في بيانها الدبلوماسي، ظهرت حكومة عادل عبد المهدي كأنها تستنجد الدعم لنفسها. افتقدت أيضاً «شجاعة» تحميل تل أبيب مسؤولية الهجمات المتكرّرة على مقار «الحشد». موقف مربك لبغداد، الساعية إلى حلّ عقده، والخروج من الأزمة. ثمة ترقّب لموقف أميركي من شأنه احتواء أي «انزلاق» قد يخلط الأوراق، مقابل دعم إيراني مشروط، بالتوازي مع رسائل «محدّدة» الهدف. التحدّي الأبرز، وفق طهران، حماية إنجازات «الحشد» ومنع بغداد من الانجرار وراء وعود واشنطن.

الموقف «المرتقب» لحكومة عادل عبد المهدي، إزاء مسلسل استهداف مقار «الحشد الشعبي» لم يكن على قدر التوقعات. بيان دبلوماسي بجرعات «الثقة» بالنفس، خلا من أي إشارة إلى الجهة المنفذة، علماً بأن إسرائيل ما برحت تلمح إلى دورها في الاعتداءات الخمسة. أبدى عبد المهدي، في بيان صادر أوّل من أمس، استعداد العراق لـ«الرد بحزم وبكل الوسائل المتاحة على أي عدوان ينطلق من خارج العراق أو داخله»، من دون أن يحدّد «الجهة» التي سيردّ عليها، متسلّحاً بـ«حراك دبلوماسي مع دول الجوار كافة... والمجتمع الدولي، لشرح موقف العراق، وحشد التأييد... للتضامن معه، ومع موقفه العادل وسياسته الداعمة للسلام والاستقرار». تمسّك أيضاً بـ«حق العراق في اتخاذ الإجراءات اللازمة قانونياً ودبلوماسياً، ومن خلال المؤسسات الإقليمية ومجلس الأمن والأمم المتحدة» للدفاع عن سيادة البلاد وأمنها. الحكومة، وفق البيان، جدّدت دعمها لموقف عبد المهدي «في إدارة الأزمة»، والاستمرار بـ«سياسة رفض التصعيد والمحاور أو استخدام أراضيه للاعتداء على الآخرين»، خاتماً بالدعوة إلى «التصرف بحكمة وشجاعة، وتوحيد الصف الوطني»، والإشادة بـ«الموقف الموحّد لاجتماعات الرئاسات الثلاث، مع (عدد من) قيادات الحشد والقوى السياسية».

بغداد «تعترف»
ثمة من يقول إن «التحقيقات ما زالت جارية»، والفاعل مجهول. الأمين العام لـ«حركة عصائب أهل الحق» قيس الخزعلي، أوضح، قبل أيام، أن المعلومات التي كشفها نائب رئيس «هيئة الحشد الشعبي» أبو مهدي المهندس، عن وقوف إسرائيل وراء الاعتداءات المتكرّرة، موجودةٌ لدى عبد المهدي، ورئيس «الهيئة» فالح الفيّاض. مصادر حكوميّة تؤكّد ذلك بالقول: «لا شك لدينا بأن إسرائيل هي من تقف وراء تلك الهجمات».
السكوت الحكومي، حتى الآن، عن تحميل تل أبيب المسؤولية مردّه إلى «خصوصية الواقع العراقي»، وفق المصادر. في حديثها إلى «الأخبار»، ترفض المصادر مقاربة «الواقع العراقي بالواقع اللبناني»، في تلميح منها إلى كيفية مقاربة التهديد والتفاف لبنان حول مقاومته، مقابل «حرج» العراق في الدفاع عن مؤسسة عسكرية رسمية. فـ«أي تحميل لتل أبيب مسؤولية الاعتداءات، يعني بشكل مباشر الذهاب مباشرة إلى الحرب»، في خطوة تعجز الحكومة عن تحمّلها.

تأمل بغداد موقفاً واضحاً لواشنطن من الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة


ثمة رأي متداول في الدوائر المحيطة بعبد المهدي، بأن إسرائيل أرادت من استهدافاتها المتنقلة في المنطقة جرّ إيران إلى حرب أو مواجهة أو احتكاك قاس. يراهن أصحاب هذا الرأي على «تهدئة» محتملة بين واشنطن وطهران، من شأنها تخفيف حدّة الاشتباك القائم. رهان يقابله التماس بغداد بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وقادة عرب، يريدون العكس. موقف بغداد «الدقيق» يدفع إلى تكثيف العمل لـ«تبريد» السخونة القائمة، فالموقع الجغرافي للبلاد وطبيعة تركيبتها وانقسامها الطائفي والقومي «يفرض تفكيراً بارداً وليس انفعاليّاً»، تقول المصادر. عملياً، ثمة نشاط دبلوماسي «مرتقب»، أما في في الميدان فلا شيء.

«أوراق القوة»
على طريق «التحشيد» الدبلوماسي الحكومي، تنتظر بغداد موقفاً أميركيّاً واضحاً. «عاصمة الرشيد» تمتلك الكثير من أوراق القوّة، تمكّنها من استصدار «موقف دولي» يندّد بهذه الاعتداءات، وفق المصادر، ويمنح العراق «حقّ الدفاع عن النفس» أمام أي اعتداء. السؤال، إن استمرت الحكومة في «التكتّم» عن هوية المستهدَف، فكيف ستدافع عن نفسها؟ أم ستلجأ إلى بناء منظومة «دفاع جوّي» بمعزل عن رضى واشنطن؟
في موازاة ذلك، تأمل بغداد، وحفاظاً على سياسة «إمساك العصا من الوسط»، موقفاً واضحاً لواشنطن من الاعتداءات، تبدي فيه استعدادها لحماية الأجواء العراقية من أي هجوم، فـ«لا يكون الموقف هروباً إلى الأمام، كما هو الآن». خروج الأميركيين بموقف مماثل، سيكون مرحّباً به في بغداد، وإن استمروا على موقفهم الحالي، سيعاد النظر باتفاقية «التعاون الاستراتيجي». أمام واشنطن خياران: الالتزام بالاتفاقية، أو التخلّي عنّها، وبذلك على قواتها الخروج من البلاد. يلوّح عبد المهدي بهذا الخيار، محذّراً في الوقت عينه من فشل قد يطرأ على «ضمان» أمن المصالح الأميركية في البلاد، والتي ستكون رهينة المتغيرات المحلية والإقليمية. الرؤية الحكومية تُختصر بالعبارة الآتية: «تعامل الأميركيين مع الأزمة سيحدّد مصيرهم في العراق».
وبانتظار نتائج «التحشيد» الدبلوماسي، فإن تبدّل المناخ الإقليمي من شأنه أن يبدّل الحسابات العراقية. تأمل المصادر «نجاح» المفاوضات الأوروبية ــــ الإيرانية، الجارية، لتنعكس «إيجاباً» على المشهد الأمني ــــ الاقتصادي العراقي. إذاً، وضعت الحكومة نفسها رهن المفاوضات، في حين ثمة من يقول إن «العراقيين أوضحوا أمام الإيرانيين وجهة نظرهم، متمسكين بخيار السكوت وغض النظر عن الاعتداءات، والعمل على تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران»، مؤكّدين «ضرورة الاستفادة من الساحة العراقية للتواصل غير المباشر مع الأميركيين». الجانب الإيراني، بدوره، لم يكن «متفاعلاً» مع التوجه العراقي، بقدر ما كان «متفهماً» له.
في بغداد، ثمّة من يقول إن الإيرانيين لا يريدون احتكاكاً في العراق، ولا إحراجاً لحكومة عبد المهدي. كان الجواب أن طهران «خلفكم في أي موقف تتخذونه». في الوقت عينه، ظهر توجّه إيراني آخر، ترجمه المهندس. هي رسالة إيرانية مقصودة، لتكريس معادلة لردع جموح تل أبيب ــــ واشنطن، الذي إن التمس «انحناء» أمامه سيُكمل مدمراً البنية التحتية لـ«الحشد»، فلا يمكنها لاحقاً التطوّر وأن تكون ترسانة دفاعية قوية.

«الفتن» الأميركية
هذه الرهانات والحسابات كلّها على مرأى ومسمع واشنطن ــــ طهران. أما حسابات الاثنين فمختلفة. الأولى تسعى إلى تعزيز التشظّي في الرؤى، على مستوى الأفرقاء والمكوّنات، وعلاقتها مع الدولة. وبذلك يُفسح المجال أكثر أمام إسرائيل للاستمرار في استهداف «الحشد». فتكبيل الأخير بالضوابط الرسمية، والعمل لاحقاً على استنزافه سيقود إلى تجويفه، دوراً وعدّةً وعديداً، عدا عن كسر قوّته.
طهران، في المقابل، تدرك ذلك جيّداً. تحاول لملمة الخلاف العراقي، والدفع لتحميل واشنطن المسؤولية، دون أن يقود ذلك إلى مواجهة أو احتكاك يخلط الأوراق، بقدر ما تكون رسالة «بالغة الدقة» لواشنطن من جهة، ولا تقود إلى خلط الأوراق أو الذهاب إلى مواجهة، ليس وقتها، من جهة ثانية. حسابات العاصمتين مرهونة أيضاً بالمفاوضات الجارية، غير أن «النصيحة» الإيرانية لبغداد هي «حماية إنجاز الحشد... والحذر من الأميركيين».