باريس | تصدّرت مسألة دعم الثورات العربية جدول أعمال قمة دول الثماني، التي افتُتحت ظهر أمس في مدينة «دوفيل»، على ساحل النورماندي الفرنسي، حيث استضافت القمة رئيسي الحكومة المصري، عصام شرف، والتونسي، الباجي قايد السبسي، لبحث آليات دعم الثورة وإنجاح التغيير في البلدين، من خلال برنامج ضخم من الاستثمارات والمساعدات الاقتصادية.

وتردّد في كواليس القمة أنّ هذه المساعدات قُدِّرت مبدئياً بـ 25 مليار دولار، تتوزع على مدى 5 سنوات، بالنسبة إلى تونس، فيما طلبت الحكومة المصرية ما بين 10 و12 مليار دولار من المساعدات العاجلة لضمان استقرار الاقتصاد المصري حتى منتصف العام المقبل.

ورغم الإجماع المبدئي للدول الصناعية الكبرى، التي تمثّل مجموعة الثماني، على إدراج مسألة «دعم ربيع الثورات العربية» في مقدّمة أولويات جدول أعمال القمة، إلى جانب مسألة الأمن النووي المدني التي فرضت نفسها على أثر كارثة فوكوشيما، إلا أن تجاذباً كبيراً حدث في الكواليس، حيث تباينت وجهات النظر بين الرئاسة الفرنسية للقمة والمحور الأميركي ـــــ البريطاني وروسيا، بشأن طبيعة الدعم الذي يجب أن تقدّمه القمة للثورات العربية، سواء للدول التي أُطيحت فيها الأنظمة الديكتاتورية، أو تلك التي لا تزال أحداث الثورة فيها على قدم وساق.
وقبل ساعات من افتتاح القمة، أعلن الرئيس الأميركي، باراك أوباما، ورئيس الحكومة البريطاني، ديفيد كاميرون، في مؤتمر صحافي مشترك عُقد في لندن، أن دول الثماني «ستخصص برنامجاً واسعاً من المساعدات الاقتصادية للدول التي تشهد حالياً مراحل تحول ديموقراطي، مثل تونس ومصر». أما فرنسا، التي ترأس القمة، فقالت على لسان المستشار الخاص للرئيس ساركوزي، هنري غينو، إن «القمة يجب ألا تتحوّل إلى مجرّد اجتماع للدول المانحة». لذا، حرصت الرئاسة الفرنسية على أن تستضيف القمة، إلى جانب رئيسَي الحكومة المصري والتونسي، زعماء 3 دول أفريقية شهدت أخيراً انتخابات ديموقراطية، وهم الحسن وتارا (ساحل العاج)، وألفا كوندي (غينيا)، ومحمد إيسوفو (النيجر). وجاء ذلك في لفتة رمزية، تهدف الى إعطاء هذا التأييد صبغة سياسية تتجاوز مسألة الدعم المالي، والتأكيد أن القصد هو دعم حركات التحول الديموقراطي سياسياً ودبلوماسياً، سواء جاءت عن طريق ثورات شعبية أو عبر صناديق الاقتراع.
وقال مصدر مقرّب من رئاسة القمة إنّ فرنسا ترى أن «دعم الثورات العربية يجب ألا يقتصر على الشق الاقتصادي المتعلق بتقديم مساعدات مالية الى الدول العربية، التي نجحت فيها الثورات في إطاحة الأنظمة الديكتاتورية، بل يجب أيضاً أن تعبّر القمة عن موقف سياسي قوي لدعم شعوب الدول التي لا تزال الثورات فيها تُواجه برصاص القمع».
وبعد «معركة كواليس» طويلة، جرى التوصّل إلى حل وسط تُرجم في بيان القمة، الذي يحمل تسمية «إعلان دوفيل»، والذي وُزّعت مسودته الأولية على وفود الدول المشاركة، من خلال فقرة معدّلة جرى تخفيفها، وأشارت إلى «ضرورة تقديم الدعم السياسي والدبلوماسي للدول العربية التي تشهد ثورات شعبية، والعمل على حماية المدنيين، ودفع الحكومات إلى احترام حق التظاهر السلمي».
ورغم التجاذبات التي دارت في الكواليس، إلا أن الرئيس الفرنسي أكّد أن هذه القمة ستكون «لحظة تاريخية، من شأنها أن تؤسس لعلاقة جديدة وشراكة طويلة الأمد مع العالم العربي».
وقالت المجموعة في مسودة بيانها الختامي إنها ستكافئ حكومتي تونس ومصر بإطلاق شراكة دائمة مع الدولتين اللتين «أطلقتا عملية للانتقال الديموقراطي» طبقاً لتطلعات شعبيهما. وأضافت إن «الديموقراطية تبقى أفضل طريق الى السلام والاستقرار والازدهار وتقاسم النمو والتنمية»، وإن «هدفنا المشترك هو تطوير حكم القانون ومشاركة المواطنين وتعزيز الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية لكي تلبّي تطلعات الشعوب».
كذلك دعا المجتمعون الى إنهاء القمع الدموي للاحتجاجات في ليبيا. وجاء في المسودة «نطالب بالوقف الفوري لاستخدام نظام (الزعيم الليبي معمر القذافي)، القوة ضد المدنيين ودعم التوصل الى حل سلمي يعكس إرادة الشعب الليبي».
وتطرقت مسودة البيان الى عملية التسوية، فقالت «نحن مقتنعون بأن التغييرات التاريخية الجارية في المنطقة لا تجعل من تسوية النزاع الإسرائيلي الفلسطيني عبر التفاوض أقل أهمية، بل أكثر أهمية». وأضافت «ندعو الجانبين الى بدء مناقشات جوهريّة بدون تأخير من أجل التوصل الى اتفاق إطار بشأن كل القضايا المرتبطة بالوضع النهائي» للطرفين.
وفي ما يتعلق بكارثة فوكوشيما اليابانية، عبّر قادة مجموعة الثماني «عن تعاطفهم مع الضحايا وتضامنهم مع الشعب والحكومة اليابانيين». وأعربوا عن ثقتهم «تماماً من قدرة السلطات اليابانية على مواجهة التحدي (في فوكوشيما) وتهيئة ظروف انتعاش اقتصادي»، مؤكّدين أنّهم «مستعدون لمساعدتها إذا احتاج الأمر».