فاجأ إعلان استقلال «الأزواد» أغلب المراقبين، ووضع القوى الدولية والإقليمية في حرج واضح، وبالأخص في ما يتعلق بالموقف الذي يجب اتخاذه تجاه الطغمة التي أطاحت الرئيس المالي: هل يجب الاستمرار في الضغط عليها من أجل إرغامها على «إعادة الشرعية»، أم منحها فسحة من الوقت وتأييداً غير مباشر، لإعادة بسط سيطرة الجيش الحكومي على المناطق التي استولى عليها ثوار الطوارق؟

في الظاهر هناك إجماع من قبل «المنظومة الدولية» على شجب إعلان استقلال الأزواد، حيث عبّرت الولايات المتحدة عن «رفضها على نحو كامل للمطالب الانفصالية». ورأى وزير الخارجية الفرنسي، ألان جوبيه، أن إعلان الاستقلال «ملغى ولا مفعول له»، وقالت المفوضة الأوروبية للشؤون الخارجية، كاترين أشتون، إن «أوروبا تعارض بشدة أي إجراء من شأنه أن يعيد النظر في الوحدة الترابية لدولة مالي». وعبّر رئيس الاتحاد الأفريقي، جون بينغ، بدوره عن رفض استقلال الطوارق، قائلاً إن «الدول الأفريقية ترفض رفضاً قاطعاً استقلال شمال مالي، وتعدّ إعلان استقلال الطوارق أمراً لا معنى له».
لكن تجاذبات كثيرة تدور في كواليس الدبلوماسيات الأفريقية والغربية. هناك فريق يحظى بتأييد أميركي، ويضم أغلب دول منظومة غرب أفريقيا وبعض القوى الإقليمية الأخرى كالجزائر والنيجر وكوت ديفوار، وينادي ـــــ على نحو غير علني حتى الآن ـــــ بدعم السلطة الجديدة في مالي، من أجل التصدي لانفصال الطوارق، في مقابل التزام الطغمة بـ «إعلان مبادئ» بخصوص العودة إلى الشرعية الدستورية وتسليم السلطة للمدنيين في أقرب الآجال، والتفاوض مع نشطاء الطوارق لتأليف حكومة وحدة وطنية تمنح أقاليم الشمال حكماً ذاتياً موسعاً. وهناك فريق آخر ينادي بتأييد مطالب حركة تحرير الأزواد، في مقابل التزامها بمحاربة تنظيم «القاعدة» وإخراج نشطائه من المناطق التي يسيطر عليها الطوارق. ويحظى هذا الفريق بدعم المغرب وموريتانيا ونيجيريا والسنغال وبوركينا فاسو، كما يؤيده تيار قوي في كواليس الدبلوماسية الفرنسية، من منطلق أن «معالجة الوضع الحالي لا يمكن أن تجري من خلال الاكتفاء بحسن النوايا وإعلان المبادئ»، كما يقول دبوماسي فرنسي تحدثت معه «الأخبار» أمس في باريس. ويضيف: «لقد فشلت كل المساعي الغربية والتكتلات الإقليمية حتى الآن في التصدي لنشاطات تنظيم «القاعدة» في الساحل الأفريقي، بالرغم من أن تعداد نشطاء هذا التنظيم في الصحراء لا يتعدى 500 مسلح. فكيف يمكن التصدي للمتمردين الطوراق الذين يفوق عددهم 3 آلاف مقاتل، ويعدون أحسن تسليحاً وأكثر معرفة بتضاريس المنطقة وخصوصياتها؟». ويتابع المصدر الفرنسي: «منذ سنوات، يعبّر العديد من النشطاء الطوارق عن وجهة نظر جديرة بالاهتمام، مفادها بأنهم الوحيدون الذين يستطيعون دحر «القاعدة» وطردها من أراضيهم، إذا مُنحوا الدعم السياسي والعسكري اللازم، لكن هذا المسعى كان يصطدم دوماً بمعارضة بعض القوى الإقليمية، خشية أن يستغل الطوارق مثل هذا الدعم للتسلح والمطالبة بإعلان دولتهم. أما اليوم، وقد أُعلن الاستقلال، فأمام القوى الإقليمية والدولية خياران، لا غير: إما دعم استقلال الأزواد، في مقابل التزام الطوارق بمحاربة «القاعدة» وطردها من أراضيهم، أو الوقوف ضد قيام دولة الأزواد، ما سيدفع نشطاء الطوارق إلى التحالف مع «القاعدة» لمحاربة أي قوى قد تتدخل». وكشف المصدر الفرنسي في حديثه لـ «الأخبار»، أن اتصالات قد جرت خلال الأيام الأخيرة مع عدد من نشطاء الطوارق، عبر قنوات غير رسمية، في باريس ونواكشوط، من أجل جس النبض، ومعرفة مدى استعداد الحركة الأزوادية للالتزام فعلياً بمحاربة «القاعدة». وأضاف أن «النتائج كانت مشجعة»، لكنه استدرك بأنه هذا المسعى يصطدم بتحفظ الدبلوماسيات الرسمية الغربية على مسألة إعادة النظر في الحدود الموروثة عن الاستعمار، لأن ذلك قد يمُثل سابقة من شأنها أن تطلق «ربيعاً أفريقياً» من الحركات الانفصالية التي قد تطاول دولاً مجاورة، مثل ليبيا والنيجر والجزائر، وغيرها...».