تشهد المحافظات العراقية، غداً، تظاهرات دعا إليها تيار عمار الحكيم، في أولى الخطوات العملية لإعلانه الانتقال إلى صفوف «المعارضة». توقيت التظاهرات يثير حساسية الفريق الموالي لعادل عبد المهدي وحكومته، لتزامنه مع التوتّر في البلاد والإقليم، فيما يبدو الحكيم، الذي أُخرج من اللعبة السياسية، ساعياً إلى وضع الحكومة أمام خيارين: إما أن أعود لاعباً مجدداً، وإما أن أُخرّب عليكم.

زعيم «تيار الحكمة»، عمار الحكيم، إلى الشارع غداً. تظاهرات في 14 محافظة لا يبدو إلى الآن أن قوى مغايرة لـ«الموج الأزرق» (شعار الحملة الانتخابية للحكيم في الانتخابات الأخيرة) ستشارك فيها، على رغم أن أطرافاً عديدة تؤيد مشروعه؛ لا حباً به، بل كرهاً لرئيس الحكومة عادل عبد المهدي. «أَلعب لو (أو) أخرّب الملعب»، مَثَلٌ شعبي يبدو اليوم منطبقاً على الحكيم؛ إذ إن ما يعتقد أنه «إقصاؤه» من التركيبة الحكومية الحالية دفع به إلى التلويح بتشكيل «جبهة معارضة»، قبل أن يعلن رسمياً الانتقال إلى صفوفها. يبرر مقربون منه ذلك بأن «الحكومة لم تستمع إلى وجهة نظرنا»، معتبرين في حديثهم إلى «الأخبار» أنهم «حُرموا حقوقاً مكتسبة» بناءً على تمثيلهم النيابي، وهو ما دفعهم إلى المضيّ أبعد من الموقف السياسي، نحو التحرك على الأرض، في خطوة يراها داعمو عبد المهدي «تخريباً للملعب».
عوامل عديدة يمكن سوقها في تفسير موقف الحكيم، الذي لا تبدو العلاقة بينه وبين إيران في أحسن أحوالها، خصوصاً بعدما بدأ الرجل الترويج لما سمّاه «التيار المدني»، الأمر الذي أثار حفيظة طهران. يصفه المقربون منه بأنه «عمامة شيعية بلباس مدني تجمع تحت عباءتها مختلف أطياف المجتمع العراقي». «خلطة» يراد من ورائها تثبيت هوية ببعدين رئيسين: أولاً، الإبقاء على مسافة من إيران، مع إدامة خطوط التواصل معها، وإن كان هناك «تحفظ» على أداء بعض المعنيين فيها بالملف العراقي، وتحديداً قائد «قوة القدس» في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني. وثانياً، طرح نفسه كـ«قيادة عروبية» لـ«شيعة» العراق، وهو بذلك ينافس زعيم «التيار الصدري»، مقتدى الصدر.

يرفض حلفاء عبد المهدي تحرك الحكيم، معتبرين أنه يخدم الأهداف الأميركية


هذا التوجّه العام تضاف إليه عوامل مرتبطة بالحسابات السياسية. مع إعلان نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة (أيار/ مايو 2018)، بدا أن الحكيم وجّه صفعةً إلى خصومه بنيله منفرداً 20 مقعداً نيابياً، مقابل حصول «المجلس الأعلى» على مقعدين فقط). لم يفرق الحكيم، بنتيجته تلك عن «تحالف الفتح» (بزعامة هادي العامري) الذي نال 20 مقعداً، بل تفوّق على «عصائب أهل الحق» التي حازت 15 مقعداً. اعتقد الحكيم أن هذه النتيجة، التي أظهرت أنه هو «المجلس الأعلى» عملياً ستكون كفيلة بإبقائه لاعباً رئيساً في المعادلة. لكن دخول «الفتح» و«سائرون» (الكتلة المدعومة من الصدر) في تحالف لاعتبارات عديدة (من بينها أن الصدر لم يجد مانعاً من التخلي عن حلفائه في تحالف «الإصلاح»، وخصوصاً الحكيم الذي لا تجمعه به «كيمياء» مشتركة)، عاكس تلك الحسابات. أضحى الحكيم، عملياً، أكبر المتضررين، حتى أكثر من رئيس الوزراء السابق، حيدر العبادي، نفسه، الذي لا يزال يشتغل على «صورته»، على رغم افتقاده تكتلاً نيابياً واضحاً.
بعد مضيّ قطوع تسمية رئيس الحكومة، الذي يرى الحكيم أن حليفه (الصدر) قد «طعنه» في خلاله، حاول زعيم «الحكمة» التعويض باستحصال مكاسب في التشكيلة الحكومية. طالب بوزارة النفط وأصرّ عليها، لكن طلبه رُفض. عُرضت عليه إثر ذلك وزارة الموارد المائية، فرفضها. من هنا، بدأ الترويج لسردية «الإقصاء»، قبل أن يتحوّل إلى مشروع لتشكيل «جبهة معارضة». مشروعٌ يبدو أن لحظته المناسبة قد حانت أخيراً: فصل الصيف، الذي تشير التوقعات إلى أنه سيكون حامياً كالذي سبقه، وأن الحكومة الحالية ستفشل ــــ كما السابقة ــــ في تقديم حلول جذرية للمطالب المعيشية التي تتصاعد في خلاله. يضاف إلى ذلك استحقاق توزيع الدرجات الخاصة، الذي يخشى «الحكمة» أن يخرج من «مولده بلا حمص».
يرفض حلفاء عبد المهدي تحرك الحكيم، معتبرين أنه يخدم الأهداف الأميركية في لحظة سياسية حرجة تمرّ بها المنطقة. لكن المقربين من الرجل يقولون إن المعارضة «لا تعني معارضة النظام، أو الاستمرار في تحقيق المكاسب على مستوى الدولة، بل معارضة الحكومة وأدائها». وهم يضعون لهذا الحراك ثلاثة أهداف أو سمات:
1- على رغم الطابع الفضفاض لمصطلح «المعارضة»، وممانعة القوى التي راهن الحكيم على التحاقها به ــــ إلى الآن ـــــ الانضمام إلى معسكره، إلا أنه بات اليوم، من وجهة نظر مقربيه، معسكرين: موالاة، ومعارضة يقودها الحكيم.
2- كذلك، يعتقد هؤلاء أن من شأن انفصال الحكيم تعزيز وزنه السياسي، قبالة القوى التي لا تزال في معسكر السلطة.
3- يلفتون، أيضاً، إلى إمكانية تحقيق أهداف جانبية بوجه كل من «العصائب» و«الصدريين»، عبر تقديم «الحكمة» كتيار منضبط مقابل «تفلّت» منافسيه، ومحاولة استقطاب جمهورهم بخطاب أكثر ملامسة لحاجاتهم.
في الطريق إلى ذلك، يحاول «الحكمة» مغازلة ممثلي «المكوّن السني»، بتنظيمه تظاهرات في مدن تكريت والرمادي والموصل وديالى، على أن تكون التظاهرة «الكبرى» في قلب العاصمة بغداد، أمام مقر رئيس الوزراء في منطقة العلاوي، ليبقى السؤال: هل يعود الحكيم إلى دعم عبد المهدي لحظة تلبية مطالبه؟



عبد المهدي يؤسّس قوة «حفظ النظام»
لدى سؤالها عن الوضع عشية تظاهرات الغد، تعرب مصادر أمنية عراقية، في حديثها إلى «الأخبار»، عن قلقها، متحدثة عن «احتمال دخول بعض المندسين على خطّ حراك الحكمة»، ما من شأنه «تعكير صفو التظاهرات». لكن مصادر «الحكمة» ترفض هذا الحديث، قائلة إن «عمار الحكيم أمر بتشكيل لجنة انضباط داخلي لمنع دخول أي مندسّ أو مخرّب»، وذلك للحفاظ على «سلمية التظاهرات وحضارتها». وكانت القوى السياسية العراقية قد نصحت الحكيم، في اجتماع «القادة الكبار» الأخير (قبل أيام)، بضرورة تأجيل التجمّعات الشعبية، حرصاً على الاستقرار الأمني. أما رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، فتفيد معلومات «الأخبار» بأنه أسّس قوة تدعى «حفظ النظام»، قوامها 34 ألف عسكري من مختلف القوات الأمنية، لمنع تكرار سيناريو «البصرة 2018».
(الأخبار)