لندن | عرف النازيون كيف ينتجون عرضاً للألعاب الأولمبية، وقد جاهدت الألعاب الأولمبية التي تلته عام 1948، في لندن لترقى إلى مستواه. هذا ما يوحيه الفيلم القصير الذي يعرض احتفال الشعلة الافتتاحية لعام 48، ثم افتتاحية فيلم ريفنستال الرائع لعام 1936 «برلين أولمبيك»؛ أيّ حدثٍ يبدو أجدد، أكثر بريقاً، أكثر سعادة وأكثر تفاؤلاً؟ التناقض بين «الألعاب الأولمبية المتقشفة لعام 48» والألعاب الأولمبية لعام 2012 جلي، بيد أنّ أحد أوجه الشبه المعبّرة الكثيرة بين عرضي الألعاب الأولمبية يتمثّل في أنّ نظاماً مستبداً يمرر الشعلة مجدداً إلى لندن. تعالوا للمشاركة في عرض الألعاب الأولمبية المتقشفة الثاني حيث تكاتف القلق والاكتئاب والتحدي مجدداً لتحديد الطابع الرسمي لأولمبياد لندن.


السبيل الأمثل لتكوين فكرة عن طابع عام 2012، يفضّل منظمو الألعاب الأولمبية عدم سلوكه، هو المرور عبر لندن بمحاذاة مجرى نهر ليا جنوباً للوصول إلى ستراتفورد، شرق لندن وموقع الألعاب الأولمبية الرئيسي. نهر ليا هو النهر الأكثر تلوثاً في إنكلترا، وبحسب دراسة حديثة غير علمية أجرتها شركة «رايتموف» البريطانية للعقارات شرق لندن، يُعَدّ النهر «أتعس مكانٍ للعيش في إنكلترا». على إحدى ضفتي قناة نهر ليا بالقرب من توتنهام تقبع «لندن وايست ايكو بارك»، محرقة النفايات الصلبة الأكبر في المملكة المتحدة، ووفقاً لغرينبيس: «مصنع السرطان في لندن».
لا يزال هذا الجزء من لندن ينفض الغبار عن نفسه بعد أشهرٍ عدة من أعمال الشغب، وهذه كانت نوعاً ما حال شرق لندن عام 1948، تلملم أذيالها بعد غارات سلاح الجو الألماني. عندما أشعلت أعمال الشغب توتنهام في الصيف الماضي ونشرت الاضطراب في لندن وإنكلترا، كان ذلك نذير شؤم بالنسبة إلى الألعاب الأولمبية بقدر التفجيرات الانتحارية التي وقعت عام 2005، اليوم الذي تلا إعلان فوز لندن بالألعاب الأولمبية. هل «سيتسوّق» الشبّان مجدداً هذا الصيف؟ كما شرح أحد السارقين عندما سُئِلَ عن سبب اكتفائه بسرقة كيس ثلجٍ فقط من متجرٍ عند الزاوية خلال أعمال الشغب، «هذا كل ما بقي لديهم».
لحسن الحظ، أصبحت توتنهام منذ ذلك الحين مكاناً للتجدد والفخر، مع الفتاة المحلية أديل، نجمة البوب الأكثر مبيعاً حتى الآن خلال هذا القرن، ونادي «هوتسبير» المتألق لكرة القدم، قصة الرضى والسعادة الحقيقية في عالم الرياضة في لندن لهذا العام. رغم ذلك، يعاني فندق «ذا لندن» الذي يشرف على نهر ليا وموقع الألعاب الأولمبية من أسوأ معدّل بطالة بين الشبان في إنكلترا. يبدو أنّ أديل الشابة نفسها ليست مدافعة عن المحرومين في لندن، فقد كانت تشتكي حديثاً من الضرائب المرتفعة. بالمقابل، وتعبيراً عن غضب الشبان، تظهر أحدث أغنية مصوّرة لمغني الراب «بلان بي Plan B» بعنوان Ill Manors، وهي تلمّح إلى المزيد من أعمال الشغب وتجعلها تبدو أمراً ممتعاً.
بيد أنّ رئيس اللجنة المنظمة لدورة الألعاب الأولمبية 2012، سيباستيان كو، وباقي المنظمين لا يريدون للذاهبين لمشاهدة الألعاب الأولمبية المرور عبر توتنهام، هاكني ووادي ليا، ولا سيما منذ أن بدأت «حركة احتلوا»، التي طُرِدَت من وسط لندن، بهدوء، بإقامة مخيّم جديد على ضفتَي قناة ليا في موقعٍ للتدريب على كرة السلة استعداداً للأولمبياد. ويطلب من الراغبين في التوجه إلى عرض الألعاب الأولمبية المرور عبر مركز «ويستفيلد» التجاري، المركز التجاري الجديد والأكبر في أوروبا ومتجر التجزئة المضاد للسرقة الملحق بموقع الألعاب الأولمبية. وقد نشرت صحيفة «ذي غارديان» بالتفصيل «تدابير أمنية على الطراز الإسرائيلي» استعداداً للألعاب الأولمبية تتخذها شركة «جي فور أس G4S»، شركة الخدمات الأمنية الخاصة الأكبر في العالم التي تنظم العرض.
في المدينة، التي يُقال إنّ معظم الأنظار تتجه إليها، بعدما كانت متجهة إلى شرق برلين خلال الحرب الباردة، من المقرر تأمين المجمّع الصناعي العالي التقنية شرق لندن بقوة أمنية قوامها 50 ألف عنصرٍ وتضم أكثر من 10 آلاف جندي بريطاني.
عام 1948، بلغت تكلفة الألعاب الأولمبية 760 ألف جنيه استرليني، ما يوازي 23 مليون جنيه استرليني بالعملة الحالية، وحققت أرباحاً بلغت 30 ألف جنيه استرليني، وفقاً لجايني هامبتون، مؤرخة الألعاب الأولمبية المتقشفة لعام 1948. وفيما كان الطعام واللباس يوزّعان ضمن حصصٍ لمعظم البريطانيين، كان الرياضيون البريطانيون المشاركون في الألعاب الأولمبية محظيين بتناول حصصٍ خاصة من لحم الحيتان. بالتالي كان على بريطانيا المفلسة، مع انقطاع خطها الائتماني مع الولايات المتحدة، أن تستجدي كندا لتمنحها مليار دولار. في بريطانيا المفلسة مجدداً، تفيد التقديرات بأنّ كلفة التدابير الأمنية وحدها التي ستُتَّخذ استعداداً لأولمبياد لندن لعام 2012 ستبلغ 553 مليون جنيه استرليني. ومن المقرر أن تتخطى الكلفة الإجمالية للألعاب الأولمبية 10 مليارات دولار. عام 1948، كانت بريطانيا قد أوقفت للتو مشاريعها «لبناء الدولة» خلال الحقبة ما بعد الإمبريالية في الهند وفلسطين، ومرة أخرى عام 2012 تستضيف بريطانيا الأولمبياد وكأنها تهرب من النجاحات التي حققتها على صعيد بناء الدولة خلال الحقبة التي تلت حقبة ما بعد الإمبريالية في العراق وليبيا وأفغانستان.
قبل سنة أو أكثر بقليل من دورة الألعاب الأولمبية لعام 48 كان البريطانيون يملكون خلال الانتداب على فلسطين عدداً من الجنود يفوق بعشرة أضعاف عدد الجنود الذين لديهم الآن في أفغانستان. في ذلك الوقت، كما اليوم، كانت المملكة المتحدة مستنزفة مالياً وعاجزة عن تحمّل أي تدخل إمبريالي إضافي. تخلت بريطانيا عن الإمبراطورية ثم اعتمدت التقنين والترشيد في كل شيء، وأقامت في الوقت عينه، بطريقة ما، دولة رفاه وقطاعاً صحياً وطنياً تُحسَد عليه عالمياً، ونظّمت ألعاباً أولمبية مربحة. لكنّ مضيفي الألعاب الأولمبية لهذا العام خفضوا _ بسعادة _ الضرائب المفروضة على الأثرياء وطبقوا الخفوضات الأعمق في دولة الرفاه منذ الحرب العالمية الثانية، وقاموا بخصخصة قطاع الصحة الوطني، ودعوا العالم إلى الانضمام إلى بريطانيا هذا الصيف لحضور المباريات التي تتمحور حول اللاعبين وتمثّل في الوقت عينه احتفالاً بالنصر بالنسبة إلى السلطة المؤسساتية والنخبة الحاكمة.
موّل لاكشمي ميتال، قطب عملاق في صناعة الفولاذ والرجل الأثرى في بريطانيا، نصف كلفة بناء البرج الغريب الأحمر المزدوج الحلزوني الشكل في موقع الألعاب الأولمبية، وسُمِح له بالمقابل بشراء خمسة آلاف تذكرة للصفوف الأمامية يستعملها ويوزعها كما يراه مناسباً، فيما لم يتمكن أكثر من مليون بريطاني من الحصول على تذاكر ضمن نظام السحب لعام 2012 بسبب توزيع التذاكر. هذا هو الإدراك المرير أنّ الألعاب الأولمبية «ليست لنا»، وأنّه في زمن التقشف هذا، يمتلئ مركز «ويستفيلد» التجاري المتألق بأشياء لا يستطيع الكثير من اللندنيين شراءها، ما دفع ويل سيلف، الناقد الأدبي الطريف والمعلق الثقافي والروائي، إلى الاستخلاص أنّ «الألعاب الأولمبية استنزفت بريطانيا إلى حدٍّ كبير».
طبعاً، كما كانت الحال دائماً، يتمثل رد لندن التقليدي على كل شيء في النواح والاحتجاج، ومما لا شك فيه أنّ ظنّ الكثير من اللندنيين قد خاب؛ لأنّ المنشآت الأولمبية بُنيَت بهذه الفعالية والسرعة، فقد كانوا يتوقّعون العكس تماماً. إذا سئل السكان المحلوين في معظم حانات لندن عن رأيهم بعرض الألعاب الأولمبية، المقرر أن يستمر لأسبوعين خلال فصل الصيف، سيجيبون بشيء كـ«آمل أن تمطر». يبدو أنّ أحداً لا يستطيع الحصول على تذاكر أو أنهم منزعجون لأنّهم لم يجدوا أي زبون للشقة التي كانوا يأملون تأجيرها للسياح الآتين لمشاهدة الألعاب الأولمبية، أو أنهم مستاؤون من «مسارات الألعاب» المخصصة للأشخاص المهمين جداً.
عشية أولمبياد عام 48 كانت الأجواء في لندن مزرية أيضاً لأسباب مشابهة نوعاً ما. فقد كانت لندن «مدينة متداعية، متهالكة، متدهورة وفاسدة»، كما يذكر أحد اللندنيين.
أجل، كان النازيون يستطيعون تنظيم احتفال عادي لافتتاح الألعاب الأولمبية. طبعاً، سعت كل عروض الألعاب التي نُظِّمَت ابتداءً من الألعاب الأولمبية المتقشفة لعام 1948 ووصولاً إلى الألعاب الأولمبية المتقشفة لعام 2012 إلى محاكاة الحداثة المذهلة لمبارياتهم وسلاسة الحفل الافتتاحي في برلين. حددت الصين الستالينية في السوق معياراً مرتفعاً جديداً للإفراط والتفوّق لا تستطيع لندن أن تدّعي مضاهاته. فعلى الأقل، انتظر الصينيون انتهاء المباريات ليسجنوا الفنان المنشق آي وايوي، مصمم ملعب بكين الوطني المعروف بـ«عش الطائر»، الذي بني لاستضافة الألعاب الأولمبية. وحتى النازيون لجموا دعاياتهم وصحفهم العنصرية طوال فترة المباريات. لكنّ منظمي أولمبياد لندن لعام 2012 ليست لديهم هواجس مماثلة بشأن إزعاج ضيوفهم. يتحدى منظمو أولمبياد لندن الاحتجاجات على مسؤولية شركة داو كيميكال المسؤولة عن كارثة بوبال في الهند عام 1984 التي أدت إلى وفاة 15 ألف شخص، وذلك من خلال السماح لهذه الشركة برعاية الألعاب الأولمبية ونشر علامتها التجارية في الاستاد.




«ألهم جيلاً»!


فيما بدأ العد التنازلي لأولمبياد لندن 2012، المقرر أن يبدأ في التاسع والعشرين من تموز ويستمر حتى الثاني عشر من آب، كشف منظمو الحدث الرياضي يوم الأربعاء الماضي، أن «ألهم جيلاً» هو شعار الدورة. وعقب إعلان شعار الألعاب، علق رئيس اللجنة التنظيمية في أولمبيات لندن، اللورد سيبستيان كو (الصورة) قائلاً: «هو كل ما كنا نقوله منذ بدأنا هذه الرحلة الاستثنائية. إنه دقات القلوب، الحمض النووي لهذه المنظمة وصرخة نداء للرياضيين أن احضروا إلى بريطانيا وألهموا العالم». في غضون ذلك، تمثّل المتفجرات تحدياً أمنياً، بعدما تبين أن الكلاب البوليسية لدى شركة الأمن الخاصة البريطانية «جي 4 س»، المكلفة توفير الحماية للأولمبياد، لم تتمكن من اكتشاف مادة سيمتكس البلاستيكية؛ بعدما قام شرطي بريطاني بتهريبها إلى موقع سباقات الخيول «غراند ناشنال» في اختبار سري.
(الأخبار)