الحديث بلغة الأرقام. معدلات مشاركة وتنوّع في الطيف السياسي الفائز، لعلهما التعبير الأصدق عن كيفية ردّ الأمة الإيرانية على الضغوط الخارجية. معركة انتخابية بتلك الضراوة لم تشهد ولو ضربة كف واحدة، من دون أن يعني ذلك عدم استخدام كل أنواع الأسلحة المباحة، وبينها على سبيل المثال تطبيق أحكام قضائية بحق أبرز مساعدي الرئيس محمود أحمدي نجاد.


نسبة اقتراع استثنائية، بلغت على مستوى البلد 64.2 في المئة، بزيادة قدرها 13 في المئة عن الانتخابات البرلمانية السابقة في 2008 (51 في المئة)، من دون أن يعني ذلك عدم وجود معارضة خارج النظام، وأخرى لا تزال تتفيّأ بعباءة المرشد علي خامنئي، علماً بأن الرقم الأخير يُعتبر من الأعلى في العالم، حيث مستويات المشاركة في الانتخابات النيابية في الديموقراطيات المعاصرة لا تتجاوز في العادة سقف الأربعين في المئة. اقتراع من الصعب التشكيك في نزاهته بعدما أطاح رؤوساً من المحافظين التقليديين وأطلق العنان لمجموعة الرئيس من دون أن يضمن نجاحها، وحمى شخصيات من رموز الإصلاحيين، منتجاً مجلس شورى أصولي النزعة بنكهة إصلاحية ومتعاوناً مع إدارة نجاد، بما يسمح له بإكمال ولايته من دون مواجهات حاسمة، ولكن من دون أن يطلق يديه في الحكم.
صحيح أن اقتراع يوم الجمعة لم يؤدّ، بحسب النتيجة التي أعلنت رسمياً مساء الاثنين، سوى إلى فوز 225 نائباً من أصل 290 (وبينهم خمسة في طهران من أصل 30)، إلا أن توجهه بات واضحاً، وسمة أعضائه لافتة: جميع الفائزين، أصوليين كانوا أو إصلاحيين، من المؤيدين الأشداء للولي الفقيه. وبحسب القراءة الأولية، التي تحتاج إلى مزيد من التدقيق، فإن حوالى 140 من الـ225 ينتمون إلى الجبهة المتحدة للأصوليين التي يدعمها رئيس رابطة رجال الدين المناضلين، آية الله مهدوي كني، ورئيس مجمع أساتذة الحوزة الدينية في قم، محمد يزدي، ومن أبرز رموزها غلام علي حداد عادل وعلي لاريجاني. وفاز بين 15 و20 من قائمة «صوت الشعب» التي يتزعمها النائب المحافظ البارز علي مطهري، وهي لائحة أصولية منتقدة للدولة والحكومة، وتضم في صفوفها أصوليين يتحدثون لغة إصلاحية وإصلاحيين تحولوا إلى الأصولية. وهناك نحو 15 من «جبهة أنصار الحكومة الإسلامية» الموالية للرئيس نجاد. وفاز أقل من 10 من الإصلاحيين الأعضاء في البرلمان الحالي مثل مصطفى كواكبيان وعلي رضا محجوب. كذلك فاز نحو 40 يدّعون أنهم مستقلون، لكنهم في الحقيقة إما من مجموعة مهدوي كني أو من لائحة جبهة الصمود التي تتفيّأ بعباءة آية الله مصباح يزدي، ويُرجّح أن ينضموا إلى قائمة لاريجاني وحداد عادل. ناهيك عن خسارة 69 من أصل 79 نائباً حالياً من الأصوليين التقليديين المناهضين لحكومة نجاد.
ويفترض أن ينتقل المرشحون ممن لم يحصلوا على ربع زائداً واحداً من أصوات الناخبين إلى دورة ثانية مقررة في نيسان المقبل لانتخاب الأعضاء الـ65 الباقين.
وكان لافتاً تأكيد مهدوي كني، في خلال افتتاح الاجتماعات الدورية لمجلس خبراء القيادة أمس، أن «على المجلس (البرلمان الجديد) والحكومة أن يتعاونا بروح الصداقة والأخوة»، فيما شدد الرئيس الأسبق للبرلمان حداد عادل، على أن «قوة مجلس الشورى الجديد ليست في مواجهة الحكومة (نجاد)، بل في التعاون معها».
وموضوع الانتخابات ليس مسألة عابرة في الجمهورية الإسلامية، حيث يحكم النظام بـ«شرع الله وإرادة الشعب»، بغض النظر عن كيفيّة تعبير هذا الأخير عن إرادته تلك، سواء بعملية انتخاب عادية كالتي جرت قبل أيام، أو عبر استفتاء كالذي جرى يوم انتصرت الثورة في 1979 لاختيار طبيعة نظام ما بعد الشاهنشاهية، أو عبر الانتخاب غير المباشر عن طريق انتخاب الولي الفقيه من قبل مجلس الخبراء المنتخب من الشعب. بل إن من أبرز الدلائل على اعتماد النظام على الانتخاب أنه أجرى ما معدّله عملية اقتراع سنوياً منذ قيامه.
وترى مصادر فاعلة في الحياة السياسية الإيرانية أن «الانتخابات الأخيرة كانت اختباراً للجيل الثالث من الثورة، ذاك الجيل الذي لم يعايش الإمام الراحل الخميني، ولم يشهد التضحيات التي ولّدت الثورة، كما أنه لم يعاصر المرشد علي خامنئي. جيل أثبت أنه واعٍ ومدرك، موالٍ لقيادته رغم أنه لم يعرفها». وتضيف «هي انتخابات تثبت أيضاً أن الإيرانيين شعب يريد الاستقرار والثبات». ومعروف أن الإيرانيين شعب يعتزّ بأن بلاده لم تُستعمر يوماً. هم شعب يحب وطنه. متدين. يعشق المقدس ويعشق الأسطورة ويزاوج بينهما. يستحضر التاريخ الذي يبدو حاضراً في يومياته، أو على الأقل في عقله الباطني. يلتزم بالقيادة الحازمة والقوية التي تعرف سمات شعبها وطبيعته. شعب لديه ميزات ثلاث: الأولى، تعلّم كيف يقفز بسرعة عن الفردية والفصائلية والحزبية والفئوية، مهما تكن، عرقية أو مذهبية أو مناطقية أو محلية، في اللحظات الصعبة وعندما يواجه التحديات. هو يعرف جيداً كيف يبدل الأنا والأنت إلى نحن. يعرف كيف يصبر ويوجه ركلته في اللحظة الأخيرة. صبر تعلّمه من صناعته التقليدية الشهيرة، حياكة السجاد، التي يتماثل معها في كونه يظهر بألوان كثيرة، لكنه في النهاية كيان واحد موحد.
مصادر إيرانية منخرطة بعمق في الشأن الانتخابي ترى أن المرشد علي خامنئي، «الذي يعرف شعبه حق المعرفة، أعطاه ما يريد. هو أولاً ترك الأصوليين ينقسمون كما يشاؤون، وترك للإصلاحيين الحرية الكاملة في التصرف، سواء من حيث المقاطعة، أو من حيث كيفية المشاركة في الانتخابات، من دون أن يسمح للنظام بأن يبطش بأحد، رغم المنافسة الحادة، وإن حصلت بعض الشدة في حالات معينة». وتضيف أن «هذا ما جعل الجميع يشاركون بأريحية في عملية الاقتراع، بدليل أن كبار شخصيات المعارضة مثل (الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي) رفسنجاني و(الرئيس السابق محمد) خاتمي و(حفيد الإمام الراحل) حسن الخميني، أدلوا بأصواتهم. بل إن ابن أخت خاتمي، محمد رضا خاتمي، الذي فاز في الانتخابات، وجّه الشكر بنحو خاص إلى خامنئي، لأنه أدار عملية الاقتراع بطريقة أفضت إلى وصول كل هذه الألوان السياسية إلى مجلس الشورى».
وينقل أحد زوار رفسنجاني عن هذا الأخير قوله إن خامنئي أبلغه أن «ما يهمه هو المشاركة الأكبر ليس إلا، وأنه مستعد لأن يذهب بعيداً في فتح المجال للمشاركة حتى ولو أخذت المعارضة 60 في المئة من مقاعد البرلمان، وأنه في حال حصل ذلك فسيذهب إليهم ليحاورهم ويتعاون معهم».
وتتابع المصادر السالفة الذكر أن «هذا الجو المنفتح أشيع في إيران، ومن أبرز مصاديقه كان ترك المرشد الباب مفتوحاً لنقد جماعة الرئيس (محمود أحمدي) نجاد بأقسى العبارات، وترك الباب لجماعة نجاد لأن يفعلوا ما يريدون، وترك الحبل للأصوليين لينقسموا كما يريدون ويتحالفوا مع من يريدون، وترك الإصلاحيين يخوضون المعركة بالطريقة التي يرونها مناسبة»، مشددة على أن «خامنئي فعل ذلك كله، لكنه شدد على أمر واحد: ما يهمني هو أن تعرفوا أن تقديري للموقف أن العدو يمتلك آخر طلقة، آخر سهم، وهو أن يمنعكم من المشاركة في الانتخابات، فردّوا هذه الطلقة عليه واقترعوا بأكثر كثافة ممكنة».
ولا شك في أن العملية الانتخابية جاءت في ظرف دولي وإقليمي بالغ الحساسية، في ظل استعار الحملة الغربية على الجمهورية الإسلامية، ما أسهم في تعزيز هذا التوجه وفي رص الصفوف على قاعدة التأكيد على عدم حصول انشقاقات، لا بين القيادة والشارع ولا في صفوف الشارع، في محاولة للإيحاء برفض أي سيناريو عراقي أو أفغاني لإيران، والتشديد على أن «ربيعنا نصنعه بأيدينا ولا نستورده من الخارج».
وبلغ الأمر ببعض الفاعلين في الحياة السياسية الإيرانية تشبيه ما جرى بأنه «مناورة انتخابية» على طريقة المناورة العسكرية الكبرى التي جرت في مضيق هرمز أخيراً، مشيراً إلى أنه يثبت أن «القائد يعرف الشعب والشعب يعرف قيادته، ما جعله يقفز فوق الفئوية الحزبية، فكان التشطيب سيد الموقف». ويضيف هذا البعض أن جميع الفائزين، رغم اختلاف تلاوينهم، يجمع بينهم أمران: الأول، أنهم أوفياء للمرشد. والثاني أنهم من منتقدي نجاد، الذي خسر في هذه العملية شقيقه، أمير، وصهر هذا الأخير، ومعهما كبار رموز النجادية من مثل السفير السابق لدى دمشق أحمد الموسوي الذي استُدعي من منصبه للمشاركة في الانتخابات، والسفير السابق لدى عمان، نوشابادي. حتى إن صهر نجاد، اسفنديار رحيم مشائي، قام بحملات ضخمة في عدد من المحافظات لم ينجح في خلالها في ضمان فوز الكثيرين. بل سقط أيضاً الكثير من رموز الإصلاحيين، مثل الأمين العام لحزب سيادة الشعب مصطفى كواكبيان، ورموز المحافظين التقليديين من غير الواضح مدى التزامهم بولاية الفقيه، مثل فلاحت بيشيه، وأحمد ناطق نوري (شقيق علي أكبر ناطق نوري). حتى رموز المحافظين في طهران انتقلوا إلى الدورة الثانية مثل أسد الله باداشيان ومحمد رضا باهنر ومحمد نبي حبيبي. خمسة مرشحين فقط نجحوا في طهران، تصفهم تلك المصادر بأنهم «الأصدق مع الناس ومع الولي الفقيه»، هم: غلام علي حداد عادل، وآقا علي طهراني، ومرندي، وأبو ترابي، ومسعود مير كاظمي.
وتتقاطع المصادر عند الإشادة بنزاهة الانتخابات. حجتها في ذلك أن السلطة (أي الحكومة) لو كانت تريد أن تلعب لعبة التزوير لفعلت ذلك لمصلحة مجموعة نجاد، ولما خسرت الشقيقة الصغرى لهذا الأخير، بارفين أحمدي نجاد، في مسقط رأسها في غارمسار. ولو أراد النظام أن يفعل ذلك، لكان الأسلم أن يفعل ذلك على يد مجلس صيانة الدستور الذي كان سيوافق بالتأكيد على تأهيل ممثل المرشد في الجيش، السيد محمود علوي، ونائب رئيس البرلمان، شهاب الدين صدر، وبالتالي لما كان سيرفضهما، ولما كان هذا النظام سيترك الرموز التقليديين للأصوليين يخسرون، ولما كان سيترك شخصيات من غلاة الإصلاحيين يفوزون، مثل محمد رضا خاتمي (في أردكان) وتاج فردون، ولما كان ترك قائمة مختلطة مثل قائمة علي مطهري تخوض تلك المنافسة الشرسة مع المحافظين في طهران وغيرها من المدن الكبرى.




3 استحضارات تاريخية


في مواجهتهم للهجمات الأجنبية، يستعيد الإيرانيون تلقائياً أموراً ثلاثة كبرى شهدوها في تاريخهم. الأول، الشاهنامة، وهي 60 ألف بيت شعر جمع فيها أبو القاسم الفردوسي أهم الأساطير القديمة، وبينها كيف قاوم الأجداد هجوم التتار. الثاني، ثورة التنباك، وفيها بدأت تتبلور روحية المقاومة للنفوذ الأجنبي، عندما تصدى الميرزا الشيرازي لقيام الشاه ناصر الدين القاجاري بإعطاء امتياز لشركة إنكليزية باحتكار زراعة التبغ الإيراني، فأفتى الشيرازي بحرمة تدخينه، ووصل الأمر إلى حد تكسير النراجيل في قصر ناصر الدين شاه الذي لما طلب من زوجته أن تعدّ له نرجيلة، كان جوابها: «من حلّلني عليك حرّم التنباك». أما الأمر الثالث، فكان الثورة الدستورية، أو ثورة المشروطة لتقييد سلطات مظفر الدين شاه ببرلمان منتخب في 1906، والتي تعتبر بداية حركة التحديث في البلاد. وقتها، التجأت مجموعة من المثقفين إلى السفارة البريطانية طلباً للحماية، وطُلب من آية الله فضل الله نوري الانضمام إليهم، فكانت إجابته: «ردّوا العَلَم من حيث جاء، لقد عشت 70 عاماً تحت راية الإسلام، ولن أمضي بقية عمري تحت راية الكفر».