أثناء حملته الانتخابية، كرر الرئيس الأميركي باراك أوباما كثيراً أمام ناخبيه أنّه سيكون مختلفاً عن سلفه جورج بوش الابن، وخصوصاً في مجال حقوق الإنسان والحريات العامة التي انتهكت كثيراً في أعقاب 11 أيلول وتصعيد الحرب على الإرهاب، داخل الولايات المتحدة وخارجها. كان أوباما حينها يصف سجن غوانتنامو بأنّه «فصل حزين في التاريخ الأميركي»، وقبل انتخابه وعد بأنّه في حال وصوله إلى البيت الأبيض فإنّ المعتقل سيغلق في 2009.


في 22 كانون الثاني 2009، بعد يومين على انتقاله إلى البيت الأبيض، طلب أوباما من إدارته اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لإيقاف المحاكمات بحق معتقلي سجن الجزيرة الكوبية لمدة 120 يوماً، من أجل دراسة ملفاتهم وتحديد ما إذا كانوا سيخضعون للمحاكمة أو لا. في اليوم التالي، وقّع الرئيس على أمر تنفيذي يقضي بإغلاق السجن خلال سنة 2009. كما أنّ الإدارة وجدت سجناً مثالياً في إيلينوي لتنقل إليه المساجين، وبدأت إجراءات شرائه من الولاية. بعد أقل من عامين بأيام، في السابع من كانون الأول 2011، وقّع أوباما نفسه على قانون نفقات وزارة الدفاع الذي احتوى بنداً يمنع نقل معتقلي غوانتنامو الباقين فيه، أي 171 شخصاً، إلى الأراضي الأميركية أو إلى دولهم أو أي دولة تريد استقبالهم، مغلقاً بالتالي الباب، مؤقتاً، أمام اغلاق السجن الشهير.
هكذا استثمر الرئيس الأميركي قضية السجن مع مناصري حقوق الإنسان والناخبين التقدميين والمستقلين، قبل انتخابه، ليعود ويتراجع عن وعوده التي عدّت ثورية خلال الحملة. إذ رأى البعض أنّ اوباما، لو حقق نصف ما وعد به، لأحدث انقلاباً في السياسة الأميركية، داخلياً وخارجياً، لكنّ ناخبيه ومناصريه اكتشفوا فيه، بعد وصوله إلى السلطة، امتداداً للعهود الديموقراطية السابقة، وحتى لبعض الجمهورية منها.
لكنّ مستشاريه والمقربين منه يدافعون عنه في مسألة غوانتنامو. إذ يرى هؤلاء أنّ نيّة الرئيس كانت صادقة، لكنّ وزارة العدل اصطدمت بمعوقات قانونية ولوجستية بعد كانون الثاني 2009. عندما بدأ الموظفون دراسة ملفات المعتقلين، استجابة لأمر الرئيس الجديد، اكتشفوا عدم وجود ملفات بحق عدد كبير من المساجين، ليقتصر الأمر على تحقيقات هنا وهناك، يتطلب جمعها في ملفات موحدة فترة طويلة. ولذلك، بعد انتهاء مهلة الـ 120 يوماً، عادت المحاكمات للعمل، وفي تشرين الثاني 2009، قبل شهرين من انقضاء المدّة التي حددها في أمره التنفيذي بداية العام، قال أوباما إنّه «قد لا نتمكن من إغلاق السجن في الوقت المحدد». ظنّ المتحمسون للرئيس أنّه قد يغلق في العام التالي، لكن مرت 2010، والأمور على ما هي عليه، وها هي 2011 تنتهي والسجن مكانه، يستضيف أشخاصاً رماهم حظهم المتعثر في طريق الكاوبوي الأميركي.
لم يصبح غوانتنامو سجناً إلا في أعقاب 11 أيلول، ليرتبط اسمه بالهجمات، مذّاك. فهو كان قاعدة عسكرية احتفظت بها واشنطن من أيام علاقاتها الجيدة مع كوبا، بداية القرن الماضي، وكانت تستخدم لإيواء المهاجرين الكوبيين والهايتيين غير الشرعيين حتى 1993، حين اعتبره القضاء الأميركي غير قانوني. وحين بدأت القوات الأميركية تعتقل كلّ من له لحية في أفغانستان نهاية 2001، ولم تعد سجون كابول تتسع لهم، اعتمدت القاعدة سجناً لكونها بعيدة عن الأراضي الأميركية.
أول عشرين معتقلاً وصلوا في 11 كانون الثاني 2002، ليلحق بهم 775، أفرج عن المئات منهم، بعد سنوات، حين اكتشف المحققون أنّهم فعلاً أبرياء، فيما استقبلت دول أخرى بعض المعتقلين في سجونها، ومنها بعض الدول العربية، ودول ثالثة استقبلت من لم تثبت عليه تهم الإرهاب، لكن دولته الأم لا تريده.
أكثر ما ارتبط به اسم غوانتنامو هو قضايا التعذيب الذي تعرض له السجناء على أيدي محققي وكالة الاستخبارات الأميركية، أو المتعاقدين معها ومع الجيش. وتحدث الكثيرون ممن خرجوا منه عن تقنيات الإغراق، الانتهاكات الجنسية، التخدير، والاضطهاد الديني. أدى ذلك إلى محاولات انتحار بين السجناء، نجح بعضها. وادعى بعض من خدموا في السجن من الجيش الأميركي بأنّ بعض السجناء توفوا جراء التعذيب، لا انتحاراً.
لا يزال السجن يمثّل مادة سجالية كبيرة في الولايات المتحدة، على المستوى السياسي والقانوني، وبين المواطنين. إذ إنّ المدافعين عن بقائه لا يريدون نقل السجناء إلى الأراضي الأميركية لأنّهم سيتمتعون فوراً بحقوق إنسانية بسيطة، ترفض الإدارات الأميركية المتعاقبة منحهم إياها في الجزيرة الكوبية. وأدى ذلك الى نقاش كبير لم ينته حول مكان محاكمة نزلاء المعتقل: هل يتم ذلك في مكان إقامتهم، أو ينقلون إلى الأراضي الأميركية من أجل محاكمة مدنية؟ دعاة الحل الأول لا يريدون تكبيد دافعي الضرائب تكلفة نقل المتهمين وتأمين الحماية للمحكمة، إذ يصر هؤلاء على أنّ تنظيم القاعدة سيستغل الفرصة ليشن هجوماً ما على مكان انعقاد المحاكمة. ويردد هؤلاء أنّ السجن هو المكان المثالي لبعده عن أي تجمع سكاني كبير.




محاكمات مدنية أم عسكرية؟

أبرز من ينتظر المحاكمة اليوم من نزلاء غوانتنامو هو خالد الشيخ محمد، الذي اعترف في 2007، بالمشاركة في تخطيط وتنفيذ ثلاثين اعتداء، منها 11 أيلول، وتفجيرات بالي في أندونيسا وقتل الصحافي الأميركي دانيال بيرل، التخطيط لقتل جيمي كارتر، التخطيط لتفجير جسور في نيويورك، التخطيط لتفجير مبان في إيلات في اسرائيل، وغيرها حول العالم.
ومنذ أن اتخذ القرار لبدء محاكمته التي اعتمدت مدينة نيويورك مركزاً لها، تدور المعركة بين جبهتين: جبهة المحاكمات المدنية، وجبهة المحاكمات العسكرية. ويروّج كلّ طرف لمميّزات اقتراحه، والأسباب التي تجعله أفضل من الآخر. مناصرو الحل المدني يرون أنّ الإدارة الحالية ستكون وفيّة لمبادئها في حال فرض ذلك النوع من المحاكمات على باقي المتهمين، ورفضت الاستجابة لمطالب الجمهوريين. لكنّ بعض الديموقراطيين يخافون من ردة الفعل الجمهورية على قرار مماثل، إذ سيشنون حملة شعواء على الإدارة، ويحاولون إضعافها في أي استحقاق انتخابي آت، وخصوصاً أنّ الرئيس أوباما على أبواب إعادة انتخابه مجدداً، نهاية العام المقبل. كما أنّ بعض استطلاعات الرأي التي أجريت في الأشهر الماضية تشير إلى تدني نسبة القبول بالمحاكمات المدنية بين الناخبين. إذ بيّن استطلاع أجرته صحيفة «واشنطن بوست» ومحطة «آي بي سي» أنّ 59 في المئة من الناخبين يفضلون المحاكمات العسكرية، مقابل 35 في المئة ممن يفضلون المحاكمات المدنية. كذلك، في حال اتخاذ وزارة العدل القرار ووافق عليه الرئيس، قد يمنع الكونغرس، الذي يسيطر فيه الجمهوريون على مجلس النواب، التمويل عن المحاكمات، كي يعرقلوا عملها.
في الجانب الآخر، يرى مناصرو المحاكمات العسكرية أنّ الإدارة ستربح في حال اعتماد ذلك الحلّ لأنّه الأكثر شعبية بين الناس. كما سترتاح من همّ الهجوم الجمهوري عليها وتبرهن أنّ مقولة «الديموقراطيين يعتمدون اللين والضعف مع الإرهاب» خاطئة. ويقول المتفائلون بهذا الحل إنّ الإدارة يمكنها رعاية تعاون بين الحزبين، وهو أمر محبب لدى أوباما، في تلك المسألة. لكن قد تتعرض الإدارة لانتقادات كبيرة إذا اعتمدت الحل العسكري، لأنّها بقيت سنتين لا تتحدث سوى في موضوع المحاكمات المدنية، ما سيضعفها أكثر بين ناخبيها الليبراليين والتقدميين. كما سيعتبر أنّ الرئيس اختار حلاً أسهل سياسياً ليتجنب المتاعب، عوض الدفاع عن آرائه ومعتقداته.