أنقرة | فجّر قائد شرطة ديار بكر رجب كوفن، الذي عيّن حديثاً، سجالاً حاداً في المجتمع التركي بعدما أبدى تعاطفه مع مقاتلي حزب العمال الكردستاني، بقوله «لا تكون إنساناً إن لم تتأثر بموت إرهابي في الجبل». البعض أيّد تصريحاته ورأى فيها دلالة إنسانية، فيما لجمها البعض الآخر وبقوة.

وقال كوفن إن «اللوم يقع على كل شخص بسبب الأطفال الذين يختارون التوجه الى الجبال من أجل الانضمام الى حزب العمال الكردستاني». وهذه ليست المرة الأولى التي يخدم فيها كوفن في دياربكر. فقد خدم ما بين عامي 1991 و1996، حيث كان القتال على أشدّه بين الكردستاني والقوات التركية. وأشار الى أنه يشعر بالمسؤولية الثقيلة وبالفرحة في آن واحد لعودته إلى الخدمة في دياربكر بعد 16 عاماً. وأضاف «كانوا أكثر السنوات صعوبة. نعلم أن كل قرية أجليت كانت تمثل تهديداً لمستقبلنا، ونعلم أن الناس الذين يتوجهون الى المجهول يمكن أن يندمجوا في أي نظام».
وتابع كوفن حديثه إلى الصحافيين «كنت مدعواً الى مؤتمر في 2005. وخلاله، أطلقت تصريحات سبّبت الكثير من الانفعال لدى الحضور. وتلقيت الكثير من الانتقادات بسببها. قلت: أنت لا تكون إنساناً إن لم تتأثر بموت إرهابي في الجبال. ولكن إن لم تقدر على منع إرهابي من قتل الناس، ومن ضمنهم الأطفال، لا تكون دولة».
وأشار قائد شرطة دياربكر الى أنه بكى بسبب خسارة الأبناء الذين ذهبوا الى الجبال. وقال «لم أستطع أن أؤمن لهم حياة طبيعية، ولم أقدر على منعهم من أن يكونوا إرهابيين». وتابع «تأثرت بكل إرهابي. الدموع والدم يجب ألا تكون قدر دياربكر. هذه منطقة جميلة جداً بتاريخها وشعبها. نشأ فيها ألطف الناس، ولكن اليوم ننتج وحوشاً، لماذا؟ لأننا لا نستطيع أن نصل الى شعبنا ولا نستطيع أن نؤمن له الخدمات الانسانية، هذا كل ما في الأمر».
وقال إنه قرأ العديد من التقارير حول حياة الشباب الذي ينتمون الى حزب «العمال الكردستاني»، واكتشف أن هؤلاء الأفراد انضموا الى التنظيم بسبب أحوالهم المعيشية الصعبة. وأضاف «هؤلاء الأطفال كتبوا: أريد أن أشارك في الحرب من أجل استقلالنا الوطني. هذه كانت جملتهم الأخيرة. وعندما سألت أحدهم كم عمره، أجاب 12 عاماً، وأن والده عاطل من العمل ويضرب والدته. بيئته الاجتماعية فظيعة. قال إنه سيقاتل. إنه يهرب من أوضاعه الصعبة. وإذا كان أحد أسباب هذا الهروب هو أنا، فثاني الأسباب هو أنت. وهذا يعني أن هناك مشكلة مؤكدة في هذا المجتمع. وإن لم نذكر ذلك، فكيف سنحلها؟».
تصريحات كوفن أثارت حتى حفيظة رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان، وقال في جلسة للبرلمان «لم نبك أبداً ولن نبكي على إرهابيي الكردستاني الذين يقتلون أبناءنا. اتركوا السياسة للسياسيين». لكنّ نائبه لم يتفق معه في ما يتعلق بالملاحظات التي أدلى بها قائد الشرطة، وقال «أنا أقدّر ما قاله كوفن، الذي عمل ضابطاً للاستخبارات في دياربكر في التسعينيات، وقام بتحليل أيام الماضي المريرة». وتابع «ملاحظاته تدلّ على أن تركيا سوف تحتضن وتعمل مع شعب المنطقة (الشرقية والجنوبية الشرقية) وسوف تتعاون مع قوات الشرطة ضد الإرهاب. أتمنى أن يشاطر كل أفراد الشرطة الذين يعملون في تلك المنطقة رأي كوفن».
بدوره، سارع رئيس حزب المعارضة الرئيسي «الشعب الجمهوري»، كمال كيليتشدار أوغلو، إلى انتقاد قائد الشرطة. وقال إن تصريحات كوفن سوف تحدث انقساماً بين الشعب، بينما واجب قائد الشرطة أن يضمن أمن المجتمع.
لكن كان هناك صوت مختلف صدر عن حزب المعارضة أيضاً وجاء من نائب الرئيس سيزجين تانريكولو، الذي قال إن من المثير أن يدلي قائد للشرطة بملاحظات تتعلق بماضي المواجهات التركية. وأضاف «إرادة التعايش تضعف وربما تختفي في الوقت الذي يكون فيه ناس غير مستعدين لمشاركة الأفراح والأحزان. إنه لأمر مميز وقيّم أن يلفت قائد الشرطة الانتباه الى عشرين سنة مضت في تركيا».
أما الانتقاد الأبرز فأتى من رئيس حزب الحركة الوطنية، داوود باسلي، الذي طلب من الحكومة إقالة كوفن من منصبه. وقال «إذا كان من لا يبكي على الإرهابي ليس إنساناً، فإن هذه الغرفة مليئة باللاإنسانيين».
في المقابل، رحّب حزب «السلام والديموقراطية»، الموالي للأكراد، بتصريحات كوفن. وقال نائب الرئيس سيري ساكيك «لن نواجه أي مشاكل صعبة على الحل، إذا تدبرنا أمر مشاركة أحزاننا»، داعياً كل الأحزاب السياسية في البرلمان ونوابها إلى الإصغاء الى ملاحظات كوفن. كذلك عبّر عدد من منظمات المجتمع المدني عن تضامنه مع تصريحات قائد شرطة دياربكر.