«إلى متى ستصمد تلك المملكة الغريبة؟»، سأل الديبلوماسيون الأوروبيون عن بلجيكا منذ نشأتها ككيان مستقلّ عام 1830 بعد صراعات دولية وملكية وثورة. غرابة بلجيكا ولدت مع المملكة منذ تأسيسها؛ إذ كانت ذاك «البلد الجديد الذي استورد ملكه من بلد آخر» (الأمير الألماني ليوبولد الأول). حتى إن البعض يقول إن بلجيكا نالت استقلالها فقط «من أجل حلّ صراع استراتيجي جيوسياسي بين أطراف متعددة». هكذا، مع كلّ تغيير ملكي بطريقة التوريث، كان البلجيكيون يشعرون بالخوف، نظراً إلى هشاشة وضع بلدهم والتاريخ الطويل من النزاع عليه من الدول المجاورة.


ومنذ أيام، أعلن الملك ألبرت الثاني (79 سنة) تنازله عن العرش لابنه الأكبر الأمير فيليب (53 سنة) في خطوة غير مسبوقة في تاريخ البلاد، فطرح البلجيكيون السؤال الجوهري: «هل سيكون الملك الجديد على قدر المسؤولية؟»، وأضيفت إليه أسئلة أخرى مثل: «هل سينجح بالحفاظ على توحيد البلاد وسط النزعات القومية المتصاعدة؟»، و«هل سيقود البلاد جيداً رغم صغر سنّه؟»، «ما الجديد الذي سيحمله الملك الشاب لبلجيكا؟»، «هل سيقرر يوماً ما تنصيب ابنته إليزابيث أول ملكة على البلجيكيين؟». المواطنون بانتظار أجوبة واضحة، وخصوصاً أن منصب الملك في بلجيكا ليس شرفياً فحسب، بل إن القانون البلجيكي ينصّ على ضرورة أن يوقّع الملك على كل القرارات حتى تكون نافذة المفعول. كذلك يعيّن الملك الوسطاء ورؤساء الحكومات المحتملين لإدارة المحادثات الائتلافية بعد الانتخابات.
«أنا واعٍ تماماً للمسؤوليات التي تقع على عاتقي وسأواصل التزامها من كل قلبي»، طمأن الملك الجديد مواطنيه في أول تصريح له. ويأتي تولي فيليب العرش بعد أسبوعين ونصف فقط من إعلان الملك ألبرت الثاني أن الوقت قد حان للتنحي، مبرراً قراره بتقدمه في السن ومشاكله الصحية بعد اعتلاء العرش لعشرين عاماً. وبالتزامن مع احتفال البلجيكيين بالعيد الوطني أمس، أقسم الأمير فيليب على احترام الدستور خلال مراسم حلف اليمين في البرلمان الاتحادي المواجه للقصر الملكي، حيث جرت عملية التنازل عن الحكم.
ملك بلجيكا الجديد متزوّج بماتيلدا، وهو أب لأربعة أبناء، درس في كلية ترينيتي بأكسفورد وجامعة ستانفورد وتلقى تدريبه مقاتلاً في سلاح الجو البلجيكي. وفي عهد والده، تولّى فيليب رئاسة بعثات اقتصادية في أنحاء العالم للترويج للصناعات البلجيكية نيابة عن وكالة التجارة في الحكومة. الإعلام البلجيكي والفرنسي طرح أسئلة عديدة، وانقسم المحللون بين متفائلين ومشككين في العهد الجديد.
صحيفة «لو سوار» كتبت أن «تخلّي الملك ألبير الثاني عن العرش يفتح مرحلة غموض سياسي» و«يعيد النقاش في مدى استعداد ابنه، وحتى في مستقبل النظام الملكي كما هو اليوم». «لا ليبر بلجيك» رأت من جهتها أن «ألبير الثاني الذي شعر لأسباب صحية بالعجز عن مواجهة أزمة سياسية كبيرة، اتخذ قراره لمصلحة البلاد». وشددت الصحيفة على ضرورة أن يقنع الأمير فيليب الـ«فلاندر»، أي المنطقة الشمالية حيث لا يحظى النظام الملكي بنفس الدعم كما في والونيا الفرنكوفونية. وعنونت صحيفة «ليكو» التي تصدر بالفرنسية في صدر صفحاتها «ملك واحد.. وبلدان»، أما صحيفة «دي شتاندارد» التي تصدر بالهولندية، فلم تتناول أخبار العائلة المالكة كحدث أساسي وتصدّر صفحاتها موضوع عن الضرائب.
وعن انقسام البلجيكيين، قال الملك ألبرت الثاني في خطاب تنحّيه: «أنا مقتنع بأن حماية تماسك الدولة الاتحادية أمر حيوي، ليس من أجل العيش معاً بسلام فحسب، بل للحفاظ على رفاهية الجميع أيضاً».
وكان ألبرت الثاني قد تسلّم العرش عام 1993 بعد وفاة شقيقه الأكبر إثر أزمة قلبية، وكانت بلجيكا قد أصبحت للتوّ دولة اتحادية. لكن الأزمات السياسية تتالت في عهده، ولعلّ أبرزها كان بقاء الدولة من دون حكومة لمدة 541 يوماً.
وأظهر استطلاع للرأي أن أقل من نصف المواطنين في المنطقة التي تتحدث الهولندية يعتقدون أن فيليب سيكون ملكاً صالحاً مقابل ثلثين في الجزء الفرنسي.
(الأخبار، أ ف ب)