إسطنبول | حكاية رئيس حكومة تركيا رجب طيب أردوغان مع الإعلام طويلة. من آخر فصولها تحميله وسائل الإعلام مسؤولية التظاهرات التي شهدتها 50 محافظة، والتي اعتبرها مع تغطيتها الإعلامية في الداخل والخارج، مخططاً خطيراً يهدف إلى إطاحة حكومته. وأتهم أردوغان وسائل الإعلام الأميركية والأوروبية أيضاً بتحريض الشعب التركي وتلطيخ سمعة النموذج الديموقراطي التركي في المنطقة والعالم. وحمّل شبكات التواصل الاجتماعي مسؤولية الأحداث التي شهدتها البلاد بعدما نجح المتظاهرون في الاستفادة من هذه الشبكات لجمع قواهم والتظاهر في ساعات وأماكن مختلفة. وأرسل أردوغان الشهر الماضي وفداً إلى الولايات المتحدة للقاء مسؤولي شبكات تويتر والفيس بوك، وطلب منهم مساعدته في الوصول إلى «المحرضين والمجرمين»، وطلب مساعدته في مساعيه لتضييق الحصار على الشخصيات الإعلامية والاجتماعية المرموقة التي يتابعها الناس عبر الشبكات المذكورة.

ومن دون أن يهمل أردوغان خلال هذه الفترة حربه ضد وسائل الإعلام التي وقفت بشكل أو بآخر إلى جانب التظاهرات حتى من خلال بث ونشر أخبارها التي أزعجت حكومته، لم تتردد الحكومة في مصادرة ممتلكات رجل الأعمال محمد أمين كارا محمد، بحجة ديونه الضريبية المستحقة للدولة في الوقت الذي يعرف فيه الجميع أن أردوغان كان منزعجاً من وسائل الإعلام التي يملكها المذكور لأنها كانت تنتقد سياسات الحكومة باستمرار. وشمل قرار المصادرة الصحف والمجلات والإذاعات والتلفزيونات التي تتبع لرجل الأعمال المذكور وبيعت فوراً لرجال أعمال مقربين من الحكومة. وكان القرار الأول للمالك الجديد هو التخلص من جميع كتّاب الأعمدة ومقدمي البرامج السياسية المعروف عنهم معارضتهم لسياسات أردوغان الداخلية والخارجية. كذلك شمل غضب أردوغان وانتقامه العديد من الإعلاميين في الصحف والتلفزيونات الأخرى التي أضطر أصحابها إلى طردهم بناءً على تعليمات وأوامر أردوغان ومستشاريه الذين أكدوا في أكثر من مناسبة أنهم لا يريدون من يقف ضدهم وضد زعيمهم أردوغان وسياسات الحكومة أياً كانت الحجج والمبررات، علماً أن البعض من هؤلاء كان من أقرب المرقبين لأردوغان.
وكان هؤلاء المطرودون من تلفزيوناتهم وصحفهم، وقد زاد عددهم على 50 خلال الشهرين الماضيين فقط، أكثر حظاً من رفاقهم وزملائهم الذين أودعوا السجن لسبب ما وزاد عددهم على 120 أعلامياً حسب أرقام المنظمات الصحافية الأوربية والأميركية والعالمية.
وتحدثت وسائل الإعلام باستمرار عن مضايقات مستمرة يتعرض لها رجال الأعمال المالكين لوسائل الإعلام التي سيطر أردوغان على الكثير منها، حيث أمر أتباعه وأنصاره بشراء تلك التي تصادرها الدولة ثم تبيعها بحجة ديونها المستحقة على الدولة. وبهذه الممارسات، باتت الحكومة تسيطر على نحو 80% من الإعلام المكتوب والمرئي، حيث تراجع عدد كبير من الإعلاميين عن مواقفهم السابقة وتحولوا إلى موالين للحكومة خوفاً من غضبها وانتقامها، وخاصة أنه بات واضحاً أنها مصممة على ألا يسمع الرأي العام التركي أي رأي سوى رأي أردوغان. وتستعد الحكومة لإصدار قانون جديد يحد من حرية التعبير عبر شبكات التواصل الاجتماعي وفرض عقوبات صارمة على من يستخدم هذه الشبكات لتحريض المواطنين على الخروج إلى الشوارع. وتستعد الحكومة لإصدار قانون جديد يمنع مؤيدي النوادي الرياضية من إطلاق الهتافات السياسية داخل الملاعب وتغريم أصحاب النوادي غرامات مادية كبيرة في مثل هذه الحالات.
يحكى أن مديري التعليم من مختلف الولايات جاؤوا إلى وزير التربية والتعليم الأسبق في أواخر العهد العثماني، أمرألله بيك، وهم يشكون المشاكل التي تعيشها المدارس بعدما بدأ الطلبة يطالبون بمزيد من الحريات. قال لهم أمرألله بيك: «لولا هذه المدارس لكان سهلاً علي أن أدير هذه الوزارة».
ويشبه الإعلام حال أردوغان، الذي بات ينعت بستالين وهتلر، بصاحب بساتين الورد الذي يشكو كل يوم من أشواكها وهو يردد: «لولا هذه الأشواك لكانت الورود أكثر جمالاً وروعة وربحاً».