إسطنبول – احتفل الأتراك أول من أمس بالذكرى الـ90 لقيام الجمهورية التركية التي أعلنها مصطفى كمال أتاتورك بعد حرب الاستقلال التي بدأت في 19 أيار 1919 وانتهت في 23 تشرين الأول 1923.


وربما للمرة الأولى احتفل كل من الدولة والشعب على انفراد بهذه الذكرى التي أراد من خلالها معارضو رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان، أن يقولوا له إنهم لا ولن يسمحوا له بالتخلص من هذه الجمهورية الأتاتوركية العلمانية وإقامة دولة إسلامية وفق أيديولوجية حزب العدالة والتنمية الحاكم.
في هذه المناسبة خرج الملايين من المواطنين الأتراك في عدد كبير من المدن في تظاهرات كبيرة أهمها في أزمير وأنقرة وإسطنبول، معبّرين عن التزامهم النهج الديموقراطي العلماني للجمهورية الأتاتوركية.
هذا لم يمنع الدولة من الاحتفال بهذه المناسبة عبر عروض عسكرية في أنقرة وإسطنبول بحضور رئيس الجمهورية عبد الله غول، ورئيس الوزراء ومعهما لأول مرة في تاريخ الجمهورية زوجاتهم المحجبات، في تحدٍّ جديد من «العدالة والتنمية» للنظام العلماني.
وسبق لأردوغان أن أعلن بداية الشهر الجاري عن قانون جديد يسمح للمحجبات بالعمل في جميع مؤسـسات الدولة ومرافقها باستثناء الجيش والشرطة والقضاء. استثناء مؤقت بحسب رأي الكثيرين من المعلقين السياسيين.
يأتي هذا في الوقت الذي يستعد فيه أردوغان لتحدٍّ جديد مع النظام العلماني الذي سيواجه امتحانه الأهم اليوم أو غداً عندما تدخل البعض من أعضاء البرلمان عن حزب العدالة والتنمية قاعة مجلس النواب وهن محجبات. واللافت أن بعضهن تحجبن فور عودتهن من فريضة الحج بناءً على دعوة من الملك السعودي عبد الله، ومعهن الرئيس غول. ومن دون أن يتذكر أي منهم هجوم أردوغان وإعلامه العنيف بأقسى العبارات على الملك المذكور بسبب موقفه المؤيد للانقلاب العسكري على الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي.
لكن حزب الشعب الجمهوري المعارض، يرى في هذا التصرف استفزازاً جدياً وجديداً ضد الجمهورية العلمانية بعد أن سيطر أردوغان وحزبه على جميع مؤسسات الدولة التركية ومرافقها، وفي مقدمتها الجيش الذي تحول إلى جهاز إداري بسيط يتلقى تعليماته من رئيس الوزراء، حسب الاعتراف الأخير لرئيس الأركان الفريق أول نجدت أوزال.
ويشجّع مثل هذا الواقع الجديد للجيش أردوغان على مزيد من التحديات ضد الجمهورية العلمانية، إذ بات واضحاً أن رئيس الوزراء الاسلامي يريد أن ينتقم من هذه الجمهورية لما قامت به ضد الإسلاميين منذ تأسيسـها وحتى تسلّم حزبه السلطة في عام 2002.
يبقى السؤال الأهم: هل يحقق أردوغان ومتى كل أهدافه ومخططاته للتخلص من جميع أفكار الجمهورية العلمانية وآثارها وإقامة دولة ومجتمع متدين يريد من خلاله أن يحوّل تركيا إلى نموذج إسلامي إقليمي ودولي؟
ومن دون أن يخطر على باله أن الجمهورية العلمانية خلال الأعوام الـ90 الماضية، جعلت من المجتمع التركي يختلف كثيراً، حتى في الدين، عن المجتمعات العربية والإسلامية الأخرى التي يبدو واضحاً أن أردوغان ومن حوله لم ولن يفهموها، جهلاً منهم بكل تناقضاتها، وخصوصاً مع سقوط جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وفشل المشروع التركي – السعودي في سوريا بسبب تناقضات الطرفين «الإسلاميين» تاريخياً ومذهبياً وسياسياً.