هي زيارة تاريخية بلا شك، تلك التي قام بها رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني لتركيا أول من أمس؛ أولاً من حيث طبيعتها: رئيس إقليم كردي يزور البلد الذي لطالما اعتبر إقليمه مشروع دولة انفصالية يتهدد وحدة تركيا. وثانياً من حيث مكان حصولها: مدينة ديار بكر، عاصمة الخزان البشري الأكبر لأكراد المنطقة، والتي يهيمن عليها حزب العمال الكردستاني. وثالثاً من حيث عنوانها: حثّ أكراد تركيا على السعي لإنجاح المصالحة التاريخية مع أنقرة. ورابعاً من حيث توقيتها: في ظل انهيار يتهدد عملية السلام المتعثرة بين تركيا وأكرادها، وعلى أعتاب جولة انتخابية يراهن عليها رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان لإيصاله إلى قصر شنقايا رئيساً بصلاحيات كاملة.

عناصر أربعة لا شك تبرر مستوى الحفاوة الذي أحاط أردوغان بها ضيفه العراقي. في النهاية، سلّم زعيم العدالة والتنمية، على ما بدا واضحاً، بخسارته لرهاناته الإقليمية التي قامت على زعامة تركية لمنطقة يهيمن على حكوماتها تيار الإخوان المسلمين الذي ينتمي إليه. الحراك التركي الأخير حيال الملف السوري أحد أبرز مؤشراته هذا التسليم. كذلك الأمر بالنسبة إلى الانفتاح المستجد، بعد عداوة أخذت أبعاداً شخصية، حيال العراق ورئيس حكومته نوري المالكي الذي تلقّى دعوة، يستعد لتلبيتها، من أجل زيارة أنقرة. ما كان أمام حاكم أنقرة إلا الالتفاف إلى الملف الداخلي، حيث طموحاته لا تقل أهمية عن آماله الخارجية: يريد تغيير النظام السياسي إلى نظام رئاسي، ما يسمح له بتولّي أعلى سلطة في البلاد بصلاحيات لا تقل عن صلاحيات رئيس الولايات المتحدة. لكن دون هذا الطموح عقبات ثلاث: الأولى تعديل دستور بحاجة إلى غالبية موصوفة لا يستطيع تأمينها من دون دعم نحو 20 نائباً كردياً في البرلمان، واستفتاء يحتاج فيه إلى أصوات نحو 2.5 مليون ناخب كردي كي يفوز فيه، وعملية انتخابية تلعب الكتلة الناخبة الكردية دوراً وازناً لضمان فوزه في البرلمان وبقصر شنقايا.
من هنا كان انفتاحه المفاجئ على الأكراد قبل أشهر، وإطلاق مسيرة المصالحة التي تعثرت لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها، لعل الملف السوري كان أحدها. ومن هنا كانت الاستعانة بمسعود البرزاني ضرورة لإعادة عجلة المصالحة إلى سكّتها.
لكن مصالح أردوغان لم تكن وحدها العامل المقرر في ما حصل. تقاطع المصالح هو الذي جعل الزيارة ضرورة للطرفين. وإذا كانت القوة التي دفعت أردوغان باتجاهها واضحة، فإن دوافع الضيف العراقي لا تزال بحاجة إلى شهرين أو ثلاثة على أبعد تقدير لتطفو على السطح. ففي العراق أيضاً معركة انتخابية حامية الوطيس، مقررة في نيسان المقبل، سينتخب على إثرها رئيس للعراق، بات واضحاً أنه لن يكون جلال الطالباني الذي يعيش بين الموت والحياة. وإذا كان البرزاني قد قدم أوراق اعتماده لاثنين على الأقل من القوى الإقليمية المؤثرة، والمقصود إيران والعراق، بثمن مواقف وأفعال كثيرة أخذها في ما يتعلق بالحرب الدائرة في سوريا، فهو لا يزال بحاجة إلى غطاء تركي، يبدو أساسياً لما لأنقرة من نفوذ، خاصة في منطقة كردستان العراق، فضلاً طبعاً عن حاجة البرزاني إلى الأتراك لدعمه في صراعه الكردي الكردي، على مستوى إقليم كردستان، الذي يخوضه مع حركة التغيير المعارضة بزعامة نيشيروان مصطفى، ومع فلول الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يبدو تصدع كثيراً بفعل مرض الطالباني، والتيارات السلفية والتكفيرية التي نمت كالفطر في منطقته ويبدو أنها تمثّل صداعاً كبيراً له. وعلى مستوى أكراد سوريا، حيث يبدو أنه فقد أي سيطرة.
من هنا فقط يمكن فهم ما تضمنه الخطاب الذي ألقاه البرزاني بالاشتراك مع أردوغان أمام عشرات الآلاف في ديار بكر، لحثّهم على دعم جهود إنهاء النزاع الذي أوقع أكثر من 45 ألف قتيل منذ 1984.
قال أردوغان إن «عملية السلام ستتقدم بدعم أشقائي في ديار بكر»، مؤكداً أن أكراد تركيا الذين يتراوح عددهم بين 12 و15 مليوناً هم جميعاً «مواطنون من الدرجة الأولى». وتساءل «كيف يمكن تركياً وكردياً أن يتقاتلا؟ يجب ألا يتقاتلا، ولن يحصل ذلك بعد اليوم».
أما البرزاني فتوجه إلى الحشود التي كانت ترفع الأعلام الكردية والتركية وأعلام حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، طالباً من «إخوانه الأكراد والأتراك دعم عملية السلام». وقال «إننا ندعم عملية السلام بكل قوانا». وأضاف البرزاني، الذي ألقى بضع كلمات باللغة التركية، «عاشت الصداقة التركية الكردية. عاش السلام. عاشت الحرية»، مؤكداً أن «الأيام التي كان فيها الشباب التركي والكردي يسيل بعضهم دماء بعض قد ولّت».
وكان رئيس الحكومة التركية قال قبل أيام «سنشهد نهاية هذا الأسبوع في دياربكر عملية تاريخية... نأمل أن تكون تتويجاً لعملية السلام» التي بدأت قبل عام مع متمردي حزب العمال الكردستاني.
وكان أردوغان أعدّ أول من أمس استقبالاً حافلاً للبرزاني الذي يقوم بزيارة هي الأولى من نوعها لدياربكر حيث تبدو عملية المصالحة مهددة بالانهيار إثر عدم إيفاء أردوغان بوعوده لجهة تطبيق الإصلاحات، بعدما أوقف حزب العمال الكردستاني النار في آذار الماضي ثم بدأ بعد شهرين بسحب مقاتليه من الاراضي التركية نحو قواعدهم في شمال العراق.
وقال وزير الطاقة التركي تانر يلديز الجمعة «إذا كان للبرزاني أهمية في نظر مواطنينا، فهذه الأهمية ستسهم» في عملية السلام.
بدوره، وصف مسؤول العلاقات الخارجية في حكومة إقليم كردستان، فلاح مصطفى، أمس، زيارة البرزاني لمدينة ديار بكر بـ«التاريخية»، معتبراً أن للزيارة واستقبال أردوغان مدلولات كثيرة أهمها أنها «دليل على انتهاء زمن الإنكار والبدء بصفحة جديدة في التعامل بين الطرفين والتعايش السلمي». وقال مصطفى إن «الزيارة تاريخية ومهمة لأنها تظهر التطور الذي حصل في تركيا وفي موقف الحكومة التركية تجاه القضية الكردية وتجاه السلم والتعايش السلمي». وأضاف «لذلك نحن ندعم بقوة عملية السلام، وهذه الخطوات الصائبة التي تتخذها الحكومة التركية».
(الأخبار)