على الجدار الحجري رقم 6 من موقع «إل تورتوغيرو» الأثري في مدينة تاباسكو المكسيكية، نُقشت روزنامة، منذ حوالى 1300 سنة، تنتهي أيامها... اليوم. الروزنامة تعود الى حضارة الـ«مايا» وهي تؤرّخ السنين والأيام وفق نظام حسابي دقيق وضعه الـ«ماياويّون». وحسب تقويم هؤلاء، فإن أولى الدورات الزمنية بدأت بتاريخ 11 آب سنة 3114 قبل الميلاد، وتنتهي في 21 كانون الأول 2012 ميلادية. هذا ما اعتمد عليه البعض منذ مطلع العام الماضي لـ«التنبّؤ» بما بات يُعرف بـ«نهاية العالم 2012»، والذي دارت حوله أساطير عديدة وروايات ورُوّج له عالمياً حتى بات أكثر «نهايات العالم» تسويقاً منذ بدايات هذه الظاهرة.
«نهاية العالم في 21/12/2012» أطلقت نقاشاً جدياً منذ بداية العام الحالي بين مؤرخين متخصصين بحضارة الـ«مايا» وعلماء من مختلف أنحاء العالم، فكان هناك من رفضوا النظرية برمّتها، ومن لم يكذّبوا الـ«مايا»، لكنهم فسروا توقف روزنامتهم بطريقة غير سوداوية. لكن، كان هناك أيضاً من سلّم بأن الشمس ستطلق اليوم حقلاً مغناطيسياً قوياً جداً سيؤدي الى اضطرابات في كوكب الأرض وتأثيرات سلبية على ساكنيه تبدأ بالهلوسة وتنتهي بالموت. وآخرون توقّعوا زيارة غير سارّة من سكّان الفضاء الخارجي الى كوكبنا تترافق مع حمم نارية مقذوفة من الشمس، بينما أشار البعض الى أن «نهاية العالم» حصلت منذ 65 مليون سنة عندما سقط نجم في المكسيك أدى الى انقراض70% من أنواع الكائنات، ومن بينها الدينوصورات.
رافضو نظرية «نهاية العالم في عام 2012» انقسموا بين الجماعات المتديّنة التي ترفض أي تصوّر حول نهاية العالم بشكل وتوقيت مغاير لما ذكر في كتبها المقدسة، وبين جماعات اعتمدت على روزنامات لحضارات أخرى حددت تواريخ مغايرة لانتهاء العالم وتوقف الزمن. أما من اقتنع بدقّة الـ«ماياويين» في التقويم والحسابات الفلكية فاعترفوا بأن روزنامتهم تنتهي بتاريخ اليوم، لكنهم قالوا إن الـ«ماياويين لم يذكروا شيئاً عن كوارث وفناء البشرية في هذا التاريخ»، لذا يستنتج هؤلاء أن «الأمر مجرد نتيجة منطقية حسابية لتسلسل الدورات الزمنية الدقيقة التي رسمها الماياويون». وحسب هؤلاء، فإن الروزنامة الماياوية قد لا تستمر في حساباتها الى ما بعد تاريخ 13.0.0.0.0 (أي 21 كانون الأول 2012)، ولكن الزمن لن يتوقف هنا والعالم سيستمر.
وفي عام 2011، خرج المجتمعون من «لقاء المايا» الذي عقد في ولاية تكساس الأميركية والذي طرح موضوع «نهاية العالم»، بخلاصة مفادها أن «لا شيء في حضارة المايا أو الأستيك أو حضارات أميركا الوسطى يشير الى تغيّر مفاجئ أو جوهري يحدث عام 2012». كما قال العلماء المشاركون في ذلك اللقاء إن «هذا التاريخ هو نهاية إحدى الدورات الزمنية، لكنه أيضاً بداية دورة جديدة». وبعض الحريصين على حضارة الـ«مايا» وعظمة حساباتها الفلكية والزمنية أوضحوا أن ما انتشر في العالم من أخبار وروايات شوّه تلك الحضارة وأساء الى صورتها وعلومها وشعبها.
محطة «ذي ناشيونال جيوغرافيك» نقلت عن أحد العلماء في كانون الأول 2011 أن «الجدار الحجري رقم 6 الذي نقشت عليه روزنامة المايا يقول إنه في 21 كانون الأول 2012 سينزل إله على الأرض». ولكنه يردف «لم تكن هناك تتمة تقول إن ذلك يعني انتهاء العالم أو فناء البشرية بالنار، فلمَ لا يكون ذلك بداية لمرحلة زمنية جديدة مثلاً؟».
«وكالة الفضاء الأميركية» (ناسا) أصدرت، من جهتها، بياناً مكتوباً على موقعها الإلكتروني، الأسبوع الماضي، تقول فيه «إن العالم لن ينتهي في 2012. إن كوكبنا هو بحالة جيدة منذ أكثر من 4 مليارات سنة، وكل العلماء الموثوق بهم حول العالم لا علم لديهم بأي خطر يرتبط بعام 2012». وأعدّت «ناسا» مقطع فيديو تشرح فيه سبب عدم انتهاء العالم هذه السنة. ومن المفترض أن يُبث الفيديو في 22 كانون الأول، ويبدأ بجملة «بما أنك تشاهد هذا الفيديو، فهذا يعني أن العالم لم ينته». لكنّ الفيديو سُرّب قبل يوم 21 كانون الأول، وأثار ذعراً أكبر بين المؤمنين بيوم القيامة الذين اعتبروا أن بيان «ناسا» هو بمثابة بيان تأكيدي على حدوث الكارثة.
لكن، ماذا عن المتفائلين والذين يجلسون بهدوء اليوم غير مكترثين بنهاية العالم؟
المؤرخ الفرنسي لوك ماري، يشرح أنها ليست المرة الأولى التي ينشغل العالم فيها بظاهرة تنذر بنهاية العالم أو فناء البشرية، فلطالما اعتبرت الحروب الكبرى والمجاعات والأوبئة الفتاكة كدلائل على انتهاء العالم عند الذين عايشوها.
«لكل قرن نهاية عالم خاصة به» يقول ماري، معدّداً الأحداث التي اعتبرها العالم كدلالات على نهاية الكون منذ القرن السادس عشر، وصولاً الى القرن العشرين، «حيث حلّ الخوف من الإنسان محلّ الخوف من الله، وخصوصاً مع الحربين العالميتين والقنبلة الذرية والنووية وغيرها». عندها بدأت تنتشر فكرة أن الإنسان هو الذي سيتسبب بفناء البشرية وتدمير العالم. لكن تهديدات الطبيعة بقيت هي السيناريو المشترك بين كل نظريات «نهاية العالم» مثل الأعاصير والزلازل والتسونامي...
وفي القرن الحادي والعشرين؟ يذكّر المؤرخ بالنظرية التي انتشرت في عام 2008 حين قال بعض العلماء إن بدء العمل بمشروع تسريع الجزيئيات الذرية الأوروبي في جنيف سيتسبب بخلق فجوة سوداء ستبتلع الأرض. لكن أياً من تلك المحطات لم تنتشر ولم تسوّق بقدر «نهاية العالم» الخاصة بعام 2012. فقد ساهم الفيلم السينمائي «2012» (للمخرج رولان إيميريش) وأخبار شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الإلكتروني بتوسيع انتشار الفكرة بين الناس حول العالم.
وبينما أجّل بعض العلماء «نهاية العالم» الى ما بعد 500 سنة، قال آخرون إن «فورة» جديدة قد تظهر قريباً مسوّقة لتاريخ 10 نيسان 2014 كتاريخ جديد لنهاية عالم جديدة. هؤلاء، هم أصحاب معتقد الـ«كابالا» من اليهود الأرثوذكس الذين يؤمنون بأن يوم 10 نيسان من عام 2014 هو يوم انتقام الشيطان، ويستشهدون بآيات من التوراة لتأكيد نظريتهم تلك.
«فكرة نهاية العالم وجدت منذ تكوّن الكون»، يقول لوك ماري، «وقد ذكرت في معظم الكتب الدينية». «لكن البشر هم بحاجة دائمة إلى التهويل، ويفضلون أن يدمّروا المستقبل على أن يتخيّلوه» يضيف المؤرخ.
لكن، ماذا عن نهاية العالم العلمية الواقعية؟ يقول ماري، «ربما بعد 5 مليارات عام حين تتحول الأرض الى كتلة نارية ذائبة، أما نهاية البشرية فستحدث قبل ذلك، أي بعد حوالى مليار سنة عندما تبلغ الحرارة على الأرض 100 درجة مئوية». «لكن من المرجح أن يكون الإنسان قد اخترع حينها وسائل لمغادرة كوكب الأرض والعيش في مكان آخر» يختم ماري.




نهاية العالم «أقلّ غباءً»

محطة «آرتي» arte الفرنسية ـــ الألمانية أعدّت برمجة خاصة بـ«نهاية العالم» ونمطاً مختلفاً من البث طوال يوم ٢١ كانون الأول، تحت شعار «العالم سينتهي حتماً، لكننا سنحرص على فعل أي شيء كي ترحلوا وأنتم أقلّ غباءً». أعدّت أيضاً برمجة للمشاهدين على مدار الساعة، تبدأ عند الثامنة والنصف صباحاً ولا تنتهي قبل الخامسة من فجر غد السبت. «آرتي» ستعتمد أسلوب الأخبار العاجلة خلال عرض برامجها وستقطع البث مراراً كي «تعلن للمشاهدين خبر اجتياح كائنات فضائية الكرة الأرضية». وستبث مجموعة من الأفلام القصيرة والوثائقية حول «نهاية العالم».