إسطنبول | لكلّ من الأحزاب التركية المعارِضة الثلاثة أسبابها الموجبة في رفض سياسة حكومة بلادها إزاء النظام السوري. ونظراً إلى أنّ حزب «الشعب الجمهوري» يضمّ تاريخياً كتلة علوية تركية كبيرة، ويرأسه حالياً رجل علوي هو كمال كليتش دار أوغلو، ولأنّه هو الحزب المعارض الأكبر في البلاد، كان من الطبيعي أن تذهب بعض التحليلات إلى اعتبار أنّ معارضته لسياسة أنقرة تجاه نظام الرئيس بشار الأسد نابعة من «تضامن علوي» بين أبناء المذهبين في البلدين الجارين. غير أنّ الواقع يبدو بعيداً عن هذا التفسير، وخصوصاً أنّ موقف «الشعب الجمهوري» ليس متحمّساً لمصلحة نظام الأسد، بل هو يعارض موقف حكومته «لمجرد كونه في المعارضة»، وبالتالي لا يجوز أن يصفّق لسياساتها الداخلية أو الخارجية، على حدّ تعبير أستاذ علم الاجتماع مسعود ييغين في حديث مع «الأخبار». وفي السياق، يشير ييغين إلى أن «الشعب الجمهوري» «عاجز عن بلورة مواقف سياسة خارجية واضحة تجاه أزمات المنطقة»، وخصوصاً أنّ أولوية هذا الحزب لا تزال أوروبية، وهو لا يحبّذ سياسة «العودة إلى الشرق» التي اعتمدتها حكومة حزب «العدالة والتنمية». ويجزم الأستاذ الجامعي نفسه بأنّ نقاط التشابه بين العلويين السوريين والعلويين الأتراك نادرة، «باستثناء العلويين النُصَيريّين الأتراك الذين يعيشون في جنوب تركيا ممن يُسمّون العلويين العرب»، نظراً إلى أن معظمهم جذورهم عربية من مناطق حدودية ضمّتها تركيا إلى أراضيها، كلواء الإسكندرون مثلاً. ويؤكد عدد كبير من المراقبين أنّ جزءاً فقط من هؤلاء «العلويين العرب» في تركيا، الذين يظلون أقلية في المجتمع العلوي البالغ عديد أفراده نحو 20 في المئة من الشعب التركي (تقريباً 14 مليون مواطن)، يعربون عن دعمهم للنظام الحاكم في سوريا لأسباب تتعلق بـ«الوحدة المذهبية». وفي السياق، يلفت نائب رئيس «الاتحاد العلوي» في تركيا، كمال بلبل، إلى ضرورة التعاطي مع الأحداث السورية من عدة اتجاهات، إذ «كون العلوية هي مذهب الرئيس السوري، فإنّ البعض يحاول تصوير العنف الممارس في سوريا حالياً على أنه عنف علوي، وهو ما نصنفه في خانة المؤامرة ضدنا كعلويين، لأن طائفتنا منحازة دائماً إلى جانب المقموعين، ولأنّ هناك أشخاصاً يمارسون سياسات مناقضة للمذهب العلوي». وفي الجانب السياسي العريض، يرى بلبل أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل تريدان إعادة تصميم المنطقة من جديد، والأحداث الدائرة في البلاد حالياً جزء من هذه اللعبة، وتركيا مشاركة فيها جدياً». لكنه في المقابل يشدد على أنّ هذا التحليل لا يبرر بقاء الأنظمة التسلطية في المنطقة. تحليل يخلص منه بلبل إلى تثبيت موقف مذهبه من الأحداث السورية: إنّ تدخُّل القوى الأجنبية في الشؤون السورية الداخلية غير مقبول، وفي الوقت نفسه، فإنّ التعاطي القمعي الديكتاتوري للنظام السوري يجب أن يتغير أيضاً. وكترجمة لسلوكه وموقفه المناهض لأداء حكومة رجب طيب أردوغان إزاء الأزمة السورية، يزور وفد من حزب «الشعب الجمهوري» دمشق في الأيام القليلة المقبلة «لمعاينة الأحوال عن قرب وللتباحث في الأوضاع مع القيادة السورية»، علماً بأنّ العبارة التي تتكرّر على لسان قيادة «الشعب الجمهوري» ضد سياسة حكومة بلاده هي أنها «وضعت نفسها في خدمة الدبلوماسية الأميركية والعمل لتحقيق المصالح الأميركية لا التركية». موقف يجمع الأتراك على أنه لا علاقة له بالمذهب العلوي لزعيمه كليتش دار أوغلو، تحديداً، بما أنّ إحدى السمات الرئيسية للعلوية التركية هي النزعة العلمانية البعيدة عن التعصّب والممارسة الدينيين، وتختلف جذرياً عن العلوية السورية.

ويرأس الوفد «الجمهوري» إلى دمشق السفير التركي السابق لدى الولايات المتحدة فاروق لوغوغلو المعارض لـ «التدخل الأجنبي في سوريا»، لأنّ أي تدخل عسكري «سيجلب مشاكل إضافية إلى المنطقة»، ومن هنا ينبع إصرار حزبه على ضرورة بذل حكومة أردوغان المزيد من الجهود الدبلوماسية. ويرى لوغوغلو أنّ كلمات التحذير التي صدرت عن أردوغان إزاء نظام الأسد بشأن نفاد صبر أنقرة هو أمر «خاطئ على الصعيدين السياسي والدبلوماسي»، لأنّ الدبلوماسية التركية إزاء سوريا يجب أن تنطلق من المصالح التركية لا الأميركية، وخصوصاً في ملفات الأزمة الكردية وعلاقات القربى التي تربط بين الأتراك والسوريين والمصالح الاقتصادية التركية وارتفاع التبادل التجاري. وعن هذا الشأن، يجزم الدبلوماسي التركي المعارض بأنّ إعلان أنقرة أنها لن تكون جزءاً من أي حملة عسكرية أجنبية ضد سوريا ليس كافياً، لأن على أنقرة بذل كافة جهودها للحؤول دون حصول الضربة العسكرية. ويحدّد لوغوغلو ما يجب أن تكون عليه مواقف حكومته من الأزمة السورية على الشكل الآتي: على تركيا إبقاء مساعداتها الإنسانية للنازحين السوريين، والقيام بدور الوسيط بين نظام الأسد والمعارضة السورية.