فراس خطيب

لا تنوي إسرائيل تغيير نهجها العسكري والتهديد بالقوة واستخدامها بالفعل ضدّ من يحاول كسر الحصار المفروض على قطاع غزة؛ فقد قرّر المجلس الوزاري المصغّر للشؤون السياسية والأمنية (الكابنيت)، في جلسته، أمس، التي بحث فيها سبل التصدي للأسطول المتوقع انطلاقه هذا الأسبوع من اليونان باتجاه القطاع، أنّ على الجيش الإسرائيلي أن يمنع وصول الأسطول، في إطار «الحدّ الأقصى من الامتناع عن استخدام القوة». كما أمر وزارة الخارجية بمواصلة جهودها الدبلوماسية لمنع خروج السفن من اليونان باتجاه القطاع. وبحسب وسائل الإعلام العبرية، فإنّ المجلس الوزاري المصغّر أنهى يومين من المباحثات حول الرد الإسرائيلي على الأسطول المتوقع انطلاقه هذا الأسبوع.
وقال مصدر إسرائيلي إنّ الوزراء استمعوا الى تقديرات مسؤولين من الأجهزة الأمنية ومندوبين عن وزارة الخارجية، تفيد بأنّه لا معلومات لدى تل أبيب حول وجود «إرهابيين» بين النشطاء الذين سيكونون على متن السفينة. وأعرب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن أنّ السياسة التي ستتبعها دولة الاحتلال هي نفسها التي اتبعتها مع الأسطول السابق (أسطول الحرية)، مشيراً إلى أن حكومته مستمرة بفرض الحصار البحري على غزة، «ولن تسمح للسفن بالوصول إلى القطاع». وكانت وسائل الإعلام العبرية قد نقلت أنباءً قبل أيام، تفيد بأنّ القوات البحرية الخاصة قد أجرت مناورات في عرض البحر، استعداداً للسيطرة على الأسطول. وتابع مصدر إسرائيلي أنّه جرى نقل رسائل الى منظمي الأسطول مفادها بأنه «في حال توقفوا في ميناء أشدود، فإنّ إسرائيل ستوافق على نقل البضاعة الإنسانية التي سيجلبونها مباشرة إلى قطاع غزة». بالإضافة إلى ذلك، وبحسب صحيفة «هآرتس»، فقد جرت في الأيام القليلة الماضية محادثات مع الحكومة المؤقتة في مصر، تم التوصل خلالها إلى موافقة مصرية لتمكين السفن من تفريغ بضاعتها في ميناء العريش، ونقلها إلى غزة عن طريق معبر رفح البري.
وقد جرى إطلاع الوزراء الإسرائيليين على أنّ منظمة «أي إتش إتش» التركية، قد أعلنت أنّ سفينة «مرمرة»، التي تعرضت لهجوم عسكري إسرائيلي وقتل تسعة أشخاص كانوا على متنها في 31 أيار 2010، لن تشارك في الأسطول. ورأت مصادر إسرائيلية أنه بعد إعلان المنظمة التركية، انخفضت احتمالات وقوع مواجهة عنيفة. لكن الدولة العبرية لا تنفي حدوث مواجهات بين الجيش و«نشطاء عرب قد يكونون على متن السفينة».
ولفت مصدر مسؤول في الجهاز الأمني الإسرائيلي إلى أنّ وكالات الاستخبارات المختلفة لم تحصل حتى الآن على معلومات تذكر عن وجود «إرهابيين» في الأسطول، أو وجود نشطاء مرتبطين بـ«منظمات إرهابية». وتابع المصدر قائلاً إن «الكتلة الرئيسية من المشاركين تضمّ نشطاء حقوق إنسان من دول الاتحاد الأوروبي وكندا والولايات المتحدة».
أما بما يتعلق بالجهود الدبلوماسية الإسرائيلية، فقد كشف مندوبو وزارة الخارجية في الجلسة الحكومية أن أساس عملهم يرتكز على اليونان. وكانت السلطات اليونانية قد نشرت اعلاناً تحذيرياً لمواطنين يونانيين بعدم التوجه إلى غزة عن طريق البحر. لكن رغم ذلك، لم تتخذ الحكومة اليونانية قراراً يمنع خروج الأسطول من ميناء اليونان لقطاع غزة. وقد أشار منظمو الأسطول إلى أن إسرائيل تمارس ضغطاً على أثينا لمنع إبحار الأسطول. وقالت الناشطة الأميركية، آن رايت، إن الدولة العبرية شرعت بحملة دبلوماسية هائلة «للحيلولة دون وضع الشراع على الأسطول». كما حث النشطاء، الحكومة اليونانية، في بيان، بعدم الخضوع لـ«أعمال إسرائيل غير القانونية»، وسط طمأنة الناشط فانجليس بسياس إلى أنّ الأسطول جاهز للمغادرة، من دون تحديد موعد لذلك.
وفي خضم السعي المؤسساتي الإسرائيلي لمنع إبحار الأسطول، بعث مكتب الصحافة الحكومي رسالة، حذرت الصحافيين الأجانب الذين يعملون في إسرائيل، من المشاركة بالأسطول، على قاعدة أن من شأن ذلك أن يؤدي الى عقوبات بحق الصحافيين، تشمل منعهم من دخول إسرائيل مجدداً.
وفي السياق، بعث المدير العام لنقابة الصحافيين أورون هيلمان، رسالة الى الصحافيين الأجانب قال فيها: «أود أن أوضح لكم ولوسائل الإعلام التي تمثلونها أن المشاركة بالأسطول هي خرق مقصود للقانون الإسرائيلي، ومن شأنها أن تؤدي الى منع دخول المشاركين إلى إسرائيل لمدة عشر سنوات، ومصادرة أجهزتهم بالإضافة الى عقوبات أخرى». ورأى في تحذيره أن «الأسطول هو استفزاز خطير ومنظّم بواسطة أطراف غربية وإسلامية متطرفة التي تساعد حركة حماس التي يعرف العالم أنها منظمة ارهابية اسلامية متطرفة».
وفي أعقاب هذه الرسالة، رد اتحاد الصحافيين الأجانب في إسرائيل بغضب كبير، ما دفع برئيس الوزراء الى إعادة النظر بهذا القرار. ولاحقاً، أصدر مكتب رئاسة الحكومة قراراً يفيد بأنه أمَر السلطات المختصة بوضع إجراءات خاصة متعلقة بالصحافيين الأجانب الذين سيشاركون بالأسطول ويصلون «خلافاً لقانون الدخول إلى إسرائيل». وقد أشارت وسائل الإعلام العبرية إلى أن نتنياهو خضع للضغط الدولي، وبالتالي تقرّر إدخال وسائل إعلام إسرائيلية ودولية إلى سفينة الجيش الإسرائيلي التي من الممكن أن تسيطر على الأسطول.
وكان اتحاد الصحافيين الأجانب قد ردّ برسالة غاضبة قبل تراجع «بيبي»، جاء فيها أن «أساس التعبير عن الرأي هو الحرية لجمع المعلومات ونقلها إلى الجمهور. وبعثت النائبة الفلسطينية في الكنيست، حنين زعبي، التي شاركت في الأسطول العام الماضي، برسالة مماثلة إلى مكتب الصحافة الحكومي، رأت فيها أن هذا القرار يدل على الحاجة الإسرائيلية «للسيطرة على المعلومات، والخوف من إظهار الحقائق مباشرة من دون وسيط». وتابعت إن «إسرائيل لها هدف واضح في استخدام المعلومات بشكل يحرض على المشاركين، ويخفي طريقة المواجهة الإسرائيلية للأسطول».

■ ■ ■

10 سفن و350 ناشطاً من 22 جنسية



يتألّف «أسطول الحرية 2» الذي يبحر إلى غزة، من مروحة واسعة من المشاركين الغربيين بمعظمهم، ومن بينهم شخصيات سياسية وإعلامية وحقوقية معروفة

باريس ــ عثمان تزغارت
انطلقت سفينة فرنسية تحمل اسم «الكرامة» (باللغة العربية) من ميناء «إيل روس» في جزيرة كورسيكا الفرنسية، لتكون في طليعة «أسطول الحرية 2» الذي يعتزم الانطلاق من جزيرة «كريت»، جنوب اليونان، لتحدّي الحصار الإسرائيلي على غزة.
وقال الناطق باسم حملة «سفينة فرنسية من أجل غزة»، كلود ليوستيك، في اتصال هاتفي مع «الأخبار»، إن «سفينة الكرامة التي أبحرت من كورسيكا هي ثاني سفينة فرنسية ستكون ضمن أسطول الحرية 2، إلى جانب سفينة لويز ميشال، الموجودة أصلاً في ميناء أثينا، بعدما تعذّر انطلاقها رمزياً من فرنسا». وهناك ضمن الأسطول سفن أخرى أميركية وكندية وإيطالية وإسبانية وإيرلندية وسويسرية، انطلقت من مختلف الموانئ المتوسطية، لتتجمع في «كريت»، بمبادرة من 20 جمعية ومنظمة عالمية. ومن المتوقع أن ينطلق هذا الأسطول الذي يضم في المجموع 10 سفن، بينها سفينتا شحن محمّلتان بالمؤن والمساعدات، نحو غزة لتحدّي الحصار الإسرائيلي.
يُذكَر أنّ حملة «سفينة فرنسية من أجل غزة» التي يتزعمها كلود ليوستيك، تمكّنت منذ مطلع العام الجاري من جمع 600 ألف يورو من التبرعات لتمويل المشاركة الفرنسية في «أسطول الحرية 2»، رغم الانتقادات السياسية والإعلامية المشكّكة في جدوى وفاعلية مثل هذه المبادرات. ويشير ليوستيك إلى أنّ «هناك 25 ناشطاً فرنسياً على متن سفينة لويز ميشال، و15 آخرين على متن سفينة الكرامة، من بينهم زعيم الحزب المناهض للرأسمالية (مرشح الرئاسة الفرنسية السابق) أوليفييه بيزانسنو، والبرلماني اليساري جان بول لوكوك، ورئيسة نقابة سوليداريتي أنيك كوبي، وشخصيات عديدة أخرى من الحقوقيين والنقابيين وممثلي المجتمع المدني». ويتابع أنه «إلى جانب ذلك، أسهمنا في تمويل سفينتي الشحن المرافقتين لأسطول الحرية، واللتين تحملان 250 طناً من المؤن والمساعدات الإنسانية والطبية».
أما عن مغزى هذه المبادرة، وخاصة في ظل التهديدات الإسرائيلية بمنع وصول الأسطول إلى شواطئ غزة، يوضح ليوستيك أنّ «هذه المبادرة ليست إنسانية فحسب، بل هي بالأساس مسعى سياسي يهدف إلى كسر الحصار الإسرائيلي غير المشروع على غزة». ويضيف في هذا الإطار أنه «إذا تمكنّا من الوصول إلى شواطئ غزة، فإن المؤن التي يحملها الأسطول لن تكون كافية وحدها لإنقاذ الغزاويين. لكنّ البعد الرمزي سيكون الأهم. فإذا نجحنا في خرق الحصار الإسرائيلي، فإن ذلك سيشجع على القيام بمبادرات أخرى من هذا النوع. وهذا الفعل السياسي ضروري وبالغ الأهمية، لأنه منذ 5 سنوات يعيش مليون ونصف مليون فلسطيني في غزة تحت وطأة الحصار الإسرائيلي غير المشروع، بينما المنظومة الدولية لا تحرك ساكناً». حقائق يوردها ليوستيك ليخلص إلى أنه «يجب علينا كممثلين للمجتمع المدني أن نكون فاعلين بكل الوسائل، وأن نتحمل مسؤولياتنا في كسر هذا الحصار الظالم».
ومن المرتقب أن يضم «أسطول الحرية 2» قرابة 350 ناشطاً من 22 جنسية، وممثلين عن 50 وسيلة إعلامية. ومن بين السفن المشاركة سفينة أميركية تحمل اسم The Audacity of Hope (جرأة الأمل) المقتبس من عنوان كتاب شهير للرئيس الأميركي باراك أوباما، وموّلت هذه السفينة ميديا بنجامين، رئيسة منظمة Global Exchange الأميركية غير الحكومية، وداعية السلام نيك أبامسون، ناشر جريدة Woodstock International The.
وهناك أيضاً سفينة كندية تحمل اسم «تحرير» تتزعمها رئيسة المرصد الكندي لحقوق الإنسان ماري إيف رانكور التي أعربت عن استهجانها للضغوط السياسية التي حاولت عرقلة هذه المبادرة، مستغربة ألا تقتصر تلك الضغوط على الحكومة الإسرائيلية والمنظمات الصهيونية الموالية لها، بل «وصل الأمر إلى حدّ تدخّل الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون لحثّ حكومات دولنا على منعنا من الإبحار باتجاه غزة!».
وسبق لبان أن انتقد «أسطول الحرية 2»، قائلاً إن «الأمم المتحدة تعارض هذه المبادرة، ولقد كتبتُ إلى حكومات الدول المعنية طالباً منها الضغط على هؤلاء النشطاء لمنع مثل هذه المبادرات، لأنها تمثّل عامل تصعيد خطير». كذلك سبق للقائمين على هذه المبادرة أن اشتكوا من الضغوط السياسية الإسرائيلية والحملات الإعلامية التي تزعمتها المنظمات الصهيونية في أوروبا، لدفع حكومات دولهم إلى عرقلة مساعي تمويل «أسطول الحرية 2» والحشد له.
ورغم التصريحات المتشددة للحكومة الإسرائيلية التي هدّدت باستعمال كل الوسائل والسبل الممكنة لمنع أي خرق للحصار على غزة، فإن القائمين على «أسطول الحرية 2» واثقون من أن الدولة العبرية لن تجرؤ على تكرار سيناريو الهجوم على «أسطول الحرية 1»، الذي أدى إلى مقتل 9 نشطاء أتراك في 31 أيار 2010. ويستدلّون على ذلك بالوساطات التي بدأت مبكراً، قبل انطلاق الأسطول، لإقناعهم بالاكتفاء بإيصال المؤن والمساعدات إلى ميناء العريش المصري، لتُنقل لاحقاً إلى غزة، بعد مراقبتها. شرط يرفضه نشطاء «أسطول الحرية 2»، إذ يصرّون على أن ترسو سفنهم، مباشرة، في شواطئ غزة.