أثار حفل افتتاح «بطولة غرب آسيا لكرة القدم»، في 30 تموز/ يوليو الماضي، في «ملعب كربلاء الدولي»، جدلاً ولغطاً كبيرين في المشهد السياسي العراقي، وعَبْرَ منصات التواصل الاجتماعي والصحافة. كانت الاحتفالية المذكورة قد مرّت بهدوء ونجاح، وقد حضرها جمهور غفير ملأ مدرجات الملعب الذي اكتمل بناؤه، وتم افتتاحه منذ عامين، والذي يتسع لـ 30 ألف متفرّج. وإنْ كانت هناك من نقاط ضعف وسلبيات تحَدَّث عنها بعض المتفرّجين للإعلام، فإنها لم تتعدَّ نقد بعض أوجه القصور الإداري في ترتيبات الحفل، وإعادة بيع بطاقات الدخول المستعملة مرات عدّة، لعدم تلف المستعمل منها، من قبل الجهات المكلفة بذلك.

تابع جمهور غفير، غلب عليه العنصر الشبابي، فقرات الاحتفالية بحماسة وفرح وابتهاج، في أجواء العراق التي تفتقر إلى مظاهر الترفيه والفرح منذ سنوات عدّة؛ وشوهدت لقطات مؤثرة للمتفرجين وهم يرافقون بأصواتهم، وقوفاً، عازفة الكمان اللبنانية جويل سعادة، التي عزفت النشيد الوطني العراقي «موطني»، منفردةً في ميدان الملعب. وقد شارك في عرض افتتاح البطولة القارّية هذا، مجموعات من الشباب العراقيين من الجنسين أدّوا عروضاً إيقاعية حركية بسيطة ومعبرة وجميلة.
وبعد انتهاء الاحتفالية والمباراة، انهالت بيانات الشجب والاستنكار من شخصيات سياسية ودينية «شيعية»، بدعوى أن هذه الاحتفالية انتهكت «قدسية» مدينة كربلاء. وبلغ الأمر ذروته في بيان رئيس «ائتلاف دولة القانون» نوري المالكي، الذي طالب فيه بفتح تحقيق عاجل لـ«محاسبة المقصرين ومن يقف خلف هذا التجاوز الفاضح على حرمة المدينة، وهتكاً لقدسية مدينة الإمام الحسين عليه السلام». أما «الوقف الشيعي»، فقد أصدر بياناً شديد اللهجة اعتبر فيه ما حصل «فعلاً شنيعاً تجاوز الحدود الشرعية، وتعدى الضوابط الأخلاقية»، وتردد أن «الوقف» يعتزم رفع شكوى قضائية ضد وزارة الشباب والرياضة العراقية.
مجلس محافظة كربلاء، من جانبه، أعلن عن تحفّظه على فقرات الحفل. المحافظ نأى بنفسه عنه، وتحفظ أيضاً مع أنه شوهد مبتهجاً ويصفق مبتسماً خلال الحفل. «المرجعية الدينية العليا» (آية الله علي السيستاني)، لم يصدر عنها شيء بهذا الصدد، وقد علل مراقبون ذلك بأنها تعلم حدود «القدسية» في المدينة، بموجب الفقه الشيعي، والتي لا تتعدى حرم ضريح الإمام، أي ما تحت قبة الضريح؛ وزادها بعضهم حتى محيط «الصحن الشريف» حول الضريح، أي أنها لا تشمل المدينة أو المحافظة كلها، علماً بأن الملعب المذكور يبعد عن مركز مدينة كربلاء أكثر من 10 كيلومترات تقريباً. ويبدو أن «المرجعية» لم تشأ أن تزج نفسها في هذا اللغظ والتشنجات، ومن الواضح أن دعاة الدفاع عن قدسية المحافظة أرادوا استغلال الحادثة، لإعطاء دفع عملي لتطبيق قانون «قدسية كربلاء»، والذي انتزعوه من المؤسسة التشريعية وواجه تطبيقه بعض التململ والرفض من قطاعات من السكان، الذين اعتبروا أنه ينطوي على اعتداء على حرياتهم الفردية ومساس قسري بنمط حياتهم، وأن فيه تجاهلاً للفساد المستشري في البلاد عموماً، وفي محافظتهم التي تغرق في الإهمال والتردي البيئي، مقابل المكاسب المادية التي يحوزها المتنفذون من ساسة ورجال دين.

مدوّنون ركّزوا على مسؤولية رجال الدين والسياسة عن كل ما حصل ويحصل منذ الاحتلال


مدير إعلام وزارة الشباب والرياضة في المحافظة، موفق عبد الوهاب، قال في حديث صحافي، إن «حفل الافتتاح كان مميزاً، ووصلتنا إشادات من جهات عدّة، ولا سيما أن العراق سعى إلى رفع الحظر عن ملاعبه، وكان الحفل نقطة انطلاق لهذا المسعى»، مضيفاً إن ما حصل من حملة ضد الاحتفالية «قد يؤثر على مسألة رفع الحظر الكلي، إذا ما اتخذت خطوات باتجاه معاكس لما نهدف إليه» (تعاني الرياضة العراقية من حظرٍ دولي منذ سنوات على ملاعبها الرياضية). وأوضح أن «المسؤول عن تنظيم البطولة هو اتحاد غرب آسيا لكرة القدم، ودور وزارة الشباب واتحاد الكرة هو دور تنسيقي لوجستي، يتمحور بتوفير كل السبل للوصول إلى نتائج إيجابية». وحول حقيقة ما جرى في الملعب، نفى عبد الوهاب تقديم أي رقصات غير لائقة، وإن ما قدم هو جزء بسيط من البرنامج المُعَدّ والذي لم يقدم كاملاً بسبب ضيق الوقت، واقتصر ما قدم منه على عزف النشيد الوطني من قبل عازفة معروفة وعرض فني لمجموعة من اللوحات بالأداء الحركي فقط لمجموعة من الشباب، نافياً «تضمين اللوحات الفنية أية حركات راقصة، بل إن كل ما تضمنته كانت حركات حمامة السلام برفرفة أيدي الفتيات».
ردود فعل الجمهور على مواقع التواصل الاجتماعي العراقية جاءت حادة ومختلفة. فالذين دافعوا عن «قداسة» المدينة ركّزوا على أن العازفة اللبنانية وعريفة الحفل العراقية الكربلائية والشابات اللواتي شاركن في الاحتفالية لم يكنّ محجبات، ولكنهنّ كن يرتدين ملابس محتشمة. مدونون آخرون ركّزوا على مسؤولية رجال الدين والسياسة، عن كل ما حصل ويحصل في العراق منذ الاحتلال الأميركي، وحتى الآن من فساد وضياع للحقوق وسكوت على انتهاك سيادة واستقلال البلاد من قبل الولايات المتحدة ودول الجوار الصغيرة منها والكبيرة، وحتى عن الإهمال وتراكم النفايات وتداعي البنايات في مدينة كربلاء نفسها، وجرف بساتين وغابات النخيل في محيط المدينة والمتاجرة بها كأراضٍ سكنية، وعن صفقات الفساد في المشاريع العبثية الضخمة كمطار كربلاء الذي تديره جهة دينية، والذي يقع على مسافة كيلومترات عدّة، من مطار النجف القريب، في تنافس غير بريء على الكسب المادي بين الجهات المنفذة التي استولت على المطارين وعلى عائداتهما المالية!
وقد نُشرت فضائح معززة بالأرقام والأسماء والصور عن رجال دين وساسة ممن شاركوا في الحملة التحريمية الأخيرة، كانوا قد تورطوا في صفقات فساد وتقاضي عمولات و«كومسيونات» سُحت. ويبدو أن هذه الضجة ستنتهي بعدما حققت الأطراف التي أثارتها أهدافها منها، وخصوصاً ترسيخ أجواء التحريم والتكفير في الساحة العراقية، ومعرفة الوضع الحقيقي للمزاج الشعبي العراقي ومواقف الرأي العام من المشاريع السياسية الدينية، والذي أثبت أنه لا يختلف عن شعوب العالم في حبه للحياة والفرح مهما عظمت الكوارث التي حلت به وببلاده، ولن ينتقص ذلك من إيمان وعقائد الناس الموروثة. ولعل الأكثر إضراراً بالحالة الإيمانية الدينية الموروثة هو الأداء السيّئ للساسة الإسلاميين وأحزابهم، ومعهم رجال الدين والهيئات الدينية التي تساندهم وتدافع عنهم.
إن الخلاصة التي يمكن أن يخرج بها الراصد لهذا الحدث الصغير في حجمه والكبير في دلالاته، هي أن الساسة الإسلاميين «الشيعة»، المهيمنين اليوم على الحكم، يريدون نوعاً عجيباً من الدولة: تكون بموجبه مستقلة وذات سيادة ولكنها محمية من قبل الولايات المتحدة وبعض دول الجوار، وتكون في الوقت نفسه دولة «مدنية حديثة» فيها برلمان وأحزاب سياسية ونقابات وملاعب رياضية دولية وفرق موسيقية سمفونية، ولكنها أيضاً دولة تتنفس هواء التحريمات والتكفير الديني لكل من يخالف أوامر وتعليمات رجال السياسة والدين السائدين المهيمنين على الحكم، ومن الواضح أن «خلطة عجيبة» كهذه لن يكون لها مستقبل مهما أوتي القائمون عليها والراغبون بها من قوة، لأنها تتناقض وبشكل صميمي مع منطق الحياة والتاريخ... وخصوصاً تاريخ الشعب العراقي المحب للحياة والحرية!
*كاتب عراقي