في زمن حماسة الحكّام الأتراك لتعزيز الروابط الثقافيّة والسياسيّة والاقتصاديّة مع دول العالم العربي وشعوبه، وابتعاد تركيا أكثر فأكثر عن المشروع الأوروبي، كان من الضروري أن تسعى مراكز أبحاث تركية لمعرفة حقيقة مشاعر المواطنين الأتراك، لا السياسيين، حيال الشعوب العربية.

وفي أحدث استطلاع رأي واسع النطاق أعلنت نتائجه أول من أمس، تبيّن أنّ مشاريع الحكومة التركيّة بتأليف اتحاد متوسطي شبيه بالاتحاد الأوروبي مع عدد من الدول العربية (سيبدأ المشروع مع سوريا ولبنان والأردن)، وإلغاء شرط تأشيرات الدخول مع تسع دول عربية حتى الآن، قد تكون خطوات لا تواكبها بالضرورة المشاعر التركية الشعبية بالحماسة نفسها. لكن، رغم ذلك، فإنّ هذه المشاريع نحو الشرق لا تمثّل قطيعة مع المزاج الشعبي التركي، إذ إنّ شعب رجب طيّب أردوغان يفضّل العرب على الأوروبيين والأميركيين، من دون أن يعني ذلك أن هذا الإعجاب بالعرب ساحق.
الاستطلاع أجرته إحدى أبرز مؤسسات الدراسات والأبحاث التركية، «مؤسسة الأبحاث السياسية والاقتصادية والدراسات الاجتماعية» (seta)، على عينة مؤلفة من 3040 مواطناً تركياً من 12 محافظة، على نحو راعى معايير السن والجنس والخريطة الاجتماعية والطبقية والتفاوت في التحصيل العلمي.
وفي المحصّلة، تبيّن أن المصريين هم المفضّلين لدى الأتراك من بين شعوب 20 دولة العربية، بينما اللبنانيون لا يحتلون سوى المرتبة الحادية عشرة على سلّم إعجاب الأتراك، من بعد المصريين والسعوديين والفلسطينيين واليمنيين والسوريين والأردنيين والمغربيين والكويتيين والعمانيين والإماراتيين. لكن اللافت هو أنّ 33.2 في المئة من الأتراك لديهم مشاعر إيجابية تجاه العرب، في مقابل 39 في المئة لا يحبّونهم.
ومن مؤشرات الاستطلاع أنّ غالبية الذين أعربوا عن محبتهم للعرب من بين الأتراك، هم من الفئات العمرية الشبابية، تحديداً من بين البالغين بين 18 و25 عاماً، وهو ما يمكن تبريره بالإرث الكمالي الأتاتوركي الذي غذّى ثقافة عدائية تجاه العرب، لمدة تناهز العقود السبعة في نفوس الأتراك. لكن في المقابل، تبيّن أنّ أصحاب التعليم العالي لا يحبّون العرب بتاتاً، بينما غالبية الذين أعربوا عن إعجابهم بشعوب منطقتنا هم من الفقراء وذوي التعليم الابتدائي. وفي تخيير الأتراك بين تفضيل العرب أو الأوروبيين، أجاب 25.3 في المئة منهم بأنهم يفضلون العرب «بنحو كامل»، بينما قال 19.9 في المئة إنهم يفضّلونهم «عموماً»، في مقابل 32.7 من الأتراك فضّلوا الأوروبيين على العرب. ورداً على سؤال آخر طلب من المستطلَعة آراؤهم وصف العرب، رأى 47 في المئة أن العرب «متدينون زائداً عن اللزوم، وكسالى». كذلك أجمع 50.5 في المئة من أفراد العينة على أنّ العرب «شعب كسول ولا يشعرون بضرورة العمل». أكثر من ذلك، فإنّ 43.6 في المئة من الأتراك يرون أن الشعوب العربية «وسخة»، فيما رفض 36.8 في المئة هذا الوصف. واعترف تحليل الاستطلاع بأن هذه الفكرة العامة عن العرب هي «من نتائج الثقافة الشعبية والإعلامية الموروثة عند الأتراك». ومن علامات استمرار وجود حقد تاريخي بين الأتراك والعرب، أشار 45 في المئة من المستطلّعين إلى أنهم «واثقون من أن العرب خانوا الأتراك في الحرب العالمية الأولى» (حين كانت السلطنة العثمانية تقاتل إلى جانب ألمانيا)، بينما رفض 30.1 في المئة هذا الاعتقاد. لكن يبدو أن الأمور سائرة نحو التغيير في مسألة المشاعر المتبادلة بين العرب والأتراك الذين قال 38.9 في المئة منهم إنّهم قادرون على الوثوق بالعرب في الظروف الصعبة، في مقابل 27 في المئة لا يزالون لا يثقون بالعرب. ولأن 24.1 في المئة رفضوا الإجابة عن هذا السؤال، فقد خلص معدّو الاستطلاع ومحلّلوه إلى أن هناك «أزمة ثقة» بين الأتراك والعرب.