دخلت التطوّرات السياسية والعسكرية في ساحل العاج أمس منعطفاً جديداً بعد إعلان فشل مفاوضات الاستسلام الجارية مع الرئيس المنتهية ولايته لوران غباغبو، الذي، إذا لم تطرأ مفاجآت، بات ينتظر أن يلاقي مصيراً غامضاً، إذ أصبحت القوات التابعة لعدوه، الرئيس المعترف به دولياً، الحسن وتارا، في قلب مقر إقامته، بينما هو يتحصّن في قبو قصره.

وأعلن وزير الخارجية الفرنسي، آلان جوبيه، بعد ظهر أمس، فشل المفاوضات التي كانت تقودها الأمم المتحدة وفرنسا، بهدف تأمين رحيل غباغبو عن البلاد. وقال جوبيه لبرلمان بلاده إنّ «المفاوضات التي دارت لساعات فشلت بسبب عناد غباغبو».
وسبق لجوبيه أن جزم، في وقت سابق من يوم أمس، بأن «شروط رحيل غباغبو هي الأمر الوحيد الباقي للتفاوض»، بعد انهيار نظامه. وقال جوبيه، لإذاعة «فرانس إنفو»، «لقد طلبنا من الأمم المتحدة ضمان سلامته الجسدية وسلامة عائلته وإعداد شروط رحيله. إنه الأمر الوحيد الباقي للتفاوض بعد الآن». ورداً على سؤال عن إمكان خروج غباغبو إلى المنفى في موريتانيا، أجاب «لا أملك معلومات في هذا الموضوع».
وعلمت «الأخبار» (باريس ــ بسام الطيارة) من مصادر مقرّبة من خليّة الأزمات التي تدير من قصر الإليزيه الملف العاجي، أن النقاط الأربع التي كان يتفاوض عليها لوران غباغبو مع مبعوثي الأمم المتحدة والسفير الفرنسي في شاطئ العاج هي الآتية: 1 ــ تأمين خروج مشرّف للرئيس السابق مع الاتفاق على دولة تستقبله وتضمن سلامته الجسدية. 2 ــ سحب قضيته من محكمة العدل الدولية وإسقاط الاتهامات بحقه. 3 ــ مصير القوات التي حافظت على ولائها له حتى اليوم. 4 ــ ضرورة اعتراف غباغبو بخصمه وتارا رئيساً منتخباً وشرعياً.
وتقول المصادر إنّ باريس مصمّمة على النقطة الأخيرة، منعاً لأي تفسير لاحق، وبث شكوك في شرعية وتارا، وخصوصاً أن الفرنسيين يدركون أن غباغبو لا يزال يتمتع بشعبية بين مواطنيه، وأن هذه الشعبية يمكن أن ترتفع بسبب التدخل العسكري الفرنسي.
وقالت مصادر فرنسية لوكالات الأنباء إنّ القتال اندلع مجدداً، عندما انهارت المحادثات، لأن غباغبو يرفض تسليم السلطة، وهو غير مستعدّ للتفاوض مع الوسطاء الذين يحاولون إقناعه بالتنحّي. وتابع المصدر الفرنسي أن القوات الفرنسية التي شاركت في هجوم بالمروحيات على الأسلحة الثقيلة لغباغبو، يوم الاثنين الماضي، لا تشارك في القتال الدائر حول القصر الرئاسي وداخله. وأكّد مصدر حكومي فرنسي آخر لوكالة «فرانس برس» أن «غباغبو لا يزال يرفض الاعتراف خطياً بفوز وتارا، وبالتالي رأى وتارا أن غباغبو غير صادق». وكان غباغبو قد ردّ على طلب فرنسا والأمم المتحدة منه أن يوقع على وثيقة يتخلّى فيها عن السلطة في ساحل العاج ويعترف بوتارا رئيساً للبلاد، قائلاً لشبكة LCI الفرنسية: «لا أعترف بفوز وتارا. لماذا تريدونني أن أوقّع على ذلك؟ أستهجن تماماً التلاعب بحياة بلد في عواصم أجنبية». وتابع «أنا لست انتحارياً. أنا أحب الحياة. صوتي ليس صوت استشهادي، أنا لا أسعى إلى الموت، لكن إذا وافتني المنية، فهذا هو قدري». وفور شيوع نبأ فشل المفاوضات، كشفت متحدثة باسم وتارا أن قوات الرجل اقتحمت مقر غباغبو. وبالفعل، قال سكان حول القصر الرئاسي في حي كوكودي في أبيدجان، إنهم سمعوا أصوات أسلحة نارية وانفجارات مدوية مصدرها القصر.
وفي السياق، أشار المتحدث باسم وتارا باتريك أتشي، إلى أن القوات الموالية له التي اقتحمت مقر غباغبو صدرت لها أوامر بعدم قتله من أجل «القبض عليه».
وأوضح أتشي أنه «ليس في نية أحد في معسكر وتارا اغتيال الرئيس السابق، ولن تكون. أعطى وتارا تعليمات رسمية بالإبقاء عليه حياً، لأننا نريد أن يمثل أمام العدالة».
ميدانيّاً، رأت المتحدّثة باسم مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، إليزابيث بيرز، أن «الوضع الإنساني تدهور أكثر، وأصبح مأساوياً بكل معنى الكلمة في أبيدجان». كذلك أعلنت الأمم المتحدة أن المئات قتلوا الأسبوع الماضي في دويكويه، في غرب ساحل العاج، حيث عثر على مقبرة جماعية جديدة تضم 200 جثة.
وعلى الصعيد القضائي، بدأت المحكمة الجنائية الدولية إجراء محادثات مع دول غرب أفريقيا بشأن إحالة الجرائم المرتكبة في ساحل العاج إلى المحكمة. وقال المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو، إن مكتبه يشعر بالقلق من أنباء الفظائع، ولا سيما في غرب البلاد، ويتحرّى العنف، لكنه رفض أن يفصح عمّن قد يوجه إليه الاتهام بالمسؤولية عن حوادث القتل. وقال القاضي الأرجنتيني للصحافيين في مكتبه في لاهاي «نحن نناقش مع بعض الدول الأطراف (في المحكمة الجنائية الدولية) ولا سيما داخل المنطقة، ما اذا كانت تريد إحالة القضية. وسيساعد ذلك على تسريع خطى عمل المحكمة»، علماً أن ساحل العاج دولة عضو في المحكمة.
(الأخبار، أ ف ب، رويترز، يو بي آي)