القدس المحتلة | كما كان متوقعاً من قضاء دولة الاحتلال، ردّت المحكمة المركزية في حيفا، أمس، الدعوى القضائية التي قدّمتها عائلة الناشطة الأميركية راشيل كوري ضدّ حكومة الاحتلال الإسرائيلية، على خلفية مقتل ابنتها في عام 2003 عبر دهسها بجرافة عسكرية خلال محاولتها الاحتجاج السلمي على هدم منازل في رفح ووقف الجرافة.

وقال القاضي عود غرشون، الذي ينتمي إلى اليمين الصهيوني المتطرف، في حيثيات القرار، إن مقتل كوري هو «حادث عرضي مؤسف وقع خلال نشاط حربي، وإن الدولة ليست مسؤولة عنه». ورأى أنّ كوري هي من عرّضت نفسها للخطر بمحض إرادتها، كما أنّ الادعاء بأن سائق الجرافة دهسها عمداً «ليس له أي أساس من الصحة». ورفض القاضي ادّعاء العائلة أن السلطات الإسرائيلية المختصة لم تجر تحقيقاً مستفيضاً ونزيهاً في ظروف الحادث. كذلك رفض معلومات أفادت بأنه تم تدمير الدليل الرئيسي الذي كان عبارة عن شريط فيديو. من جهته، رأى محامي العائلة، حسين أبو حسين، أن قرار المحكمة المركزية «يبيح المس بالأبرياء»، مؤكّداً أنه والعائلة سيستأنفان الحكم ضد هذا القرار. وأشار إلى أن «الحكم مبني على حقائق مشوّهة، وقد يكون كتب بيد محام للدولة».
ووقف وراء المحامي وهو يحادث الصحافيين كريغ وسيندي كوري، والدا راشيل. وبدا الأب متجهماً، بينما كانت الأم على وشك البكاء. وقدم والدا راشيل من الولايات المتحدة لحضور الجلسة، وتابعا الإجراءات من خلال مترجم. وأعربت العائلة عن «حزنها الشديد وانزعاجها الشديد» من القرار، متعهدة باستئنافه بعد معركة قضائية استغرقت حوالى عامين ونصف العام.
وقالت سيندي، في مؤتمر صحافي بعد الحكم، «عملت الدولة بجد للتأكد من عدم كشف الحقيقة الكاملة لما حدث لابنتي وعدم محاسبة المسؤولين عن قتلها». وأكدت «نحن بالطبع حزينون جداً ومنزعجون جداً مما سمعناه اليوم من القاضي أوديد غيرشون». وأشارت الوالدة إلى أن العائلة كانت «تعتقد أن موت راشيل كان من الممكن والمفروض تجنّبه. كنا نعرف منذ البداية أن رفع دعوى مدنية سيكون معركة شاقة».
وبحسب سيندي كوري، فإن إسرائيل «لديها نظام فعال جداً لحماية الجيش»، مؤكدة أن أمس «كان يوماً سيئاً، ليس للعائلة فحسب، بل كان يوماً سيّئاً لحقوق الإنسان والإنسانية وحكم القانون ولدولة إسرائيل».
بدوره، قال كريغ، وهو جندي سابق في حرب فيتنام، إن ضباطاً كباراً في الجيش الاسرائيلي قالوا في شهادات إنهم يصدقون أن القوات الاسرائيلية تقوم بقتل الناس جنوب غزة «بدون عقاب». وأضاف «رأينا في أعلى المستويات في الجيش أنهم يعتقدون أن باستطاعتهم قتل شخص على تلك الحدود مع الإفلات من العقاب».
ورأى الناشط في حركة التضامن الدولية توم دايل، الذي كان يبعد عشرة أمتار عن راشيل يوم مقتلها، أن القرار يعكس «ثقافة طويلة الأمد من الإفلات من العقاب» موجودة لدى الجيش الاسرائيلي. وأضاف أن من المستحيل ألا يكون سائق الجرافة قد رأى الناشطة. وقال، في بيان أرسله عبر البريد الإلكتروني، إنه «في السادس عشر من آذار 2003 كانت راشيل كوري ترى بوضوح. كانت واقفة في يوم صاحٍ في أرض مفتوحة وترتدي سترة بالغة الوضوح». وأضاف «أياً يكن تصور أي شخص حول الرؤية من جرافة، من غير الممكن ألا يكون السائق قد رآها في لحظة ما، إذا أخذنا في الاعتبار المسافة التي تبعدها عنه، بينما كانت واقفة لا تتحرك أمام الجرافة». وأضاف دايل «كما قلت للمحكمة إنه قبل لحظات من سحقها، وقفت راشيل لفترة قصيرة في أعلى تلة ترابية تجمعت أمام الجرافة، وكان رأسها أعلى من مستوى النصل على بعد أمتار قليلة من السائق».
على المستوى الفلسطيني، أعلنت عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، حنان عشراوي، أن راشيل تُقتل مرة أخرى بدم بارد، بعد رد المحكمة الإسرائيلية الدعوى التي قدمتها عائلتها. ورأت أن «القضاء الإسرائيلي متواطئ مع سلطات الاحتلال في تشويه الحقائق وتجييرها لخدمة مصالحهم».
ولم تنس عشراوي مهاجمة سلبية الموقف الأميركي في التعاطي مع قضية راشيل، وخصوصاً أنها مواطنة أميركية قتلت بدم بارد من قبل جنود الاحتلال، مشددة على ضرورة إعطاء عائلتها الدعم والتقدير الفلسطينيين اللازمين.
وعقبت عشراوي على رد المحكمة الإسرائيلية لدعوى عائلة كوري بالقول «الوضع القانوني والقضائي الإسرائيلي لا يمت بصلة إلى الواقع، والتشويه الذي تم في كل المؤسسات الإسرائيلية، وخاصة القضائية، ناجم عن غياب أي نوع من المسؤولية، والتوازن مع المعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان»، مؤكدة أن كوري تجسد قيم التضحية والعطاء، في سبيل الدفاع عن ضحايا الاحتلال. وعقّب رئيس اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار النائب جمال الخضري بالقول إن جريمة قتل المتضامنة الأميركية لن تغيب عن ضمير الإنسانية، رغم قرار القضاء الإسرائيلي بتبرئة الجيش من عملية قتلها. وأضاف أن «كوري حضرت إلى قطاع غزة بعدما عرفت الحقيقة، وجاءت للتضامن مع الشعب الذي يتعرض للاحتلال والقتل والدمار، ووقفت في وجه الجرافات الإسرائيلية التي كانت تهدم منازل المواطنين الآمنين في رفح جنوب القطاع». ورأى أنّ «صوت كوري وكافة الشهداء الفلسطينيين والمتضامنين الأجانب سيبقى حياً»، وأنّ المتضامنين وتفاعلهم مع القضية والحدث الفلسطيني أسقطوا الرواية الإسرائيلية غير الصحيحة. وناشد أحرار العالم تفعيل التضامن مع الشعب الفلسطيني، خصوصاً في ظل ما تتعرض له القدس المحتلة من عمليات تهويد واقتحامات واستيطان، وما تتعرّض له الضفة الغربية من جدار فصل وحواجز وفصل المحافظات بعضها البعض، إلى جانب حصار غزّة.