على الغلاف | أنقرة | ... بما أن لكل نهاية عالم ناجين، فسيناريو ٢٠١٢ سمّى بلدتين وحيدتين في العالم على أنهما المكانان الآمنان من كارثة الفناء، ومن يقصدهما ينجُ ويبقَ على قيد الحياة. بلدة شيرينجه Sirince التركية الواقعة على ساحل بحر إيجه في مقاطعة إزمير، والقرية الفرنسية الهادئة النائية بوغاراش Bugarach الواقعة جنوب غرب فرنسا.


لكن ما سرّ شيرينجه وبوغاراش؟ وكيف قفزتا إلى خريطة العالم فجأة؟ وكيف هي أجواء البلدتين منذ انتشار الشائعات حولهما؟
إلى بلدة شيرينجه التركية التي يعني اسمها «ممتعة»، توافد علماء روحانيون من الذين يؤمنون بأن العالم سينتهي في 21 كانون الأول 2012، إلى جانب سيّاح وممثلي وسائل الإعلام المحلية والدولية، فغصّت شوارع البلدة بزحمة غريبة الأطوار ليست سياحية بالكامل.
أسطورة شيرينجه تقول إن يسوع المسيح سيظهر فيها على متن سفينة في يوم 22 كانون الأول 2012، وفقاً لروحانيّي العصر الجديد. وتشتهر «شيرينجه»، القرية الأغريقية القديمة بضريح السيدة العذراء؛ إذ يُعتقد أنها قضت سنواتها الأخيرة فيها. وقد أعلن البابا يوحنا بولس الثاني هذا الضريح موقعَ حجٍّ للمسيحيين، بعدما زاره عام 1979.
ومن المتوقع أن تستضيف البلدة الصغيرة، التي يقطنها 570 شخصاً، أكثر من 60 ألف زائر يحاولون تجنّب «يوم القيامة» مع اقتراب موعده. ويعتقد المؤمنون بنظرية انتهاء العالم أن «طاقة إيجابية» موجودة في شيرينجه من شأنها أن تنقذ المدينة من الكوارث المرافقة ليوم نهاية العالم.
ورغم سعادتهم بتحول البلدة إلى مركز جذب للزائرين من حول العالم، يعبّر مسؤولو البلدة، وبعض سكانها، عن قلق وخشية من الحشود المتوافدة.
وتؤمن «مجموعة الطاقة الزرقاء»، وهي منظمة دولية حجز أعضاؤها معظم أماكن الإقامة في البلدة، بأن تقويم المايا ينتهي فجأة في 21 كانون الأول 2012، وكتاباتهم تقول إن كوكباً يُطلق عليه اسم «ماردوك» Marduk سيمرّ إلى جانب كوكبنا، وستؤدي طاقته إلى تغيير سرعة دوران العالم. في البداية، تضيف الرواية، ستتباطأ سرعة العالم، قبل أن تتوقف نهائياً لمدة ستة أيام. وفي الأيام الثلاثة الأولى، ستقع هزات أرضية كبيرة وتسونامي، لكن بلدة شيرينجه ستبقى سالمة من كل ذلك.
ثم في نهاية الأيام الستة، دائماً حسب رواية «مجموعة الطاقة الزرقاء»، سيصل يسوع المسيح إلى شيرينجه على متن سفينة، وسيتمكن الناجون من بدء عصر جديد سيسمى «العصر الذهبي».
وإضافة إلى الفضوليين والمؤمنين بالعصر الجديد، لوحظ وجود بعض رجال الدين المسلمين يتجوّلون في البلدة بالعباءات والعمائم ويتوجهون إلى الزوار قائلين: «لا تؤمنوا بالأكاذيب، لا يعلم أحد إلا هو (الله) متى موعد يوم القيامة». ويُعتقد أن هؤلاء الرجال هم أفراد أتراك ينتمون إلى «جماعة التبليغ» (جماعة لنشر الإيمان).
من جهته، أكد عمدة سلجوق، وهو مسؤول ينحدر من قرية شيرينجه، في بيان خطي صدر في 4 كانون الأول، أن شيرينجه «مستعدة ليوم 21 كانون الأول بنحو كامل». «قمنا بكل الاستعدادات، ونظنّ أن شيرينجه ستستقبل ضيوفاً عددهم أكبر من المعتاد، لكن الإجراءات الأمنية اللازمة قد اتخذت لحماية البلدة»، ذكر البيان. كذلك أُرسل مسؤولون من وزارة المال إلى البلدة لحماية الزبائن.
وفي الأيام الاعتيادية، تراوح تكلفة الإقامة ليوم واحد في فندق في القرية بين 55 و270 دولاراً أميركياً، لكن بعد النبوءة، أصبح سعر الغرفة الواحدة يراوح بين 1600 و3000 دولار، علماً بأن وزير السياحة التركي قال إن الأسعار في شيرينجه «لا ينبغي أن ترتفع».
وأعدّت مطاعم شيرينجه قوائم طعام مخصصة لـ«يوم القيامة»، وأطلقت عليها أسماء مثل «حساء يوم القيامة»، «الأرزّ الناري»، «كباب الجنّة»، وطبق الحلوى تحت اسم «الفاكهة المحرمة». كذلك أنتجت البلدة نبيذاً خاصاً سمّته «نبيذ يوم القيامة».
جبل بوغاراش الأسطوري
أما في جنوب فرنسا، فتقع بوغاراش، البلدة الهادئة التي لا تعدّ أكثر من ٢٠٠ ساكن ينعمون بسكينة موقع بلدتهم على سفح جبل وسط سهول خضراء شاسعة. لكن بوغاراش ودّعت سكينتها منذ أيام؛ إذ قصدها حتى الآن أكثر من ٢٥٠ صحافياً من حول العالم وأرسلت إليها أمس مئات من عناصر الشرطة ورجال الأمن الفرنسيين.
سمع العالم لأول مرة ببوغاراش عندما سُرّب عام ٢٠١٠ خبر مفاده أن القرية الفرنسية ذُكرت في نبوءة حضارة الـ«مايا» حول نهاية الكون. وبدأت الحبكة تتعاظم مع اقتراب الموعد المرتقب في ٢١ كانون الأول من السنة الحالية. والقرية «مجهّزة» بميزة طبيعية غريبة، وخاصة أنها أسهمت بتبلور الأسطورة حولها. الميزة تلك هي الجبل الذي يبلغ ارتفاعه ١٢٣٠ متراً، والذي تقع بوغاراش على سفحه. الجبل ذاك حيّر العلماء وعرف بـ«الجبل المقلوب»؛ إذ إن طبقاته العليا أقدم زمنياً من السفلى، في تكوّن نادر عالمياً وطبيعياً. ومن هنا شكّل جبل بوغاراش مادة دسمة للتكهنات والأساطير؛ إذ رأى البعض أنه «يحتوي على مخطوطة تشرح أصل تكوّن البشرية». والبعض الآخر أشار إلى أن الجبل يخفي في داخله مركبة فضائية، فيما أكّد آخرون أنه «مرأب للكائنات الفضائية».
وفي ٢٠١٢، ربطت بوغاراش بنبوءة الـ«مايا» من ضمن الحملات المروّجة لنظرية «نهاية العالم». لكن حتى الآن لم تسجّل البلدة توافداً كثيفاً لـ«لاجئين» من حول العالم. وتؤكد مصادر لمجلة «لو نوفيل أوبسيرفاتور» أنه «لم تسجل حركة غير اعتيادية في المطارات المؤدية إلى البلدة». لكن رغم ذلك، اتخذت السلطات الفرنسية، احتياطات كبيرة وستقوم القوى الأمنية بمنع وصول السيارات إلى البلدة إن فاق عددها ١٥٠٠ سيارة. كذلك ستقفل كل الطرقات التي تؤدي إلى قمة الجبل الذي تشتهر فيه البلدة. السلطات أحضرت أيضاً عيادة طبية ونفسية ووحدة مجهزة بكافة وسائل الإخلاء في حالات الطوارئ، إضافة إلى طائرات مروحية.
عمدة بوغاراش، عبّر عن غضبه أمام الكاميرات المتهافتة نحوه دفعة واحدة، كما نقلت بعض وسائل الإعلام الفرنسية انزعاج السكان من الحركة غير الاعتيادية التي طرأت على حياتهم إضافة إلى عدم تصديقهم أيّاً من الشائعات التي انتشرت حول نهاية العالم أو نجاة بلدتهم منها.