إسطنبول ــ الأخبار

... وأخيراً، انتقلت تركيا من حيّز التهديد الكلامي في حربها الباردة مع إسرائيل، إلى مرحلة الفعل، وذلك بتأخُّر عام وأربعة أشهر باعتراف المسؤولين الأتراك أنفسهم؛ فمع انقضاء المهلة النهائية التي سبق أن حددتها القيادة التركية السياسيّة بالثاني من أيلول الجاري (أمس) لكي تقدم دولة الاحتلال اعتذارها الرسمي لأنقرة على جريمة «أسطول الحرية»، خلع وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو رداء الدبلوماسية الهادئة المعروفة عنه، وأعلن خمسة قرارات عقابية بحق دولة الاحتلال من العيار الثقيل.

عقوبات لطالما لوّحت بها أنقرة لفظياً منذ أيار 2010 في إطار الانتقال إلى «الخطة ب» إذا لم تلبِّ إسرائيل شرطيها بالاعتذار والتعويض. وجاءت العقوبات بعد ساعات قليلة من نشر صحيفة «نيويورك تايمز» النص الحرفي لتقرير «لجنة بالمر» (راجع التقرير في الصفحة المقابلة) التي ألفتها الأمم المتحدة للتحقيق في ملابسات جريمة «مافي مرمرة»، التي أودت بحياة 9 مواطنين أتراك كانوا يحاولون كسر الحصار «الشرعي» المفروض على قطاع غزة حسب مصطلحات التقرير الذي رأت أنقرة أنه «باطل وغير موجود»، بينما سارعت تل أبيب إلى القبول بخلاصاته غير الملزمة.
وبعدما شنّ داوود أوغلو حملة عنيفة على التقرير وما تضمّنه، فصّل العقوبات التركية الخمس على إسرائيل على النحو الآتي:
1ـــــ خفض العلاقات بين تركيا وإسرائيل من مستوى القائم بالأعمال حالياً (بعد سحب السفير منذ جريمة الأسطول) إلى درجة السكرتير الثاني، و«بالتالي فإنّ جميع الموظفين فوق مستوى السكرتير الثاني وخصوصاً السفير، سيعودون إلى بلادهم يوم الأربعاء على أبعد حد»، وهو ما يعني عملياً طرداً للسفير الإسرائيلي في أنقرة غابي ليفي، وعدم الموافقة على قبول اعتماد سفير جديد بدلاً منه بعدما يحال الرجل على التقاعد قريباً.
2ـــــ وقف العمل بكافة الاتفاقات العسكرية بين تركيا وإسرائيل.
3 ـــــ ستتخذ تركيا خطوات حول حرية حركة الملاحة البحرية في شرق البحر المتوسط «باعتبارها البلد الذي يملك أطول ساحل على هذا البحر» من دون أن يقدم إيضاحات.
4 ـــــ لن تعترف تركيا بعد اليوم بالحصار الإسرائيلي المفروض على غزة، وستأخذ الملف إلى محكمة العدل الدولية التابعة للأمم المتحدة في لاهاي لكي تقرر بشأن مشروعية الحصار من عدمه.
5 ـــــ ستدعم تركيا عائلات ضحايا أسطول الحرية وستحاكم المسؤولين عن الجريمة في المحاكم التركية والأجنبية.
وفي المؤتمر الصحافي الذي أعلن فيه قرارات بلاده، رأى داوود أوغلو أن «لا الحكومة الإسرائيلية التي أمرت بتنفيذ الهجوم على سفينة مافي مرمرة، ولا الذين نفذوا الهجوم هم فوق القانون»، متوعداً بمحاسبة هؤلاء، قائلاً إن «الجميع في موقع دفع الثمن عن أفعالهم أمام المحاكم والعالم يتغير، ومن يقتل المدنيين ويرتكب جرائم ضد الإنسانية سيمثل عاجلاً أو آجلاً أمام القضاء». كذلك جدّد اتهام إسرائيل بانتهاك القانون الدولي بالهجوم على أسطول الحرية الذي وصفه بأنه «ليس جريمة بسيطة»، مشدداً على أن الدولة العبرية «انتهكت ضمير الإنسانية والقيمة الإنسانية الأساسية بالحق في الحياة». ورأى أن «الوقت حان لتواجه إسرائيل التداعيات وتدفع ثمناً عن تصرفاتها غير المشروعة واعتبار نفسها فوق القانون الدولي وإغفال الضمير»، جازماً بأنه «آن الأوان كي تدفع إسرائيل ثمناً لأفعالها اللامشروعة. وهذا الثمن، بادئ ذي بدء، سيكون حرمانها من صداقة تركيا».
وفيما أشار رئيس الدبلوماسية التركية إلى أن إسرائيل «فوّتت كل الفرص التي أتيحت لها لإصلاح العلاقات مع تركيا»، كشف أنّ تأجيل صدور تقرير «لجنة بالمر» المتكرر جاء بطلب من الحكومة الإسرائيلية، مشيراً إلى أن أنقرة رفضت طلباً إسرائيلياً بتأجيل التقرير 6 أشهر إضافية.
وفي السياق، كشفت مصادر تركية، في اتصال مع «الأخبار»، جزءاً من حيثيات العقوبات التركية؛ إذ إنّ وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون طلبت من داوود أوغلو، عندما التقيا في العاصمة الفرنسية باريس قبل أيام، تأجيلاً جديداً لنشر «تقرير بالمر» لـ4 أسابيع جديدة، فوافق الوزير التركي بشرط أن تكون تلك المهلة نهائية، قبل أن تفاجئ صحيفة «نيويورك تايمز» الجميع بنشرها مضمون التقرير. عندها، بحسب المصادر، اتصل داوود أوغلو بالأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون للاستفسار عن النشر، فما كان من المسؤول الأممي إلا الإعراب عن صدمته من النشر الصحافي، فصدر القرار التركي السريع بإعلان العقوبات. وأشارت مصادر «الأخبار» إلى أنه سبق للأتراك أن أبلغوا الإدارة الأميركية بنيتهم فرض هذه العقوبات الخمس، «بالتالي فإنّ إسرائيل والولايات المتحدة لم يتفاجآ لأنهما كانتا على علم بالنيات التركية».
وعن وضع العقوبات التركية حيّز التنفيذ، أكّدت مصادر «الأخبار» أنّه يجدر انتظار زيارة قريبة لرئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان لقطاع غزة عبر الأراضي المصرية في ترجمة سريعة لاعتبار الحصار الإسرائيلي على القطاع الفلسطيني غير شرعي. إضافة إلى ذلك، «يجدر توقُّع رؤية سفن تركية عسكرية تجول بنحو شبه دائم في المياه الإقليمية المتوسطية، وتحديداً في المكان الذي تعرضت فيه سفينة مافي مرمرة للجريمة» في 31 أيار 2010، وذلك لهدفين: كسر الإرادة الإسرائيلية بالسيطرة الضمنية على منطقة المياه الإقليمية، ومنع إسرائيل من الاستفادة من الثروات النفطية التي قد تكون موجودة تحت تلك المياه الإقليمية.
بدوره، سارع الرئيس التركي عبد الله غول، وسط استنفار إعلامي تركي احتلّ الحدث كامل تغطيته وأثيره يوم أمس، إلى مهاجمة تقرير «لجنة بالمر»، مشيراً إلى أنه «باطل وكأنه لم يكن بالنسبة إلينا». واعترف غول بأنّه «كان يجب اتخاذ هذه الإجراءات (العقوبات) قبل الآن، لكننا من أجل منح فرصة لدولة حليفة (الولايات المتحدة) لممارسة جهودها الحسنة النية، انتظرنا حتى اليوم».
وحذّر من أن «الإجراءات التي أعلنّاها اليوم هي الخطوة الأولى، ووفقاً لتطور الأحداث والموقف الإسرائيلي، يمكن اتخاذ إجراءات إضافية في المستقبل». وأنذر بأن تركيا «التي هي أكثر دولة نفوذاً في المنطقة، لن تحافظ على حقوق مواطنيها فحسب، بل على حقوق الشعوب التي هي بحاجة إليها، وعلى المجتمع الدولي أن يكون مدركاً
لذلك».