بغداد | في كانون الأول/ ديسمبر من العام الماضي، مَرّر مجلس النواب العراقي قانوناً جديداً للانتخابات التشريعية، وذلك تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، والتي طالبت - من جملة مطالبها - بتغيير القانون المعتمَد سابقاً. على أن الخلافات لا تزال مستعرة بين الكتل السياسية على عدد من فقرات القانون الجديد، الذي يراه البعض منسجماً مع تطلّعات الحراك الشعبي، فيما يعتقد آخرون أنه يسهم في إعادة تدوير الوجوه السياسية نفسها التي تحكم البلاد منذ عام 2003.

جرّاء تلك الخلافات، لم يبصر القانون النور، على رغم مرور عام تقريباً على التصويت عليه؛ إذ لم يصادق رئيس الجمهورية، برهم صالح، عليه بعد، ليصبح نافذاً، وذلك لعدم اكتمال فقرة «الدوائر الانتخابية وجغرافيتها» في كلّ محافظة، إضافة إلى عددها. أمّا الإشكاليات الفنّية، فتتّصل بوجود 41 قضاءً غير مسجّلٍ في وزارة التخطيط، بما لا يتيح إمكانية احتساب الأصوات في تلك الأقضية.
في 11 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، صوّت البرلمان على مقترح اللجنة القانونية في شأن الدوائر المتعدّدة، والذي يقسم المحافظة الواحدة إلى دوائر انتخابية عدّة على أساس الأقضية والمدن، حيث احتُسب لكلّ 100 ألف نسمة مقعد برلماني، وفي حال قَلّ عدد سكان القضاء عن 100 ألف يُدمَج مع قضاء آخر لتلافي تلك المشكلة. وتُوزّع الدوائر الانتخابية على شكل دائرة واحدة لكلّ أربعة مقاعد، على أن لا يقلّ عدد سكان الدائرة عن 400 ألف نسمة، وقد استندت عملية التوزيع إلى إحصائية مراكز التسجيل التي بعثتها «مفوضية الانتخابات»إلى اللجنة القانونية النيابية. وينصّ مقترح الدوائر المتعددة على توزيع عدد الدوائر في كلّ محافظة بشكل مساوٍ لعدد المقاعد المخصّصة لكوتا النساء فيها. وهو قسّم العراق انتخابياً إلى 81 دائرة موزّعة بشكل غير متساوٍ على المحافظات، بحسب التوزيع السكّاني فيها (راجع الرسم المرفق). ويبلغ عدد المقاعد الكلّي، وفق ذلك التوزيع، 320 مقعداً، تضاف إليها تسعة مقاعد لـ«المكوّنات الدينية والقومية»، منها خمسة للمسيحيين، وأربعة موزّعة كمقعد لكلّ من الأيزيديين والشبك والصابئة والكرد الفيليين. ويعود تولّد فكرة الدوائر الانتخابية المتعدّدة بدل الدائرة الواحدة إلى الإشكاليات التي تعتري طريقة «سانت ليغو»، والتي أجريت بموجبها الانتخابات النيابية والمحلية السابقة، على أساس دائرة انتخابية واحدة لكلّ محافظة، ما سَهّل على الأحزاب والكتل السياسية الهيمنة على السلطة التشريعية.

يُعدّ قانون الانتخابات المعطّل في البرلمان عقبةً تعترض التوجّه نحو الانتخابات المبكرة


ويُعدّ قانون الانتخابات المعطّل في البرلمان، بسبب الخلافات السياسية الكبيرة، عقبةً تعترض التوجّه نحو الانتخابات المبكرة، التي من المقرر إجراؤها في الـ 6 من حزيران/ يونيو المقبل. إذ أبدى نوّاب وكتل سياسية تحفّظهم على فقرة «الدوائر الانتخابية» في القانون الجديد، متحدّثين عن السلبيات التي تحول دون التمثيل الواقعي للمواطنين في البرلمان المقبل. كما حذّر برلمانيون من أن مصالح سياسية تقف وراء ضغط عدد من الكتل لتمرير القانون بصيغته الحالية. ويعارض «تحالف الفتح» و«دولة القانون» و«المحور الوطني» وبعض الكتل الكردية مبدأ الدوائر المتعدّدة، مطالبين بالعودة إلى نظام الدائرة الواحدة لكلّ محافظة. وعلى هذا الأساس، وقّع 50 نائباً على طلب سيقدّم إلى رئاسة البرلمان، بغية الطعن في التصويت على مقترح الدوائر المتعدّدة، والمطالبة بعرض كاميرات تسجيل جلسة البرلمان لحظة التصويت عليه، للتأكّد من اكتمال النصاب من عدمه، وفق ما ذكره النائب عن كتلة «القانون» كاطع الركابي. وفي هذا السياق، أشار «حزب الدعوة الإسلامية» إلى أنه «لم يلمس في قانون الانتخابات بصيغته الحالية معايير الإنصاف والعدالة المنشودة»، معتبراً أن «القانون الجديد، ووفق فقرة الدوائر المتعددة، سينتج منه واقع سياسي متشرذم يعقّد مسار تشكيل الحكومة والسلطات المنبثقة عن مجلس النواب». في المقابل، يدعم «تحالف سائرون» و«اتحاد القوى العراقية» و«تحالف عراقيّون» و«الاتحاد الوطني الكردستاني» و«ائتلاف النصر» وكتل أخرى اعتماد الدوائر المتعددة (ثلاث كحدٍّ أدنى، وخمس كحدٍّ أقصى في المحافظات كافة)، في وقت يرفض فيه «الحزب الديموقراطي الكردستاني» إعطاء أيّ استثناء لأيّ محافظة في «الإقليم» في توزيع الدوائر الانتخابية.
أما «محتجّو تشرين»، فلا يختلف رأيهم كثيراً عن رأي المحور المؤيّد لمقترح الدوائر المتعددة، إذ يرونه «إيجابياً» ويعطي للوجوه الجديدة إمكانية التنافس على المقاعد النيابية. وفي هذا الإطار، يقول المتظاهر مصطفى المسعودي (28 عاماً)، في حديثه إلى «الأخبار»، إن «موقفنا من تعدّد الدوائر الانتخابية في قانون الانتخابات الجديد إيجابي، كونه يخدم الأحزاب الناشئة ويحدّ من نفوذ الأحزاب الكبيرة وقد ينهي سطوتها على السلطة».
ويتوقع مراقبون أن يستمرّ التناحر السياسي على قانون الانتخابات الجديد، وسط ضغط حكومي على البرلمان للإسراع في إقراره وإرساله إلى رئاسة الجمهورية للمصادقة عليه، من أجل إجراء الانتخابات المبكرة في الموعد المحدّد لها.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا