باريس | عانى الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، على الدوام، من ازدواجية مزمنة طبعته ومساره وشخصيته السياسية. فهو يحظى بكثير من الشعبية على الساحة الدولية، حيث ارتبطت سياساته بمقارعة الهيمنة الأميركية حين تصدّى لحرب احتلال العراق، ثم دافع عن حق الدول الأفريقية الفقيرة في تصنيع الأدوية، من دون الرضوخ لهيمنة الشركات العالمية. وعُدّ «صديقاً للعرب»، خصوصاً بعد حادثة اشتباكه بالأيدي مع الشرطة الإسرائيلية، خلال زيارته القدس المحتلة عام 1997. أما على الصعيد الداخلي الفرنسي، فمُني الرجل بهزائم مدوية. خسر الأغلبية البرلمانية بعد أقل من عامين على فوزه بالرئاسة. وتدهورت شعبيته، على خلفية ارتباط اسمه بعدد من أخطر قضايا الفساد التي شهدتها فرنسا، على مدى ربع قرن، فبقي اسمه في سجلات السياسة الفرنسية بوصفه أول رئيس تدهورت شعبية إلى ما دون عتبة العشرين في المئة. وهو ما لم يحدث حتى مع الجنرال ديغول، حين أطاحته الانتفاضة الطلابية، عام 1968!


وها هو اسم شيراك يرتبط اليوم بسابقة أخرى، بوصفه أول رئيس فرنسي تدينه محكمة الجنابات بتهم الفساد والاختلاس وتبديد المال العام.
وبالرغم من أن شبهات الفساد كانت تحيط بشيراك على الدوام، منذ أن دخل السياسة أواخر الستينات مساعداً لجورج بومبيدو، وغريماً لفاليري جيسكار ديستان، إلا أن أحداً لم يكن ليتصور أن جاك سيسقط ـ أخيراً ـ بسبب 21 وظيفة وهمية منحها لمقربين منه، أيام كان عمدة لباريس. وهو الذي استطاع، طوال ربع قرن، أن يفلت من ملاحقات القضاة. فقد تخفّى وراء الحصانة الرئاسية، لتأخير مثوله أمام المحكمة في فضيحة بلدية باريس طوال 16 عاماً، ثم تحجج بـالـ«ألزهايمر»، نهاية الصيف الماضي، لتفادي الوقوف أمام القضاة. لكن ذلك لم يحدّ من إصرار القضاة على إدانته. بحيث شكلت هذه القضية نوعاً من «التعويض» و«التنفيس عن الضرر» من قبل الجهاز القضائي الذي عامله شيراك، على الدوام، بكثير من الازدراء...
لا يزال الفرنسيون يذكرون كيف سخر شيراك، في خطاب شهير، من الاستدعاء الذي وجّهه إليه قاضي التحقيق رونو فان ريمباك عام 2003، في قضية الاشتباه بتورطه في تبييض الأموال، ضمن ما سمي لاحقاً «فضيحة تذاكر السفر»، التي كان نزيل الإليزيه يدفع ثمنها نقداً لمقربين منه، خلافاً للقانون.
رفض شيراك المثول أمام القاضي، آنذاك، ولو بصفة شاهد ـ كما اقترح أعضاء المجلس الدستوري ـ لأن «فضيحة تذاكر السفر» تلك، لم تكن سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد. وكان من الممكن أن تشرِّع الأبواب أمام إثارة موضوع الفضيحة الأخطر، التي فجّرها رجل الأعمال جان كلود ميري، حين وجّه إلى وزارة الاقتصاد الفرنسية، قبيل وفاته عام 1994، شريطاً كشف أنه قدّم لشيراك «حقائب مالية» بملايين الفرنكات، كرشى مقابل الظفر بصفقات عمومية.
لم تجد تلك القضية طريقها إلى قاعات المحاكم. ولم يفلح قاضي التحقيق إيريك ألفان، الذي كُلِّف بها، في فتح أي تحقيق أيضاً في قضية الحسابات السرية التي اشتُبه، عام 2006، بأن شيراك يمتلكها في اليابان. ومن جهتها، لم توفق قاضية مكافحة الفساد، إيفا جولي، بالرغم من القبضة الحديدية التي تشتهر بها، من أن تسلّط الضوء على قضية أخرى تتعلق بالاشتباه في تمويل حملة شيراك في انتخابات الرئاسة، عام 1995، من قبل صديقه (رئيس الحكومة اللبنانية الراحل) رفيق الحريري.
وكان بإمكان هذه القضية الأخيرة أن تعود إلى الواجهة بعد سقوط الحصانة عن شيراك، حين خرج من الرئاسة، في أيار 2007. خصوصاً أنه غادر قصر الإليزيه إلى شقة مملوكة ـ ظاهرياً على الأقل ـ لآل الحريري. وهي شقة من طابقين تقع على الضفة اليمنى لنهر السين، على مرمى حجر من الحي اللاتيني. واشتبهت وسائل الإعلام الفرنسية، وفي مقدمها صحيفة «لوكانار أونشينيه»، التي تشتهر بتحقيقات مثيرة حول قضايا الفساد، بأن تلك الشقة هي في الحقيقة ملك شيراك، وأن عائلة الحريري ليست سوى واجهة تم اللجوء إليها لتفادي المساءلة عن مصدر الأموال التي استُعملت لشرائها. بالطبع، نفى شيراك تلك التهم، مؤكداً أن عائلة صديقه اللبناني وضعت الشقة المذكورة تحت تصرفه مؤقتاً، ريثما يجد شقة لائقة ينتقل اليها. علماً انه وزوجته لا يزالان يقيمان في تلك الشقة المؤقتة منذ أكثر من أربع سنوات، من دون أن يجرؤ أي قاضي تحقيق على تحرّي الأمر!
وعادت شبهات الفساد لتطاول شيراك، الصيف الماضي، إثر الفضيحة التي فجّرها المحامي روبير برجي، حين اعتراف بأنه تولى على مدى سنوات طويلة نقل حقائب مالية إلى شيراك في بلدية باريس ثم في الإليزيه، كـ«هدايا» من رؤساء عدد من الديكتاتوريات الأفريقية، ومن مقدمهم رئيس الغابون الراحل عمر بانغو. لكن الجهاز القضائي بقي ساكناً، ولم يقم قضاة التحقيق باستدعاء شيراك، مكتفين باستجواب مدير مكتبه السابق فيليب دوفيلبان.
ويعتقد العارفون بخفايا اللعبة السياسية الفرنسية بأن سر «كف الأذى القضائي» عن شيراك يعود إلى «تسوية» أُبرمت سرّاً بينه وبين ساركوزي، قبيل انتخابات الرئاسة، عام 2007. يتوقّف بموجبها أذى أنصار شيراك عن ساركوزي، مما يسهّل وصوله إلى قصر الرئاسة، في مقابل منع أي متابعات قضائية جديدة ضد الرئيس السابق، بحجة أن «البهدلة القضائية» لا تليق بمقامه، خصوصاً أنه مريض ومتقدم في السنّ! مما يفسّر، بلا شك، لماذا تشبث القضاة بقضية الوظائف الوهمية المتعلِّقة ببلدية باريس، بالرغم من أنها لا تمثل سوى قطرة في بحر «آلية الفساد الشيراكية».
والسبب في ذلك أن التحقيق في قضية «الوظائف الوهمية» فُتح عام 1997، وكان من المفروض أن يمثل شيراك أمام المحكمة، إلى جانب ألان جوبيه، عام 2004. لكن ذلك المسعى اصطدم بالحصانة الرئاسية. ولكن، مع مغادرة شيراك الحكم، تمكّن القضاة من إعادة فتح القضية، تمهيداً لمحاكمته. ولم تستطع وزارة العدل أن تعترض أو أن تتدخل لإجهاض القضية، كما فعلت بالتحقيقات الأخرى، لأن التحقيق كان قد فُتح وسبق أن طُرح للمحاكمة، عام 2004.