نقاط عدّة أبرزها «مزارع شبعا وهي أراضٍ جبلية تبلغ مساحتها 25 كلم مربّع، يضاف إليها أرض النخيْلة المجاورة المُتنازع عليها أيضاً، لتصبح المساحة الإجمالية 38 كلم مربّع. وتظهر هذه المنطقة على معظم الخرائط الرسمية السورية واللبنانية كأرض سورية. إلا أن السجلّات العقارية تؤكّد طابعها اللبناني. وقد كان وراء هذا الوضع خطأ ارتكبته مصلحة الخرائط في الجيش الفرنسي، عندما رسمت الحدود في عشرينيات القرن الماضي. وعلى الرغم من اعتراف السلطات الفرنسية بهذا الخطأ، إلا أنها لم تعدّل تلك الخرائط في حينه». ويضاف إلى ذلك سلسلة من المناطق على الحدود مع سوريا، ذات الصبغة القانونية الغامضة التي تشبه مزارع شبعا، ولكن مساحتها أصغر، وهي تقع في مناطق كفرقوق ومزرعة دير العشائر (قضاء راشيا) وعرسال والقاع والطفيلة والغجر... كما تظهر مناطق نزاع أخرى على الحدود الجنوبية للبنان التي اختفت فعلياً لأكثر من 22 عاماً بسبب الاحتلال الاسرائيلي. وعلى الرغم من الانسحاب الاسرائيلي عام 2000 إلّا أنه لا يزال هناك مناطق نزاع في مناطق يعتبرها لبنان ضمنه، وأبرزها القرى السبع.
يبيّن هذا الواقع أن لبنان هو من البلدان النادرة، ربّما، التي لا تعرف مساحتها الفعلية، وهو ما يبقي هذا الرقم مفتوحاً على الكثير من التقديرات والتحليلات، كما يبقي الرقم الذي اخترعه بشير الجميل الأكثر شيوعاً.