نيويورك | برهن الحادث الذي تعرض له مفاعل فوكوشيما النووي في اليابان جراء الزلزال الكبير الذي ضرب الأرخبيل أن الوكالة الدوليّة للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة لم تراع، ولا حتى السلطات اليابانية، مخاطر وجود مولدات نوويّة كثيرة في منطقة هي الأشدّ عرضة للزلازل الشديدة في العالم.

في المقابل، كانت الوكالة تكرّس معظم جهودها على ما يجري في دول أخرى لغايات سياسية، وتغضّ النظر عن الدول الواقعة تحت حماية المظلّة النووية الأميركية، وعن الأسلحة النووية الأميركية الموجودة على الأراضي اليابانية. وهي لا تفعل شيئاً لمنع وقوع كارثة نووية ضخمة في منطقة الشرق الأوسط المهددة بالزلازل العسكرية، فضلاً عن الجيولوجية، وقد بنت فيها إسرائيل 8 مفاعلات ضمن مساحة جغرافية ضيقة للغاية، جميعها محصّنة من الرقابة الدولية بالفيتو الأميركي.
ما جرى في المفاعل الياباني يعدُّ ثالث أخطر حادث نووي في التاريخ.
وينذر بعزل كل ما في اليابان عن الانتقال إلى العالم إذا ما صحّت أسوأ التقديرات: «كل شيء من تربة ونبات ومياه وأحياء ضمن قطر يمتد لألف كيلومتر مهدّد بالتلوث النووي الخطير ربما لعقود».
يأتي تحذير خبراء الطاقة النووية، الذين استحضروا حوادث مفاعل «ثري مايل أيلاند» الأميركي عام 1979، و«تشيرنوبيل» الروسي في أوكرانيا عام 1986، و«سيلافيلد» في بريطانيا، والعالم يحبس أنفاسه بعد الانفجار الذي وقع في قلب المفاعل «فوكوشيما ـ 1» أول من أمس خشية انتقال الانفجارات إلى خمسة مفاعلات أخرى مجاورة. كارثة تعيد الحسابات حيال الصناعة المدنية النووية. وإذا كانت اليابان، الدولة الأكثر تقدماً صناعياً، فشلت في منع حادث من هذا النوع، فكيف ستتمكن دول كثيرة أقل منها باعاً في هذا المجال من التحوّط لحوادث مماثلة؟
في انفجار المفاعل الرابع في تشيرنوبيل 1986، أصاب التلوث المباشر 200 إنسان قضى منهم 32 خلال ثلاثة أشهر، بينما أصيب مئات الآلاف من السكان بتلوث نووي لا يزال كثير منهم يعاني من مضاعفاته. المعاناة تأخذ أشكالاً صحية متفاوتة، معظمها على شكل سرطان وتشوهات خلقية بين المواليد. بعضهم يقطن أماكن بعيدة كثيراً عن أوكرانيا، مثل شمال أوروبا على سواحل بحر البلطيق، وآخرون في شمال بريطانيا، في مقاطعتي اسكوتلندا وكمبريا تحديداً. سحُب الغبار النووي انتقلت بالرياح أينما اتجهت، وسقط الغبار الذري مع الأمطار والرذاذ على الحقول والمواشي والبشر.
في الحادث الياباني الجديد، بدأت الحكومة بعزل المنطقة لمسافة عشرة كيلومترات أولاً. لكنها سرعان ما ضاعفتها إلى عشرين كيلومتراً، وربما توسّعت دائرتها مع تطور الأوضاع التي لا تزال تشهد المزيد من التطورات الخطيرة. وأجلت زهاء 140 ألف نسمة مع إصابة 4 مواطنين بالتلوث النووي المباشر. ثم أُصيب 160 آخرون بالإشعاع. لكن السحب النووية قد تصيب لاحقاً كل شيء ضمن دائرة نصف قطرها 500 كيلومتر. وهذا يضم طوكيو وغيرها من المدن الكبرى وضواحيها.
في الحادث الأوكراني لم يعلم العالم بالأمر إلا بعد عبور السحابة النووية سماء أوروبا الشمالية. سحابة كانت من الدرجة السابعة حسب مقياس الوكالة الذرية. ثم تكرّر التلوث بعد ذلك بتسعة أعوام، عندما جرت محاولات نزع الوقود النووي من أحد مفاعلات المنشأة.
لكن هناك اختلافاً بين مفاعلي «تشيرنوبيل» و«فوكوشيما» من حيث التقنية. الأول يعمل بالماء الثقيل، والياباني يعمل بالماء الخفيف. وهذا يجعل التلوث أقل وطأة، وأقرب إلى الحادث الأميركي إذا انصهر المفاعل المركزي تحت وطأة الحرارة الشديدة. حرارة ناجمة عن تعطل أجهزة التبريد الاحتياطية الستة. الأمر نفسه تكرّر في مفاعل ثان مجاور. أمر يهدّد بانفجار جديد.
ليس هذا هو الحادث الأول في القطاع النووي الياباني. ففي 1999 وقع حادث في مفاعل يقع بمنطقة توكايمورا أدى إلى وفاة موظفين اثنين، وإصابة 600 آخرين بالتلوث. وفي 2004 وقع حادث ثان بمنطقة مياهاما ذهب ضحيته أربعة موظفين.
لكن، ما يميز حادث «فوكوشيما» عن حادث «تشيرنوبل»، ويجعله أقل خطراً أنه توقف عن العمل بمجرد حدوث الزلزال الكبير. بينما كان مفاعل تشيرنوبيل لا يزال يولد الطاقة عندما تشقق مبناه بفعل الانفجار. والسؤال الذي يحيّر الخبراء الآن يتعلق بما إذا كان الانفجار الذي حصل في مركز المفاعل لاحقاً يؤكد هذه النظرية أو لا. المفاعل كان معدّاً لتحمل زلازل بقوة 7 درجات من سلّم ريختر، لا 8.9 الذي وقع والذي يمتلك قوة تدميرية بنسبة الضعفين.
في المعالجات المباشرة بعد وقوع الحادث وتنفيس الاحتقان، قصف المفاعل بمياه البحر الباردة وحمض البوريك. هذه الإجراءات استخدمت لتعويض النقص الذي حصل في عملية التبريد بالبخار المتجمد نتيجة تعطل أجهزة التبريد الاحتياطية.
وفي كل الأحوال، ليس بالإمكان إعادة تشغيل هذا المفاعل تحت أي ظرف من الظروف. ومن المرجح أنه بالنظر إلى التلوث الذي وقع، أن تبقى المنطقة معزولة عن العالم لفترة طويلة مع احتمال توسيع نطاقها وفرض رقابة دولية على مستوى التلوث وإجراءات السلامة.
وهناك احتمال كبير بتعطل العديد من المفاعلات النووية اليابانية الأخرى بعد فشل أجهزة السلامة في مفاعل «فوكوشيما» بانتظار مراجعة أوضاعها، علماً بأن اليابان تعتمد بنسبة 30 في المئة من طاقتها على المصادر النووية التي تحصل عليها من 50 مفاعلاً.
اليابان كانت مخبراً عسكرياً نووياً منذ إنتاج أول قنبلة نووية أميركية. استهدف الرئيس الأميركي هاري ترومان هيروشيما ثم ناكازاكي. قضى أكثر من 140 ألف مواطن خلال ثوان. واليابانيون لا يزالون يعيشون تحت شبح الرعب النووي سواء في الأسلحة والمفاعلات، ولا يملكون القرار حتى بعد مرور 65 عاماً على نهاية الحرب العالمية الثانية.