عند السابعة صباحاً يستيقظن برنّة جرس واحدة. لا مجال لإضاعة الوقت أو لكسل طارئ حتى لو أن أعمارهنّ لا تفوق السادسة عشرة. بعد الاستعداد يبدأ نهارهنّ: دروس لغة وتاريخ وحساب وفنون وباليه وخياطة وطبخ... لكن أيضاً تدريبات رماية وفكّ وتجميع «كلاشنيكوف» وتمرينات على إسعافات أولية وعلى عمليات إنقاذ من هجوم بالغاز.


هنّ طالبات «كلية موسكو الحربية رقم 9 للبنات»، مدرسة داخلية تعيد إحياء نمط المدارس العسكرية الإعدادية للبنات التي أنشئت في عهد الاتحاد السوفياتي. والهدف منها، تخريج نخبة من نساء روسيات باستطاعتهنّ تدبّر شؤون منازلهن وعائلاتهن ومجتمعاتهنّ والبلاد، على أكمل وجه.
بلباسهنّ العسكري التقليدي تتعلّم تلميذات «الكلية رقم 9» كل ما يلزم للدفاع عن النفس وعن الوطن. أحلامهنّ قد تتفاوت بين «أريد أن أصبح ضابطة في الشرطة وأقبض على المجرمين» الى «ممرضة في الجيش» أو «ضابطة استخبارات» أو حتى «مضيفة طيران».
«هنّ مستقبل روسيا ونريد أن نعدهنّ لكي يدافعن عن أنفسهنّ وعن الوطن وليصبحن زوجات وأمهات صالحات أيضاً» يقول المسؤولون عن الكلية. همّ القدرة على الدفاع عن النفس في سنّ مبكرة، الذي تتخذه الكلية كأحد مبادئها، تعزز منذ اليوم الأول لافتتاح المدرسة. ففي 1 أيلول عام 2004 فتحت كلية البنات العسكرية أبوابها وفي اليوم ذاته هاجم مسلّحون شيشانيون مدرسة بيسلان واعتقلوا حوالي ألف شخص (من بينهم 777 طفلاً) قضى منهم حوالي 385. «ربما لو تلقّى طلاب بيسلان التدريبات التي نتعلّمها لكانوا استطاعوا إنقاذ بعض زملائهم خصوصاً بتقديم الإسعافات الأولية لهم»، تقول إحدى طالبات «الكلية رقم 9».
من خلال تصريحاتهنّ القليلة لبعض الصحف الغربية، تبدو الفتيات مقتنعات بـ«واجبهنّ الوطني» حتى لو جاء ذلك على حساب مغريات الحياة وكل الـ«أكسسوارات» المرافقة لمرحلة المراهقة. ففي الكلية يُمنع التبرّج واقتناء الهواتف الخلوية وشرب الكحول والخروج من دون إذن مسبق. لكن الكلية «ليست سجناً ولا تعزل الفتيات عن حياتهن الطبيعية وعن باقي المجتمع»، يشدد المسؤولون عنها. فخلال المناسبات الوطنية وبعض الأعياد الدينية تنظم الكلية حفلات راقصة يشارك فيها طلّاب من شباب المدارس العسكرية وخصوصاً من فتيان الكلية المشابهة لـ«الرقم 9» والتي تقع بجوارها. «نلتقي بفتيان من المدارس الاخرى ويتصرفون معنا بلباقة ونبل ونحن نبادلهم ذلك أيضاً» توضح إحدى الفتيات.

ماذا عن التدريبات؟

تتلقى التلميذات أسبوعياً حصصاً تدريبية على يد بعض ضبّاط الجيش الأحمر السابقين. لا تمزح ناستيا (11 سنة) عندما تقول لبعض الصحافيين الذين زاروا الكلية إنها «لا تجد مشكلة في أن بندقية الكلاشنيكوف ثقيلة... فأنا سأمرّن عضلات يدي كي أتمكّن من حملها بطريقة أسهل في الحصص القادمة».
آنّا (16 سنة) تتقن من جهتها 5 لغات وتفوّقت على تلميذات دفعتها بتقنية فكّ الأسلحة وإعادة تجميعها في وقت قياسي. «البعض يظنّ أننا معزولون عن المجتمع أو عنفيون.. على العكس تماماً فنحن نشعر بحرية كبيرة في الكلية ومبادئنا سلمية»، تقول الطالبة المتفوّقة. «بعض الفتيات يفككن بندقية كلاشنيكوف بنفس السرعة التي قد يرسل فيها أي ولد رسالة هاتفية»، يقول المصوّر سيرغي كوزمين الذي زار الكلية ونشر مدوّنة فوتوغرافية عنها.




تأسست «الكلية الحربية رقم 9 للبنات» في عام 2004 خلال عهد الرئيس فلاديمير بوتين وبتمويل كامل من الدولة. هي مدرسة داخلية مجانية ويبلغ عدد طالباتها حوالي 300. تعدّ أول مدرسة عسكرية للفتيات في روسيا ويشارك تلامذتها في العرض العسكري السنوي في الساحة الحمراء. «بعد التسعينيات كان لا بدّ من أن نعيد ترسيخ شعور حبّ الوطن عند الجيل الصاعد.. وتلك كانت إحدى أولويات الرئيس بوتين» يقول أحد مسؤولي الكلية. بعد انهيار الاتحاد السوفياتي حلّ القطاع الخاص مكان الدولة في إدارة معظم الجامعات لكن منذ عام 2000 حاول بوتين إعادة تمويل القطاع الجامعي من قبل الدولة، ما أتاح إنشاء كليات مجانية. بعض المصادر الصحافية تقول إن هناك مشاريع اخرى لإنشاء كليات حربية مماثلة على صعيد روسيا.